- محمود شعبان
- 557 Views
أجرى الموقع الإيراني «بازار»، الأحد 31 أغسطس/آب 2025، حوارا مع الدكتور أحمد صادقي، المدير التنفيذي لشركة «توسن دارو»، حول أبرز التحديات التي تواجه صناعة الدواء في إيران تحت وطأة العقوبات الدولية، إضافة إلى معضلة نقص الكوادر المتخصصة في محافظة قم، مستعرضا تجربة شركته كنموذج للصمود أمام هذه الضغوط.
وفي يلي نص الحوار:
قبل أن نبدأ عرّفونا بأنفسكم وتحدثوا عن خلفياتكم الدراسية والمهنية؟
أنا أحمد صادقي، خريج كلية الطب من جامعة العلوم الطبية الإيرانية عام 1994، وبعد سنوات من النشاط في مجالات مختلفة مرتبطة بالصحة، أشغل حاليا منصب المدير التنفيذي لشركة الأدوية «توسن دارو» وأتولى من خلاله خدمة قطاع الدواء.
هذه الشركة، التي سأقدّم عنها مزيدا من التوضيح لاحقا، وسّعت تدريجيا طاقتها الإنتاجية، وقد نجحت بحمد الله في عام 2015 في أن تُدرج ضمن شركات التكنولوجية المبتكرة في البلاد، وهو ما يُعدّ فخرا كبيرا ومسؤولية جسيمة على عاتق مجموعتنا.

من وجهة نظركم، بصفتكم فاعلا مخضرما في هذا المجال، ما الدور والمكانة التي يحتلها الصيادلة في نظام الصحة والمجتمع؟
هذه نقطة بالغة الأهمية. يجب القول إن دور الصيادلة أوسع بكثير مما يبدو للوهلة الأولى، فهم حلقة حيوية ومتخصصة في سلسلة العلاج داخل البلاد.
أنشطتهم متخصّصة بالكامل وبعيدة عن أي إجراءات تجارية أو تسويقية بحتة، يمكن القول إن الصيادلة يمثلون وسيطا علميا وفنيا بين البيئة المعقدة للإنتاج والمرحلة الدقيقة المتعلقة بتوزيع الدواء واستهلاكه.
دورهم أساسي في تحسين ثقافة استهلاك الدواء، وتصحيح الأنماط العلاجية الخاطئة التي تنتشر – للأسف – في مجتمعنا، فضلا عن ترشيد استهلاك الدواء.
إن تقديم استشارة صحيحة من قِبل الصيدلي يمكن أن يسهم إسهاما كبيرا في صحة المريض، وفي الوقت ذاته يدعم اقتصاد نظام الصحة عبر تقليص صرف الأدوية غير الضرورية.
في الواقع، يلعب الصيادلة بعلمهم دورا مهما في ضمان صحة المجتمع، وتزداد رسالتهم ثِقَلا وحيوية في الظروف الحرجة مثل العقوبات.
بصفتكم المدير التنفيذي لشركة “توسن دارو”، إحدى الشركات التكنولوجية المبتكرة في قم، حدّثونا عن تاريخ نشأة هذه الشركة ومسار تطورها.
لقد مرّت شركة «توسن دارو» بمسار مليء بالتقلبات، بدأنا نشاطنا عام 2007 بتسجيل الشركة رسميا، في البداية كانت استراتيجيتنا إنتاج أحد المستحضرات عبر أسلوب الإنتاج التعاقدي (Contract Manufacturing). غير أن رؤيتنا كانت أوسع منذ البداية، إذ وضعنا في الحسبان إنشاء وحدة إنتاجية مستقلة وحديثة.
وكان المنعطف الأبرز في عام 2014 حين أُطلق مشروع بناء مصنع لإنتاج الدواء بشكل جاد، في هذا الطريق، استفدنا من خبرة ومعرفة نخبة المستشارين المتخصصين وذوي الخبرة في البلاد، وبذلنا كل جهد ممكن لإنشاء بنية تحتية مطابقة لأحدث المعايير العالمية.
وبعد الحصول على التراخيص اللازمة من منظمة الغذاء والدواء والهيئات الرقابية، بدأ تشغيل خطوط الإنتاج رسميا في عام 2017 وطرحت منتجاتنا في السوق.

أشرتم إلى أن «توسن دارو» شركة تكنولوجية مبتكرة، ما أثر هذه الصفة على توجهاتكم ومنتجاتكم، وما الذي يتضمنه حاليا سَـلّة منتجات الشركة؟
كوننا شركة معرفية لا يعني مجرد لقب، بل هو نهج واستراتيجية محورية في جميع أنشطتنا، هذه الصفة تُلزمنا دائما بالسعي وراء الابتكار، والبحث والتطوير (R&D)، والاستفادة من التقنيات الحديثة.
في هذا الإطار، جمعنا كادرا متخصصا ومتنوعا وذو خبرة، ومن أبرز إنجازاتنا جمع صيغ دوائية حديثة تماما من مختلف أنحاء العالم، ثم توطينها وتحديثها، وأخيرا طرح منتجات بجودة عالمية في السوق المحلية.
في الوقت الحاضر، يتركز مجال الإنتاج في شركتنا على صناعة مختلف أنواع المراهم والجلّات الدوائية.
وتشمل سلّتنا الدوائية كلا من الأدوية الكيميائية والنباتية، وهو ما يمنحنا القدرة على تلبية حاجات قطاعات مختلفة من السوق.
ومؤخرا، وبالنظر إلى إمكانياتنا الفنية والعلمية، أدرجنا إنتاج مستحضرات التجميل والعناية الشخصية في خططنا، وسيُطرح قريبا جيل جديد من هذه المنتجات في السوق.
من الملاحظ أن «توسن دارو» بدأت نشاطها برأس مال من القطاع الخاص، من دون الحصول على أي قروض أو تسهيلات أولية، ما التحديات والمزايا التي ترتبت على هذا النهج؟
صحيح، لقد تأسست هذه الشركة الدوائية برأسمال خاص بالكامل، ولم نحصل على أي قروض مصرفية أولية لبناء وتجهيز المصنع.
هذا القرار فرض علينا منذ البداية تحديات مالية كبيرة وأثّر على وتيرة تقدم المشروع، لكنه على المدى الطويل وفّر لنا مزايا استراتيجية، أبرزها الاستقلالية في اتخاذ القرارات وعدم الارتهان للمؤسسات المالية.
ومع مرور الوقت ونجاح الاستثمارات، زاد رأسمال الشركة، وبطبيعة الحال، بعد سنوات من النشاط، ومن أجل تأمين رأس المال التشغيلي – الذي يُعدّ حاجة أساسية ودائمة لأي وحدة إنتاجية – استفدنا من دعم البنوك الممولة والجهات ذات الصلة.
بوجه عام، ما أبرز التحديات الأساسية التي تواجه صناعة الدواء في إيران، وكيف تصنفون هذه المعوقات؟
تُعدّ صناعة الأدوية واحدة من أعقد وأدق الصناعات في إيرن، التحديات فيها متشابكة ومتعددة المستويات، أولا، تواجه هذه الصناعة مشكلات تقنية وتكنولوجية، إذ إن الحفاظ على الجودة والقدرة التنافسية يتطلب الوصول إلى أحدث الآلات والخبرات العالمية، وهو أمر تجعل العقوبات الحصول عليه بالغ الصعوبة.
ثانيا، ثمة تحدٍّ في مجال الموارد البشرية، فهذه الصناعة تحتاج إلى كوادر عالية التخصّص في مجالات متعددة، من الصيدلة والكيمياء إلى الهندسة والإدارة، وتوفير هذه الكوادر والاحتفاظ بها ليس أمرا يسيرا.
ثالثا، صناعة الأدوية تُصنّف ضمن الصناعات ذات الكُلفة الاستثمارية العالية، فحجم الاستثمار المطلوب لإنشاء خط إنتاج جديد مرتفع للغاية، والأهم من ذلك أن استرداد رأس المال في هذا القطاع يستغرق وقتا طويلا.
ووفقا لبيانات صادرة عن منظمة الغذاء والدواء نفسها، فإن دورة استرداد رأس المال في هذا القطاع تتجاوز 400 يوم، هذه الدورة الطويلة للسيولة تُضعف بشدة قدرة الشركات على التوسع وإعادة الاستثمار.
وأخيرا، تظل معضلة التسعير الإلزامي عبئا ثقيلا على هذه الصناعة، إذ تحولت إلى عائق جاد أمام تحقيق الأرباح والنمو، إن الحفاظ على استمرارية النشاط في مثل هذه الظروف أمر بالغ الصعوبة، غير أننا، رغم كل ذلك، لا نزال عازمين على توسيع طاقات الإنتاج.
بلا شك، تُعدّ العقوبات واحدة من أكبر العوائق الخارجية، ما الأثر المباشر لهذه العقوبات على صناعة الأدوية، وعلى وحدتكم الإنتاجية بشكل خاص؟
العقوبات من أبرز المشكلات الأساسية التي تواجه هذه الصناعة، ورغم الادعاء بأن الدواء غير خاضع للعقوبات، إلا أن العقوبات المصرفية والمالية عمليا أغلقت الشرايين الحيوية لهذا القطاع.
فكثير من المواد الخام الفعالة (API) والمواد المضافة (Excipients) يجب استيرادها من الخارج، وهو ما يتطلب عملة صعبة وتحويلات مصرفية دولية.
للأسف، بفعل العقوبات، أصبحت هذه العمليات معقدة وصعبة وتستغرق وقتا طويلا، وأحيانا، من أجل تحويل الأموال وشراء شحنة من المواد الأولية، نضطر لاستخدام عدة وسطاء، ما يزيد التكاليف ويرفع مستوى المخاطر.
هذه الإجراءات المرهقة زمنيا خلقت مشكلات جدية أمام خطط الإنتاج لدينا، ومع كل هذه العقبات، سواء كانت عقوبات خارجية أو عراقيل داخلية، واصلنا سنويا توسيع طاقاتنا الإنتاجية، ورغم غياب الدعم الكافي في الحصول على التسهيلات اللازمة، نحن مصرّون على مواصلة هذا الطريق بقوة.
إلى جانب المشكلات الوطنية التي ذكرتم، ما التحديات المحلية أو الإقليمية التي تواجه صناعة الأدوية في محافظة قم تحديدا؟
نعم، إضافة إلى جميع المشكلات الملموسة على المستوى الوطني، نواجه في محافظة قم تحديا شديد الخطورة يتمثل في نقص الكوادر المتخصصة.
فرغم أن قم تُعدّ قطبا صناعيا في طور النمو، فإنها لم تصبح بعد – مثل المدن الكبرى كطهران – مركزا لاستقطاب النخب والمتخصصين في مجال الصناعات الدوائية، هذا الأمر يضع شركات الأدوية في المحافظة أمام صعوبة حقيقية في توفير الكوادر الفنية، المخبرية، البحثية والتطويرية، بل وحتى الإدارية.

لمواجهة تحدي نقص الكوادر المتخصصة في المحافظة، ما الخطط والإجراءات التي اتخذتموها؟
لم يكن بوسعنا انتظار أن يُحل هذا الإشكال تلقائيا، لذلك اتخذنا مسارا فاعلا ومحليا، عالجنا النقص بالاستعانة بالطاقات المتاحة داخل المحافظة، أي بالاعتماد على الكفاءات الجامعية الشابة والواعدة.
من خلال تحديد خريجي الجامعات المتميزين في قم، قمنا باستقطابهم، ثم نظمنا دورات تدريبية متخصّصة ومكثفة، مع نقل الخبرة من المديرين ذوي التجربة إلى هؤلاء الشباب، في محاولة لتأهيل الكادر المطلوب داخل الشركة.
هذا النهج أتاح لنا ميزتين أساسيتين: الأولى، أنه ساعد بشكل كبير في حل مشكلة نقص القوى المتخصصة، والثانية، أنه ساهم في خلق فرص عمل موجّهة لخريجي المحافظة.
رغم أن قم تُعدّ قطبا صناعيا آخذا في النمو، فإنها لم تصل بعد إلى مستوى المدن الكبرى مثل طهران كمركز لاستقطاب النخب والمتخصّصين في مجال الصناعات الدوائية.

