مجزرة إيفين.. حين تحوّل السجن إلى مقبرة للأبرياء تحت أنقاض الحرب

نشرت صحيفة هفت صبح المحافظة، الخميس 3 يوليو/تموز 2025، تقريرا وصفت فيه مشهد الهجوم على سجن إيفين، مشيرة إلى أن صباح ذلك اليوم بدأ بهدوء في حي أيفين بطهران، حيث كانت عائلات تتجه إلى نيابة الشهيد مقدس لزيارة أقاربها من السجناء. وبينما كانت الحياة تسير بشكل اعتيادي، دوّى صوت الطائرات الحربية في السماء.

وأضافت الصحيفة أن انفجارا هائلا وقع، تسبب في انهيار جدران السجن وتطاير الزجاج في كل الاتجاهات، كما تعرض جناح النساء لأضرار جسيمة، وسويت العيادة ومستشفى السجن بالأرض. وغمر الغبار المكان، وتعالت صرخات الرعب والألم في الأجواء. وأوضحت أن المكان لم يعد مجرد سجن، بل تحول إلى مسرح مأساة إنسانية راح ضحيتها أبرياء لا صلة لهم بالحرب التي فرضت عليهم.

وتابعت أن مباني سجن إيفين، ومستشفى السجن، ومقر إقامة الجنود، وقاعة الزيارات، وجزءا من البُنى التحتية الصحية والإدارية، تعرّضت للتدمير من جرّاء القصف الصاروخي. وهذا ما نقله مراسل وكالة مهر الذي كان حاضرا في الموقع، حيث قال إن رائحة الاحتراق والجثث المتفحمة كانت تملأ أجواء مستشفى السجن الذي يضم 48 سريرا، فالمكان الذي كان من المفترض أن ينقذ الأرواح، تحوّل الآن إلى مسلخ للأبرياء العزّل.

وأظهرت الصور التي نشرها مصور صحيفة هفت صبح، علب أدوية فارغة ملوثة بالدماء ودفاتر مغطاة بالغبار مبعثرة في كل مكان. وعلى طريق قاعة الزيارات، تصطف صفوف طويلة من السيارات المدمرة، ولم تسلم أي منها من الضرر. لكن يبقى السؤال المؤلم: هل لا يزال أصحاب هذه السيارات المدمرة على قيد الحياة؟

وأفادت بأنه عند مدخل قاعة زيارة النساء لم يتبقَّ سوى أنقاض متداعية، إذ أدّى سقوط صاروخ مباشر إلى انهيار جزء من المبنى، بينما أصبح الجزء المتبقي هشّا إلى درجة أن شهود العيان أشاروا إلى عدم السماح حتى للصحفيين بالدخول. ومن بعيد، لم يكن يُرى سوى كراس محطمة ومقاعد مقلوبة. كما تسبّبت موجة الانفجار في اهتزاز البيوت السكنية المجاورة، وقُذفت بعض السيارات عدة أمتار بعيدا عن أماكن توقفها الأصلية.

يوم الحادثة

أوضحت الصحيفة أنه في صباح 23 يونيو/حزيران 2025، كانت سماء طهران لا تزال ملبدة بالدخان وغبار الهجمات المتواصلة خلال الحرب التي استمرت 12 يوما بين إيران وإسرائيل. وبين دوي الصواريخ وأصوات الدفاعات الجوية، اجتاح خبر مروّع المدينة: تعرض سجن إيفين لهجوم جوي شنّه الجيش الإسرائيلي.

وأردفت أن هذا الهجوم، الذي وقع في اليوم الأخير من هذا الصراع المدمّر، لم يهزّ جدران السجن فحسب، بل مزّق أيضا قلوب عائلات كثيرة كانت تنتظر أي خبر عن أحبّائها المحتجزين.

وذكرت وفقا للإحصاءات الرسمية التي أعلنها المتحدث باسم السلطة القضائية الإيرانية أصغر جهانغير، فقد أودى هذا الهجوم بحياة 79 شخصا، من بينهم أفراد من الطاقم الإداري للسجن، وجنود الخدمة الإلزامية، ومحكومون، وعائلات كانت قد جاءت لزيارة أقربائها، وحتى جيران أبرياء يسكنون بالقرب من السجن. ومن بين الضحايا، كان هناك طفل في الخامسة من عمره، انتهت حياته في هذه الفاجعة.

وأوردت أن إسرائيل زعمت أن هدفها من هذا الهجوم هو توجيه ضربة لما سمّته برموز القمع التابعة للنظام الإيراني، وتحرير السجناء السياسيين. لكن ما حدث فعليا لم يكن سوى مجزرة وحشية. فطريقة تنفيذ العملية تشير إلى أن الإسرائيليين كانوا يهدفون في نهاية المطاف إلى تصفية جواسيس كانت السلطات الإيرانية قد اعتقلتهم بتهمة التعاون مع الموساد، وكانوا محتجزين في سجن إيفين، ومع ذلك، لم يحققوا حتى هذا الهدف.


الخلفية التاريخية لقصف السجون

أكّدت الصحيفة أن قصف السجون في الحروب يُعدّ ظاهرة نادرة، لكنها ليست بلا سوابق تاريخية. ففي الحرب العالمية الثانية، وبينما كانت مدن أوروبا تمطرها قذائف الحلفاء ودول المحور، كانت السجون أحيانا تُصاب عن غير قصد. على سبيل المثال، في عام 1944، تعرّض سجن أمستلفين في هولندا، والذي كان يضم مقاتلين من المقاومة، لأضرار أثناء قصف الحلفاء.

وأبرزت أن الهدف الرئيسي من الهجوم كان البنية التحتية التابعة للنازيين، إلا أن السجناء العُزّل دفعوا الثمن. وكذلك في قصف مدينة درسدن في شرق ألمانيا عام 1945، وردت تقارير عن تدمير سجون محلية، مما أدى إلى مقتل عدد من السجناء. وعلى الرغم من أن هذه الضربات لم تكن مقصودة، فإنها تعكس غياب التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية في خضم الحرب.

وأشارت إلى أن منظمات حقوق الإنسان أدانت هذه الهجمات مرارا؛ لما أدّت إليه من مقتل سجناء أبرياء. كما أن السجون في لبنان وغزة تعرّضت في بعض الأحيان لهجمات إسرائيلية، لكن هذه الأعمال كانت دوما محل إدانة وانتقاد واسعَين على الساحة الدولية.

وأبلغت أن المتحدث باسم مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ثمين الخيطان وصف هذا الهجوم بأنه انتهاك جسيم للقانون الإنساني الدولي، فيما أعلنت منظمة العفو الدولية أن استهداف المدنيين عمدا قد يُشكّل جريمة حرب. حتى وإن ادعت إسرائيل أن هدفها كان ضرب رموز النظام، فإن هذا الادعاء لا يمكن أن يبرر المجزرة بحق المدنيين، ومن بينهم طفل يبلغ من العمر خمس سنوات لاقى حتفه في الهجوم.

وبيَّنت أن القانون الدولي يشدد بوضوح على مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، ويُلزم الأطراف كافة بحماية أرواح الأشخاص الذين لا يشاركون في النزاعات المسلحة.

انتهاك القوانين الدولية
سلطت الصحيفة الضوء على أن قوانين الحرب الدولية، لا سيما اتفاقيات جنيف، تنص بشكل صريح على حظر استهداف المواقع المدنية مثل السجون. ووفقا للمادة 8 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف عام 1977، فإن الهجمات المتعمدة على المدنيين أو على أماكن لا تشكّل هدفا عسكريا واضحا تُعدّ بمثابة جريمة حرب.

وأضافت أن سجن إيفين، رغم احتوائه على سجناء سياسيين وأمنيين، يُعتبر في المقام الأول منشأة مدنية. كما أن وجود عائلات الزوار، والعاملين الإداريين، وجنود الخدمة الإلزامية، وحتى سكان الأحياء المجاورة أثناء الهجوم، جعل من هذا السجن هدفا غير مشروع بموجب القانون الدولي.

تجاوز إلى الأخلاق والإنسانية
لفتت الصحيفة إلى أن قصف سجن إيفين لم يكن مجرد كارثة إنسانية، بل حمل أيضا رسالة مُرّة إلى الشعب الإيراني:  مفادها أن الأبرياء هم أول من يدفع ثمن الحرب. فالعائلات التي جاءت لزيارة أحبائها أصبحت اليوم في حداد. والسجناء الذين كانوا يقضون أيامهم خلف جدران إيفين باتوا الآن في سجون أخرى تحت ظروف أشد قسوة. فهذا الهجوم، بدلا من أن يؤدي إلى الحرية، لم يخلف سوى مزيد من الألم واليأس.

ونوّهت إن إلى أن إسرائيل زعمت أن الغرض من هذا الهجوم هو تحرير السجناء السياسيين، لكن هذا الادعاء لا يصمد أمام الواقع. فالقصف لم يفتح أبواب الحرية، بل أزهق أرواح أبرياء، وزاد من معاناة العائلات التي غرقت في القلق واللايقين. وقد أثار هذا الهجوم موجة من الغضب والاستنكار الشعبي، حتى في أوساط من يعارضون سياسات إيران، حيث لم يترددوا في إدانة هذا العمل الوحشي.

وأقرَّت بأن كارثة سجن إيفين تذكّرنا بهذه الحقيقة المريرة، أن الحرب مهما كانت مبرراتها تنتهي دائما بمعاناة الأبرياء. فالهجوم الذي وقع في اليوم الأخير من الحرب التي استمرت 12 يوما، لم يُحقق هدفا استراتيجيا، بل أضاف وصمة جديدة إلى سجل انتهاكات القانون الدولي. وقد دعت منظمات حقوق الإنسان، من العفو الدولية إلى مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، إلى محاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة.

وأوردت أن ما يتجاوز الإدانات الرسمية هو السؤال العميق الذي تطرحه هذه المأساة: كيف يمكن منع تكرار مثل هذه الفظائع؟

وفي الختام، أوضحت الصحيفة أن الإجابة تبدو بسيطة لكنها مؤلمة، خصوصا للناس العاديين الذين سمعوا دوي الانفجارات وقرأوا أسماء أحبائهم بين الضحايا، فالحرب لا رابح فيها. كما أن الأم التي فقدت طفلها في إيفين، والجندي الذي كان يؤدي خدمته، والجار الذي كان جالسا في منزله، لم يكن أي منهم عدوا، بل كانوا جميعا ضحايا حرب قتلت فيها الإنسانية قبل أن تزهق الأرواح.