- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 103 Views
كتب: الترجمان
شهدت الساحة السياسية الإيرانية حراكا داخليا مكثفا أعقب التصريحات المفاجئة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن احتمالية التوصل إلى تفاهم وشيك ينهي جولات الصراع العسكري المباشر؛ هذا الحراك لم يتخذ شكلا أحاديا، بل تبلور عبر شبكة معقدة من الردود الرسمية والرسائل الإعلامية والعسكرية التي حاولت الموازنة بدقة بين الرغبة في إنهاء المعاناة الاقتصادية الناجمة عن الحصار البحري، والتمسك الحازم بأسس الردع الاستراتيجي دون تقديم تنازلات مجانية.
وجاءت هذه الردود لتعكس حالة من الإجماع النسبي الداخلي على إدارة التفاوض من موقع القوة؛ حيث سارعت الأوساط السياسية إلى استثمار الأجواء الإيجابية المنعكسة على الأسواق المحلية وتراجع أسعار العملات والذهب، لتأكيد أن الدبلوماسية الإيرانية قادرة على انتزاع مكاسب ملموسة عبر وسيطها الأساسي في إسلام آباد، وبدعم من أطراف إقليمية أخرى كقطر وعمان.
بين الميدان والدبلوماسية: ثنائية الردع والانفتاح في الموقف الإيراني الرسمي
جاء الموقف الرسمي الصادر عن وزارة الخارجية الإيرانية، على لسان متحدثها الرسمي إسماعيل بقائي، ليضع النقاط على الحروف ويفرمل الاندفاعة التفاؤلية التي روجت لها منصات الإعلام الغربي؛ إذ أكد بقائي أن طهران تتعامل مع هذه المسودات بـ “تفاؤل حذر” تلخصه العبارة البليغة “خیلي دور، خيلي نزدیک” (بعيد جداً، قريب جدا).
وأوضح الخطاب الرسمي أن صياغة المدد الزمنية مثل الثلاثين أو الستين يوما الواردة في مذكرات التفاهم لن تدخل حيز التنفيذ الفعلي إلا بعد صياغة اتفاق نهائي متكامل وموقع، وأن المسودات الحالية لا تزال خاضعة للتنقيح اللغوي والقانوني عبر الوسطاء لضمان حقوق الشعب الإيراني.
هذا الرد الرسمي هدف بالدرجة الأولى إلى حماية الجبهة الداخلية من الصدمات والتأكيد على أن التجربة التاريخية مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وما تتسم به من “تناقض في الأقوال والأفعال”، تمنع طهران من الاندفاع وراء الوعود اللفظية قبل رؤية خطوات عملية وملموسة على أرض الواقع.

رسائل الصواريخ وحسابات الساسة: دلالات التناغم بين الحرس الثوري والرئاسة
لم تنفصل الردود السياسية في طهران عن ذراعها العسكري والجهادي؛ إذ حملت الرسائل الصادرة عن القيادة العامة للحرس الثوري، تزامنا مع ذكرى تحرير خرمشهر، مضامين بالغة الأهمية شكلت الغطاء الاستراتيجي للمفاوض الإيراني في الغرف المغلقة.
وجاء تأكيد القائد العام للحرس الثوري على جهوزية القوات المسلحة الكاملة وحفظ قدرات الردع، متناغما مع إشارته الصريحة والمباشرة إلى وجود “أجواء تفاوضية لإنهاء الحرب”. هذا المزيج بين لغة السلاح الجاهز للاستخدام ولغة الدبلوماسية عكس وعيا عميقا بضرورة رصد تحركات ما وصفه بـ “العدو المخادع وناقض العهود”، لإحباط مخططاته في اللحظات الأخيرة.
هذه الإشارة العسكرية لم تكن مجرد مناورة، بل كشفت عن تشكل مرونة محسوبة وإجماع داخلي صلب بين المؤسسة العسكرية وصناع القرار السياسي، للمضي قدما في مسار التفاوض شريطة عدم المساس بالقدرات الدفاعية أو كسر هيبة الدولة.
هذا الموقف العسكري تزامن وتكامل مع الرسائل السياسية البراغبرماتية الناعمة الصادرة عن رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، والذي أعلن بوضوح استعداد بلاده لتقديم ضمانات وتأكيدات كاملة للمجتمع الدولي تثبت عدم سعي طهران للحصول على أو إنتاج سلاح نووي.
والمثير في رد الفعل الإيراني هنا هو كيفية إدارة المشهد الإعلامي؛ إذ سرعان ما تلقفت الأوساط الإيرانية قيام دونالد ترامب بإعادة نشر تصريحات بزشكيان هذه على منصته الخاصة “تروث سوشيال”، واعتبرتها دليلا على أن الرسالة الإيرانية وصلت بدقة إلى رأس الهرم السياسي في البيت الأبيض، وأن واشنطن بدأت تدرك ضرورة التعامل مع القيادة الإيرانية الحالية بلغة أكثر احترافية وإنتاجية، بعيدا عن أوهام إسقاط النظام أو فرض الإملاءات عبر التهديد بعمل عسكري مباشر.

معركة الإعلام المحافظ: جدار الصد أمام الرواية الغربية للملف النووي ومضيق هرمز
تولت وسائل الإعلام القريبة من الخط الرسمي والمنتمية للتيار الأصولي، لاسيما وكالتي “تسنيم” و”فارس”، مهمة صياغة الردود التفصيلية وتفكيك “الألغام اللغوية” التي حاولت التقارير الغربية والإسرائيلية زرعها في وعي الرأي العام.
وجاء الرد القاطع من هذه المنصات لينفي جملة وتفصيلا ما روّجت له وسائل إعلام عربية ودولية (مثل “أكسيوس” و”العربية”) بشأن تقديم إيران لتعهدات شفاهية أو قبولها ببنود تتعلق بـ “تمديد وقف إطلاق النار” أو “تعليق تخصيب اليورانيوم لمدة عشر سنوات”.
وأكدت الرواية الإيرانية المحافظة أن التركيز الحالي للمفاوضات ينصب حصريا وبشكل صارم على عنوان واحد وهو “إنهاء الحرب في كافة الجبهات بما يشمل الساحة اللبنانية”، ورفع الحصار الاقتصادي والبحري، رافضة إقحام الملف النووي في هذه المرحلة باعتباره ملفا سياديا ومؤجلا لمفاوضات لاحقة قد تبدأ بعد اختبار نيات واشنطن خلال مهلة الستين يوما المقترحة.

وفيما يخص الإدارة الحيوية لمضيق هرمز، جاءت الردود الإعلامية الإيرانية لتضع ضوابط صارمة تفسر حدود التنازل الممكن؛ إذ نفت الوكالات الرسمية أن تكون طهران قد قبلت بصيغة “إعادة الوضع في المضيق إلى ما قبل الحرب” إذا كان ذلك يعني التخلي عن السيادة والرقابة.
وأوضحت المصادر الإيرانية المطلعة أن الاتفاق المبدئي يقتصر فقط على السماح لعدد السفن التجارية والناقلات بالعودة تدريجيا إلى معدلاتها الطبيعية السابقة خلال فترة زمنية مدتها ثلاثون يوما، على أن تظل حركة المرور والملاحة بأكملها تحت الإشراف والتحكم والسيطرة الإيرانية الكاملة، وبالتعاون التنسيقي مع سلطنة عمان.
وربطت الردود استمرار هذا التسهيل الملاحي بالتزام واشنطن الفعلي برفع الحصار، محذرة من أن أي تلكؤ أمريكي في التزاماته سيجعل الوضع في المضيق يعود إلى المربع الأول فورا، مما يعكس إصرارا على حظر أي استغلال أمريكي للمرونة الإيرانية.

الشروط الثلاثة والتأصيل الدبلوماسي: لغز المعاملة التفضيلية وجداول التجميد
لم تقف الردود الإيرانية عند حدود النفي، بل تجاوزتها إلى صياغة شروط واضحة ومحددة تم إبلاغها للوسيط الباكستاني كقاعدة لا يمكن دونها نضوج التفاهم المؤقت وتحويله إلى “إعلان إسلام آباد”.
ووفقا لما سربته المصادر اللصيقة بالوفد الإيراني المفاوض، فإن طهران حددت ثلاثة محاور خلافية أساسية تمثل اختبارا حقيقيا لنيات ترامب؛ أولها رفض الدخول في أي مناقشة تخص كميات أو نسب اليورانيوم عالي التخصيب في الوقت الراهن، وثانيها التمسك بتنفيذ إجراءات بناء الثقة أولاً من جانب الولايات المتحدة، وثالثها وهو الأكثر إلحاحاً، اشتراط وجود آلية مضمونة وموثقة قانونياً لبدء الإفراج الفوري والمرحلي عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، كشرط أساسي للتوقيع على مسودة التفاهم الستين يوما.
هذه الشروط الصارمة حظيت بتأييد وتحليل عميق من النخب الدبلوماسية الإيرانية السابقة؛ حيث اعتبر الدبلوماسي السابق فریدون مجلسی أن هذه الردود تعبر عن عقلانية وواقعية سياسية تفرضها ظروف الصراع الراهن، داعيا إلى استثمار الرغبة الأمريكية في الخروج من مستنقع الحرب لانتزاع مكاسب اقتصادية وإيجاد “تغيير حقيقي في مسار العلاقات” الممتدة لأكثر من أربعة عقود من العداء والحروب بالوكالة.
وفي المقابل، جاءت قراءة المحلل السياسي أميرعلي أبوالفتح لتدعم الردود المتحفظة لطهران، مشيراً إلى أن مرونة المفاوض الإيراني في كواليس الغرف المغلقة يجب ألا تنخدع بالخطاب الاستعراضي لترامب أو الضغوط الصادرة من جبهة الرفض في تل أبيب وواشنطن؛ فالردود الإيرانية، بحسب القراءتين، صُممت بذكاء لتجعل من قبول وقف الحرب دون حل الملف النووي مكسباً استراتيجياً خالصاً لطهران، يعزز موقعها الإقليمي ويترك لترامب ونتنياهو مهمة مواجهة الانتقادات الداخلية التي تتهمهما بالاستسلام للشروط الإيرانية والقبول باتفاق هش قد يكون أسوأ بكثير من اتفاق عام 2015 التاريخي.

في النهاية، يُمكن القول إن طهران نجحت في صياغة مقاربة تفاوضية هجينة تجمع بين “براغماتية الدبلوماسية” و”صلابة الردع العسكري”، ممّا مكّنها من تحويل عروض ترامب المفاجئة إلى ساحة للمناورة واختبار النوايا دون تقديم تنازلات سيادية مجانية؛ وبذلك وضعت واشنطن وتل أبيب أمام معادلة دقيقة تفصل بين إنهاء الحرب وتفكيك الحصار كأولوية راهنة، وبين الملفات الاستراتيجية المؤجلة كالبرنامج النووي والسيطرة على مضيق هرمز، لتخرج من هذه الجولة بمكاسب تكتيكية تُعزز جبهتها الداخلية وتفرض شروطها من موقع القوة

