- زاد إيران - المحرر
- 297 Views
في خضم مناخ إقليمي مشحون بالتوتر والتصعيد، تعود العلاقات الإيرانية الأميركية إلى واجهة المشهد السياسي والإعلامي، وسط تضارب في الروايات وتكاثر في التسريبات والتحليلات. وبين أخبار متداولة عن اتصالات غير معلنة، ونفي رسمي حازم، تتشكل صورة معقدة تعكس حساسية المرحلة وتشابك العوامل المؤثرة فيها.
خبر رسالة بزشكيان إلى ترامب… الخلفيات والتفاصيل
أثار الحديث عن رسالة من الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، إلى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب موجة واسعة من الجدل الإعلامي والسياسي، بعدما تداولت وسائل إعلام إيرانية ودولية تقارير تشير إلى وجود تواصل غير مباشر بين طهران وواشنطن عبر قنوات دبلوماسية خلفية، وتأتي هذه التقارير في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، تزامن مع تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط وتزايد التكهنات بشأن احتمال اندلاع مواجهة مباشرة بين الطرفين.

الخبر الذي شكل نقطة الانطلاق في هذا الجدل نشر نقلا عن موقع إسرائيل هيوم، وتداولته لاحقا وكالة مهر الإيرانية، حيث أشار إلى أن ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص للرئيس الأميركي لشئون الشرق الأوسط، قد نقل رسالة من مسؤولين إيرانيين إلى ترامب في إطار مساع لتأجيل أو منع عمل عسكري محتمل ضد إيران، وبحسب ما ورد، فقد تضمنت الرسالة مضمونا منسوبا إلى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، مرفقا بما وصف بأنه ضمان مكتوب من الرئيس بزشكيان.
وبحسب الرواية الإعلامية ذاتها، فإن ويتكوف كان يسعى إلى إقناع ترامب بضرورة إرجاء أي ضربة عسكرية، مستندا إلى هذا التواصل الإيراني، الذي قدم على أنه يحمل طابعا تطمينيا أو تصالحيا، هذا الطرح أعطى الانطباع، ولو مؤقتا، بأن هناك قناة تفاوض غير معلنة قد فتحت بين الجانبين، في لحظة كان فيها الخطاب السياسي العلني متسما بالتصعيد والتهديد المتبادل.

غير أن تدقيقا لاحقا في تفاصيل الخبر كشف أن التوقيت الذي جرى تداوله لم يكن دقيقا، إذ أفادت تقارير أخرى، من بينها ما نشره موقع انتخاب الإخباري الإيراني، بأن الرسالة المشار إليها، إن صحت، فإنها تعود إلى نحو أسبوعين قبل تداول الخبر، وأنها لا ترتبط بالتطورات العسكرية أو السياسية الأخيرة، وأوضحت هذه التقارير أن الرسالة لعبت دورا في مرحلة سابقة، وربما ساهمت في تأجيل خطوة أميركية كانت قيد الدراسة في ذلك الوقت.
هذا التوضيح أعاد ترتيب المشهد، إذ تبين أن ما جرى تداوله إعلاميا لم يكن اختراقا دبلوماسيا جديدا، بل إعادة إحياء لمعطيات قديمة جرى تقديمها في سياق مختلف، ومع ذلك، فإن مجرد إعادة طرح الخبر في هذا التوقيت أعاد إشعال النقاش حول طبيعة الاتصالات المحتملة بين إيران والولايات المتحدة، وحول ما إذا كانت طهران قد بعثت بالفعل برسائل تهدئة إلى واشنطن عبر وسطاء إقليميين أو دوليين.
وكان مما زاد حدة الجدل تصريح النائب الإيراني السابق مصطفى كواكبيان، الذي قال إن رسالة من بزشكيان بشأن الاستعداد للتفاوض مع الولايات المتحدة قد نقلت عبر ولي عهد السعودية إلى ترامب، وبموافقة المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، التصريح الذي فتح بابا جديدا من التكهنات، خصوصا في ظل الدور الإقليمي المتنامي للمملكة العربية السعودية ومساعيها للعب أدوار وساطة في أزمات المنطقة.

كما ساهم تقرير سابق لوكالة رويترز في تعميق هذا الجدل، حين نقل عن مصدرين مطلعين أن بزشكيان طلب في رسالة إلى ولي عهد السعودية محمد بن سلمان إقناع ترامب بالعودة إلى مسار المفاوضات النووية، ورغم أن هذا التقرير لم يتحدث صراحة عن رسالة مباشرة إلى ترامب، فإنه عزز الانطباع بوجود تحركات دبلوماسية غير معلنة خلف الكواليس.

رد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية… نفي وتأكيد على الطابع العادي
في مواجهة هذا السيل من التقارير والتكهنات، خرج المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، ليضع حدا للجدل، مؤكدا بشكل قاطع أن ما أُشيع عن رسالة من بزشكيان إلى ترامب عبر ولي عهد السعودية غير صحيح، وشدد بقائي على أن المراسلة الوحيدة التي جرت بالفعل كانت رسالة عادية ومعتادة، واقتصرت حصريا على شؤون تنظيم موسم الحج.

كما أوضح بقائي أن مضمون الرسالة التي وجهت إلى ولي عهد السعودية لا يتضمن أي إشارات إلى مفاوضات سياسية أو رسائل تتعلق بالعلاقة مع الولايات المتحدة، وأكد أن إدخال هذه المراسلة في سياق سياسي أو تفاوضي هو محض افتراض إعلامي لا يستند إلى وقائع، داعيا وسائل الإعلام إلى التحلي بالدقة وعدم الانجرار وراء روايات غير موثقة.
وفي لهجة بدت حازمة، انتقد المتحدث باسم الخارجية الإصرار على إعادة نشر تكهنات سبق نفيها رسميا، معتبرا أن مثل هذا السلوك لا يخدم المصالح الوطنية الإيرانية، بل يسهم في خلق بلبلة داخلية وتشويش على المواقف الرسمية للدولة، وأشار إلى أن السياسة الخارجية الإيرانية تدار عبر قنوات مؤسساتية واضحة، وليس عبر تسريبات أو رسائل غامضة.

رد بقائي، وفق خبراء، حمل أيضا رسالة غير مباشرة إلى الداخل الإيراني، في ظل تضارب التصريحات الصادرة عن شخصيات سياسية سابقة، فقد بدا واضحا أن وزارة الخارجية تسعى إلى ضبط الخطاب العام ومنع تضخيم أي إشارات يمكن أن تفسر على أنها تراجع أو تغيير جوهري في موقف إيران من الولايات المتحدة، خاصة في مرحلة تشهد تصعيدا عسكريا وإقليميا واسعا.
كما عكس هذا الرد رغبة رسمية في الفصل بين المسائل الدينية والتنظيمية، مثل شؤون الحج، وبين الملفات السياسية المعقدة. فطهران، وفق هذا المنطق، لا ترى في كل تواصل دبلوماسي أو بروتوكولي مدخلًا لمفاوضات سياسية، وترفض ربط القضايا التقنية أو الدينية بأجندات تفاوضية مع واشنطن.
وفي السياق ذاته، بدا النفي الرسمي محاولة لإغلاق الباب أمام أي استغلال خارجي للخبر، سواء من قبل الولايات المتحدة أو حلفائها الإقليميين، الذين قد يسعون إلى تصوير إيران على أنها بعثت بإشارات ضعف أو رغبة عاجلة في التفاوض. ومن هنا، فإن موقف وزارة الخارجية لم يكن مجرد توضيح إعلامي، بل جزءًا من معركة الخطاب السياسي في مرحلة شديدة الحساسية.
السيناريوهات المستقبلية بين إيران والولايات المتحدة
بعيدا عن الجدل حول صحة الرسالة من عدمها، تطرح التطورات الأخيرة سؤالا أوسع حول مستقبل العلاقة بين إيران والولايات المتحدة، فالتقارير التحليلية، ومنها ما صدر عن باحثين في جامعة طهران، من بينهم حمزه صفوي، تشير إلى أن المشهد مفتوح على مجموعة واسعة من السيناريوهات، تتراوح بين التصعيد العسكري الشامل والاحتواء المتبادل دون الوصول إلى مواجهة مباشرة.

السيناريو الأول يتمثل في استمرار الضغوط النفسية والعسكرية دون اندلاع حرب فعلية، ففي هذا الإطار، قد تواصل الولايات المتحدة حشد قواتها في المنطقة وإجراء مناورات واستعراضات قوة، بهدف التأثير على الحسابات السياسية الإيرانية، دون اتخاذ قرار بضربة عسكرية مباشرة، نظرًا لكلفتها العالية وعدم وضوح نتائجها.
أما السيناريو الثاني فيتعلق بإمكانية تنفيذ ضربة عسكرية محدودة، تستهدف مواقع بعينها داخل إيران، تحت ذريعة الردع أو إعادة المصداقية للتهديدات الأميركية، غير أن هذا الخيار يحمل مخاطر كبيرة، إذ تعتبر طهران أي اعتداء على أراضيها حربًا شاملة، ما قد يؤدي إلى رد واسع النطاق يخرج الصراع عن السيطرة.
السيناريو الثالث يفترض استهداف مراكز حساسة أو رمزية داخل بنية النظام الإيراني، في محاولة لنزع الشرعية السياسية أو إحداث صدمة داخلية، إلا أن هذا السيناريو يعد من أكثر الخيارات خطورة، نظرا لاحتمال تحوله إلى مواجهة إقليمية شاملة، خاصة مع استعداد حلفاء إيران للدخول في الصراع.

في المقابل، تبرز سيناريوهات غير عسكرية، تقوم على تشديد الضغوط الاقتصادية والبحرية، مثل السعي إلى خنق صادرات النفط الإيرانية أو فرض قيود صارمة على الملاحة، هذه الخيارات قد تستخدم كبديل عن الحرب المباشرة، لكنها بدورها قد تدفع إيران إلى استخدام أوراقها الإقليمية لرفع كلفة المواجهة.
على انه لا يمكن إغفال سيناريو الجمع بين عدة أدوات في آن واحد، من ضغوط اقتصادية، وتحركات عسكرية محدودة، وعمليات استخباراتية أو سيبرانية، هذا النمط المركب من الصراع بات سمة مميزة للمواجهة غير المباشرة بين الطرفين خلال السنوات الأخيرة.
كذلك، يبقى سيناريو التفاوض، ولو المؤجل، حاضرا نظريا، رغم ضعف مؤشراته الحالية، فغياب أي إشارات علنية إيجابية من طهران، واستمرار الخطاب التصعيدي من واشنطن، يجعلان هذا الخيار بعيد المدى، لكنه لا يختفي تماما من حسابات الطرفين، خصوصا إذا ما وصلت كلفة التصعيد إلى مستويات غير محتملة.
تكشف قضية رسالة بزشكيان إلى ترامب، سواء أكانت صحيحة أم منفية، عن هشاشة المشهد السياسي والإعلامي في ظل أزمات متراكمة وتوترات إقليمية متصاعدة، فالخبر، بما أثاره من جدل، لم يكن مجرد رواية إعلامية، بل مرآة لتعقيدات العلاقة بين إيران والولايات المتحدة، حيث تختلط الدبلوماسية السرية بالتصعيد العلني، وتظل كل الاحتمالات مفتوحة على مستقبل غير محسوم.

