بين القلق والتحذير.. خاتمي يرسم حدود القوة الحقيقية لإيران

كتبت: كريمة هاني 

في سياق سياسي إيراني متشابك تتصاعد فيه التحديات الداخلية والخارجية، شهدت الساحة السياسية والإعلامية في إيران حالة من الاستقطاب الحاد، إثر سلسلة من التصريحات التي أدلى بها الرئيس الإيراني الأسبق، محمد خاتمي، خلال زيارته الأخيرة لمحافظة يزد.

جاءت هذه التصريحات العلنية النادرة لتعيده إلى واجهة المشهد بعد فترة طويلة من الصمت، حاملة معها مزيجاً من النقد الذاتي والقلق على مستقبل البلاد.

ولم يقتصر حديث خاتمي على الشأن السياسي المباشر، بل قدّم خطاباً فكرياً شاملاً تناول فيه أزمة المياه، ومعضلة التنمية، وتراجع مكانة إيران في مؤشرات التقدم، محذراً من أن استمرار الأوضاع الراهنة قد يهدد الهوية الإيرانية ذاتها.

أثارت كلماته جدلاً واسعاً بين من رأى فيها نداء مخلصاً لإنقاذ الوطن، ومن اتهمه بمحاولة تقويض الوحدة الوطنية. وبين التأييد والرفض، تحوّلت تصريحات خاتمي إلى مادة دسمة في الأوساط الإعلامية والسياسية، لتفتح مجدداً باب النقاش حول موقع الإصلاحيين ودورهم في مستقبل النظام الإيراني.

التوازن الاستراتيجي بين القوة العسكرية والشرعية الشعبية

شدد خاتمي في تصريحاته على مفهوم “الصاروخ والشعب” بوصفهما عاملين متكاملين في صون كرامة إيران وضمان أمنها. ورأى أن القوة العسكرية (الصاروخ) والتلاحم الاجتماعي (الشعب) يشكلان معاً أساس القوة الوطنية، مستشهداً بحرب الـ12 يوماً التي أظهرت فاعلية الصواريخ في ردع العدو وتجسيد الوحدة الشعبية في مواجهة التحديات.

وأوضح أن “الصواريخ جعلت حياة العدو صعبة في تلك الرقعة الصغيرة من الأرض”، فيما أظهر الشعب الإيراني،  بمن في ذلك المعارضون للنظام، تلاحماً غير مسبوق في الدفاع عن الوطن. هذا التكامل بين القوة الصلبة والناعمة، في رؤيته، هو الركيزة الأساسية للاستقرار الوطني.

التمييز بين الوطن والنظام وإشكالية الشرعية

شكلت هذه النقطة قلب الجدل حول تصريحات خاتمي، حيث حذر من ما وصفه بـ “خطأ كبير في الفهم” يتمثل في تفسير الدعم الشعبي لإيران أثناء الحرب على أنه تأييد مطلق للنظام السياسي.

وحذر بشكل قاطع: “يجب ألا نخطئ فنقول إن الناس أيّدونا نحن، بل أيّدوا إيران، ونحن من يجب أن نسير نحوها”. موكداً أن الهدف الأسمى هو “إيران عامرة وحرة”، وأن الوطن هو الأساس الذي يجب أن يعلو على كل الاعتبارات. هذا التمييز بين الدعم للوطن والدعم للنظام أثار حفيظة التيارات المحافظة التي رأت في هذا الطرح تقويضا للشرعية.

نقد البنية السلطوية وتعدد مراكز القرار

وجّه خاتمي نقدا لاذعا لظاهرة تعدد مراكز القوى داخل الدولة، معتبراً إياها معضلة أساسية تعوق تقدم إيران. ووصف هذه الظاهرة بـ”الدولة داخل الدولة”، متسائلاً: “كم دولة نحتاج أن تكون لدينا في هذا البلد؟ كل دولة يجب أن يكون لها حكومة واحدة واقتصاد واحد”.

وأشار إلى أن هذا التعدد في مراكز القرار وتداخل الصلاحيات يُضعف الحكومة المنتخبة ويُعقّد عملية صنع القرار، محذراً من أن استمرار هذا الوضع يعيق التنمية ويُفقد النظام كفاءته. وضرب مثالاً بتركيا التي، رغم عدم امتلاكها النفط، استطاعت التفوق على إيران في مجالي الصناعة والسياحة، موكداً أن إيران تراجعت عن كثير من أهداف “رؤية 2025”.

الدعوة إلى الاقتدار الحكومي والمسؤولية

في رسالة مباشرة إلى الرئيس الحالي مسعود بزشكيان وحكومته، دعا خاتمي إلى التحلي بـ “الاقتدار في أداء المسؤوليات”. نصح الحكومة بأن “تكون مقتدرة، وأن تتحمل مسؤولياتها كاملة”، مؤكداً أن “على الرئيس والحكومة أن يتحلّيا بالقوة وأن يقودا الأمور بأنفسهما”.

هذه الدعوة تعكس قناعة بأن مواجهة التحديات تتطلب حكومة فاعلة وقيادة حازمة، قادرة على اتخاذ القرارات الصعبة وتحمل تبعاتها في ظل الظروف الراهنة.

نوراني نجاد يحذر من “الدولة الموازية”

 في رد مباشر على تصريحات خاتمي، يؤكد الخبير السياسي حسين نوراني نجاد أن ثنائية “الصاروخ والشعب” تمثل العمود الفقري لأي استراتيجية وطنية ناجحة. ويوضح في حواره مع “هم ميهن” أن هذه الثنائية تجسّد تحدياً رئيسياً تواجهه إيران اليوم: “القوة الصلبة من دون الشعب تفقد مشروعيتها مع الوقت”. ويذهب نوراني نجاد إلى أبعد من ذلك، مكتسباً زخماً من انتقادات خاتمي، حين يحذر من أن ظاهرة “الدولة داخل الدولة” تهدد كيان الدولة نفسها، وتخلق “فوضى إدارية” تعيق أي إصلاح حقيقي، ويرى نوراني نجاد أن تعزيز شرعية الشعب ووحدة القرار الوطني هو السبيل للحفاظ على قوة واستقرار إيران.

الشعب قبل النظام

يأخذ سعيد نورمحمدي ؛ نائب أمين حزب نداء الإيرانيين، تفسير تصريحات خاتمي إلى مستوى أكثر خطورة. فبينما اكتفى خاتمي بالتمييز بين دعم الوطن ودعم النظام، يذهب نورمحمدي إلى استنتاج جريء: “دعم الشعب لم يكن تأييداً للنظام، بل دفاعاً عن الوطن”. ويحول هذا التحليل الفكرة إلى تحذير صريح موجه للنظام: “أي نظام يجب أن يكون جديراً بتلك الثقة الشعبية”. كما يطور نورمحمدي مفهوم خاتمي عن “الاقتدار” ليشمل أبعاداً ثلاثة: صنع القرار، الاقتصاد، والشرعية الأخلاقية، مؤكدًا أن الحل يكمن في “ترسيخ النظام المؤسسي والمساءلة أمام الشعب.

Image

تحليل صادقي لتحذيرات خاتمي

في تعليق مباشر على تصريحات الرئيس الأسبق محمد خاتمي، يرى المحلل السياسي محمود صادقي؛ الأمين العام لجمعية أساتذة الجامعات الإسلامية، أن الأزمة الراهنة في إيران تتعلق بفقدان الوحدة الوطنية وتعدد مراكز القرار. وأوضح صادقي لـ”هم ميهن” أن تلاحم الشعب خلال الحرب لم يُستثمر لتعزيز الوحدة، إذ “لم تُستثمر هذه اللحظة لإعلان عفو عام أو لمّ الشمل”. ويتفق صادقي مع خاتمي في تشخيص الداء، مؤكداً أن “تعدد مراكز القرار أصبح عاملاً رئيسياً في الاضطراب السياسي والاقتصادي”، داعياً إلى “توحيد القيادة التنفيذية” كحل وحيد لإعادة الاستقرار وإحياء فعالية الحكومة.

صحيفة “جوان ” تتهم خاتمي بتقويض الوحدة الوطنية 

شنّت صحيفة “جوان” هجوماً عنيفاً على تصريحات محمد خاتمي، معتبرة خطابه “تحالفاً غير مشروع” يهدف إلى مصالح شخصية على حساب الوحدة الوطنية. وانتقدت تأكيده أن “الشعب خاض الحرب من أجل إيران، لا من أجلنا نحن الحاكمين”، ووصفت ذلك بأنه يضر بالوطن والمواطنين، ويمثل “غياب العقل مع شيء من الأنانية السياسية”.

واستخدمت الصحيفة أسلوباً ساخراً للتشكيك بشرعيته، متسائلة عن سبب غضب مؤيديه إذا كان خاتمي “مجرد مواطن عادي”، وتمنت أن يقلد “رئيس أمريكا الأسبق الذي اتجه بعد ولايته إلى زراعة الفستق بدل إشعال الفتن”. كما ربطت موقفه بالأعداء، معتبرة أن الثنائية التي يروّج لها – الفصل بين الشعب والسلطة – خطوة ضد الوحدة الوطنية التي ساعدت في إفشال أعداء إيران، متسائلة: “أليس هذا لعبًا في ملعب العدو؟”.

واختصّت الصحيفة بتصريحه الشهير في يزد: “لا ينبغي أن نخطئ ونظن أن الشعب أيّدنا نحن، بل أيّد إيران”، واعتبرت أن جوهر هذا القول، رغم تغليفه بـ”الغلاف الوطني”، يضعف الثقة العامة ويغذي الانقسام الاجتماعي. وختمت هجومها بالقول إن هذه “الازدواجيات الكاذبة” لا تصب إلا في مصلحة أعداء إيران، وطالبت خاتمي بالعمل على تعزيز الوحدة بدل الفصل بين الشعب والنظام.

يُختتم المشهد الإيراني عند كلمات خاتمي التي تعكس قلقاً صادقاً على مستقبل البلاد، لا رغبة في سلطةٍ مضت. فبينما يدعو إلى تجاوز الشعارات نحو تنمية حقيقية تعالج أزمات المياه والهجرة وتعيد الثقة بالمؤسسات، تبقى رسالته الأعمق أن “قوة إيران” لا تُقاس بالصواريخ وحدها، بل بقدرتها على توحيد صفوفها، ويبقى السؤال: بين خطاب القوة الرسمي وواقع الانقسام الداخلي، إلى أي مدى يمكن لتحذيرات خاتمي أن تشكل منعطفاً في مسار إيران قبل فوات الأوان؟