- محمود شعبان
- 513 Views
في مهنة الترجمة، ليست المشكلة دائما في الجهل بالكلمة، بل أحيانا في الانبهار بالمعنى الأول الذي يقفز إلى الذهن، فيتسرع المترجم بالترجمة لأول ما ظن أنه صحيحا، لا ما يقصده النص.
في غرفة الترجمة بموقع “زاد إيران” وصل إلي تقرير اجتماعي يتناول قضايا المرأة في إيران، تقرير عادي مليء بالمصطلحات المتكررة التي صارت مألوفة لأي مترجم يتعامل مع النصوص الفارسية.
لكنني حين مراجعة الترجمة وقعت على جملة أوقفتني تماما، وكدت أفقد صوابي كانت الترجمة تقول:
“انتشار ظاهرة العُري في الشوارع”
توقفت… هل يعقل هذا؟! التقرير أصلا كان يناقش موضوع الحجاب، فكيف تحوّلت القضية إلى “العُري” بمعناه الكامل؟
سارعت إلى فتح النص الفارسي لأجد أن العبارة الأصلية كانت:
“گسترش بیحجابی در خیابانها”
وهنا ظهر أصل المشكلة: المترجمة تعاملت مع كلمة “بیحجابی” على أنها تعني التعري الكامل، بينما المقصود بها في الخطاب الإيراني ليس العري مطلقا، بل ترك الحجاب الشرعي أو التهاون في الالتزام به.
بمعنى آخر: “بیحجابی” أقرب ما يكون إلى “عدم ارتداء الحجاب” أو “التبرج”، وليس “العري” الذي يقود القارئ العربي إلى صورة صادمة وغير صحيحة، عما يقرأ.
وهكذا تغيّر المعنى تغيّرا جذريا: من قضية اجتماعية مرتبطة بالحجاب، إلى صورة درامية مبالغ فيها توحي بأن الشوارع في إيران امتلأت بالمجردات من الثياب!
توجهت إلى الزميلة المترجمة وسألتها:
“لماذا اخترتِ كلمة العري؟”
فأجابت: “لأن بي معناها بلا، وحجابي معناها الحجاب… يعني بلا حجاب أي عري.”
ابتسمت وقلت: “صحيح لغويا، لكن في السياق الاجتماعي الإيراني لا يُفهم “بیحجابی” بهذا الشكل، فالمصطلح معروف ومستخدم ولا يساور أحد الشك في ترجمته بمعناه الصحيح، المصطلح ليس عملية رياضية نضيف كلمة إلا كلمة وتخرج بهذه الصورة، بل لها مدلول ثقافي محدد، تعني فقط ترك الحجاب، وليس نزع الثياب.”
هذه النادرة تذكّرنا أن الترجمة الصحفية والسياسية ليست مجرد مقابلات قاموسية، بل هي عملية فهم ثقافي كامل، فكلمة واحدة قد تحمل في مجتمع ما معنى مختلفا تماما عما يتبادر إلى ذهن القارئ في مجتمع آخر.
ولذلك، فالمترجم لا يُطلب منه فقط أن “يعرف اللغة”، بل أن يعرف السياق الثقافي الذي تتحرك فيه الكلمات، وهذا ما نقوله لكل مترجم على الدوام، وإلا تحوّل من جسر بين المعاني، إلى آلة تثير سوء الفهم وربما أحدث ضجة وأزمة لا نعرف إلى أي مدى ستصل.
الترجمة ليست معادلة رياضية، ولا ينبغي أن تختزل في معنى مباشر تقترحه القواميس. إنما هي جهد ثقافي وفكري يراعي البيئة التي خرجت منها المفردة، وكيف تُفهم في سياقها الاجتماعي والسياسي، فخطأ بسيط مثل ترجمة “بیحجابی” إلى “العري” قد يقلب الفهم رأسا على عقب، لهذا، يظل المترجم الحقيقي هو من يجمع بين اللغة والثقافة، بين الكلمة وروحها.
وإلى اللقاء في نادرة أخرى من نوادر المترجمين.

