نزيف التعليم في إيران.. أزمة تسرب تهدد مستقبل الدولة

 نادية مبروك 

في الوقت الذي تحارب فيه إيران على عدة جبهات خارجية، يبدو أن لديها قضية داخلية قد تؤثر على مقدرات الدولة، وتجعل حربها الخارجية مهددة، إذا لم تستطع إيقاف انهيار جبل التعليم، حيث باتت خلال السنوات القليلة الماضية أزمة الطلاب الخارجين من منظومة التعليم أكثر الملفات المثيرة للقلق سواء لدى الباحثين أو المعلمين وصانعي السياسات.

تشير البيانات الرسمية والتحليلات الميدانية إلى أن عدد الطلاب، سواء في مراحل التعليم الأولي أو المتوسطة الذين غابوا عن مقاعد الدراسة أو تركوا التعليم بصورة نهائية يقترب من المليون، في دولة تعدادها يقترب من 85 مليون نسمة، وهو ما يهدد أيضا ترتيبها الدولي من حيث البحث العلمي حيث تحتل إيران  المرتبة الـ32 عالميا ضمن “قادة البحث” استنادا لـ بيانات Nature Index لعام 2023.

Image

ماذا تقول الأرقام؟

أحدث سلاسل البيانات التي تم إعلانها سواء من مركز الإحصاء الإيراني أو من وزارة التربية — تظهر تباين في صيغ العرض، معدل “ترك التحصیل” مقابل مجموع “الطلاب خارج منظومة التعليم”، لكن التوجه العام واحد، مئات الآلاف إلى نحو مليون طفل ومراهق خارج المدرسة خلال العام الدراسي الأخيرين، بحسب بيانات أوردتها وكالات محلية  ومراكز بحثية إيرانية تقارب ۹۲۸ ألف إلى ۹۹۲ ألف شخص ممن هم في الفئة العمرية المدرسية لم يسجلوا في مؤسسات التعليم النظامية خلال عامين متتاليين، في الوقت الذي تشير فيه تصريحات برلمانية إلى أرقام أكبر من ذلك.

ومعدل ترك التحصيل يعني نسبة ترك الدراسة ضمن الطلاب المسجلين داخل المنظومة الدراسية، بينما معدل الطلاب خارج منظومة التعليم يشير إلى عدد الأطفال والمراهقين غير المسجلين داخل المنظومة الدراسية.

البيانات الإحصائية الرسمية أيضا تقول إن معدلات “ترك التحصیل”  ارتفعت في بعض المراحل- بخاصة المتوسطة- بينما يبقى العدد الأكبر من خارج النظام منصبا في الفئة العمرية ۱۵–۱۷ عاما، وهي الفئة العمرية التى تشمل المراهقون الذين في بداية مرحلة العمل، بعض الجهات الرسمية أبلغت بزيادات صغيرة في معدلات المرحلة الابتدائية أيضا، ما يعني أن المشكلة ليست محصورة بمرحلة عمرية واحدة.

جغرافيا الفقر

بصورة دائمة يترافق الفقر مع التسرب من التعليم، وهو ما تفيده التقارير الإيرانية التى تقول أن معدلات “البقاء خارج المدرسة” أعلى نسبيا في المناطق الريفية والنائية والمناطق ذات بنى تحتية تعليمية ضعيفة، حيث تؤثر عوامل مثل قلة المدارس القريبة، افتقار النقل المدرسي، وندرة المعلمين المتخصصين بشكل أكبر من المدن الكبرى، حيث تؤكد تقارير ميدانية من محافظات كِرمان ونقاط أخرى  وجود فصول مكتظة ومساحات تعليمية غير كافية تزيد من إحساس الأسر بأن المدرسة غير مجدية، مما يدفع بعضها إلى إعطاء الأولوية للعمل المدرسي للأطفال بدل التعليم.

Image

الفقر يصنع اختلالات واضحة فـ المحافظات ذات معدلات الفقر الأعلى والبطالة الشديدة، تسجل نسبا أكبر من “الطلاب خارج النظام” بالمقابل، محافظات حضرية وغنية جنوبي طهران أو في مناطق ذات استثمارات خاصة تسجّل نسبا أقل، مما يخلق نمط ثابت متمثل في أن أثر الأزمة الاقتصادية يضرب أولا وأشد في المناطق الهشة اقتصاديا، حيث العائلات تضطر لإرسال الأبناء للعمل لتأمين الدخل.

حتى  المدن الكبرى لم تسلم من أزمة تسرب التعليم، حيث تسجل الأحياء فقيرة فيها تسجل معدلات غياب وتسرب أعلى، كما أن وجود المدارس الخاصة والتعليم الموازي في المدن يوفر بدائل للأسر التي تستطيع الدفع، بينما تبقى الفئات الأشد فقربدون بدائل، وتتزايد طبقية الالتحاق بالتعليم. هذه الصورة تبرز ليس فقط مشكلة إجمالية بل مشكلة توزيع عدم تكافؤ واضح بين طبقات المجتمع.

ما السبب؟

بيانات أزمة تسرب التعليم تطرح سؤال مهم، ما أسباب التسرب الحقيقية؟ فقر، ضغط أسري، مشاكل تعليمية أم كلها؟ ولكن الإجابة المختصرة هي أن كل هذه الأسباب مجتمعة، لكن بنسب مختلفة بحسب المنطقة والمرحلة العمرية.

يعتبر الفقر والضغوط الاقتصادية هي السبب المحرك لأزمة التسرب من التعليم، فحسب التقارير والمقابلات المحلية التى نشرتها وسائل إعلام إيرانية مع أسر إيرانية فإن السبب الأكثر تكرار هو الضائقة الاقتصادية المتفاقمة، ارتفاع تكاليف المعيشة، تكاليف النقل والزي المدرسي ، وحاجة الأسر إلى دخل إضافي. كثير من الأسر أبلغت أنها تضطر لإرسال الأولاد للعمل أو لمساندة العائلة، خصوصا في المراهقين (۱۵–۱۷ سنة) فيما نقلت تقارير مركز الإحصاء ووكالة “ايسنا” عن مسؤولين أن الجانب الاقتصادي يمثل السبب الأكبر في نسبة كبيرة من الحالات.

في بعض المناطق تلعب الأعراف دورا مهما مثل الزيجات مبكرة للفتيات في بعض القُرَى، والضغوط للانخراط في العمل المنزلي أو تفضيل الذكور في حالة الامتداد التعليمي المحدود للأسرة، وتفاوت التقدير الاجتماعي للفائدة الحقيقية من التعليم لاسيما إذا كانت فرص العمل لا تعترف بالمؤهلات التعليمية كالأعمال اليدوية.

Image

ومن داخل نظام التعليم نفسه تشكل مشاكل نظام التعليم سببا مهما للتسرب،  النظام يعاني من بنى تحتية مهترئة في بعض المناطق، وهي البنية التي تسبت في اكتظاظ الصفوف، بالإضافة إلى نقصٍ في المعلمين المدربين، كذلك تشير تقارير إلى أن جودة المنهج والطريقة التعليمية تفتقر إلى ربط مباشر بسوق العمل ما يجعل بعض الأسر ترى أن المدرسة لا تقدم مهارات عملية تكفل مستقبلا وظيفيا مستقرا، كما توجد شكاوى من سياسات إدارية، مثل إجراءات التسجيل غير المرنة والتكاليف الإدارية تحول دون استمرار بعض الطلاب.

ورغم انتهاء جائجة كوفيد 19، فإنها عمقت الأزمة بصورة كبيرة، حيث إن الأنتقال إلى التعليم عن بعد ترك تأثير طويل الأمد بسبب ضعف الوصول إلى الإنترنت والأجهزة في الأسر الفقيرة تسبب في فقدان الرابط بين الأطفال والعملية التعليمية، مما انعكس على معدلات عدم العودة بعد انتهاء الجائحة، تقارير اليونيسيف لعام 2021 أفادت بأن ملايين الأطفال تضرروا على مستوى العالم، وإيران لم تكن بعيدة عن ذلك.

وعلى هامش الأزمة هناك موجات من القلق بسبب حوادث مثل حالات تسمم غامضة في مدارس البنات، أو ظواهر مثل عمالة الأطفال أو أطفال الشوارع تسببت في زيادة معدلات ترك التحصيل أو عدم التسجيل.

مستقبل مهدد

هناك آثار مترتبة على أزمة تسرب التعليم، تهدد مستقبل شبابها، وكذلك مستقبل الدولة نفسها، منها فقدان المهارات وفرص العمل اللائق، الشخص الذي يترك المدرسة مبكرا يفقد فرص الحصول على مؤهلات تعليمية أساسية، مما يقيده على وظائف منخفضة الأجر وغير مستقرة، هذا يعني ضمنا زيادة مخاطر البطالة المزمنة أو العمل الهش، وبالتالي دوامة فقر تمتد لأجيال. تقارير محلية تربط ارتفاع معدلات التسرب بزيادة احتمال الدخول في سوق عمل غير رسمي وما يصاحبه من استغلال وظروف صعبة.

وعلى مستوى الأقتصاد تخسر الدولة إنتاجية مستقبلية ومواهب محتملة، على المستوى الإجتماعي، يرتبط التسرب بارتفاع معدلات الجريمة، الصحة النفسية المتدهورة، واعتمادات اجتماعية، تقارير إيرانية محلية تحذّر من “أزمة بشرية” إذا لم يُعالج الموضوع سريعا، مع توقع أن يتحول جزء كبير من الجيل إلى قوة عمل غير قابلة للتطوير التقني أو المعرفي.

Image

كما يزيد التسرب من فجوة الفرص بين من يملكون القدرة على الدفع للتعليم الخاص أو بدائل، وبين من لا يملكون، مما يرسخ نمط من عدم العدالة بين طبقات المجتمع، ويؤثر سلبيا على التماسك الاجتماعي على المدى المتوسط والطويل.

حلول محلية ومجتمعية

حاولت الحكومة الإيرانية الاستجابة للأزمة، فأعلنت وزارة التربية وجهات رسمية أخرى، عن برامج رصد وإعادة تسجيل لجذب الأطفال للمدارس، كما نشرت الوزارة أرقام عن طلاب أعيد تسجيلهم في برامج محددة، وكذلك اجراءات لتخفيف بعض الأعباء عن طريق حملات التبرع، ودعم الأسر المتعففة عن طريق مؤسسات مثل امداد، لكن يرى محللون أن هذه الإجراءات إما محدودة النطاق أو لا تتعامل مع جذور المشكلة الاقتصادية والبنيوية.

كما هناك بعض الجهود من منظمات خيرية ومبادرات محلية عبر حملات لإعادة جذب الطلاب والتبرعات للأسر المتضررة ساهمت جزئيا في إعادة بعض الطلاب، لكن هذه الجهود متفرقة وغير كافية لسد النقص على نطاق وطني، اليونيسيف وغيرها دعمت برامج لتوسيع الشمولية في التعليم، خاصة لذوي الإعاقة واللاجئين، لكنها تواجه تحديات إمكانات التمويل والوصول.

ماذا ينقص؟

النقد الرئيسي الموجه لسياسة الدولة مع الأزمة أن الاستجابة الرسمية تميل إلى علاج الأعراض عبر حملات جذب مؤقتة أو حصص إعادة تسجيل، بينما التحدي الأساسي يحتاج إلى سياسات اقتصادية واجتماعية واسعة: شبكات حماية اجتماعية فعّالة، دعم مباشر للأسر الفقيرة، ربط التعليم بسوق العمل عبر برامج مهنية، وإصلاحات بنيوية في جودة التعليم والبنية التحتية، كما أن شفافية وتحديث بيانات التعداد التعليمي ومعالجتها على مستوى المحافظات والحياة الواقعية لازمة لوضع خطط فعالة.

وهناك عدة توصيات استناد إلى تحليل الأرقام والتجارب الميدانية، أهمها تفعيل شبكات حماية اجتماعية مركزة وتحويل الدعم النقدي الموجه للأسر الفقيرة المشخّصة إلى برامج مشروطة بالتحاق الأطفال بالمدرسة، مع تغطية تكاليف النقل واللوازم.

كما يمكن تفعيل برامج استرجاع وتعلم مرنة مثل دورات مكثفة لاستدراك المتسربين، عبر تعليم مهني تقني مرتبط بسوق العمل المحلي، وتسهيل العودة للمدارس لغير المسجلين، وكذلك تحسين بنية المدارس ونقل الطلاب بالاستثمار فوري في المدارس الريفية والفصول المكتظة، وتوفير مواصلات مدرسية في المناطق النائية، وتحديث قواعد بيانات الطلاب على مستوى المحافظة وتفعيل آليات متابعة دورية لتحديد حالات الانقطاع مبكرا.

Image

إضافة إلى ذلك يمكن عقد شراكات مع القطاع الخاص والمجتمع المدني لتأمين برامج تدريب مهني، جيوب تمويلية ومنح دراسية لخفض الضغوط المالية على الأسر، وتوسيع رقعة البرامج المجتمعية الفعالة.

نافذة إنقاذ أم ضياع جيل؟

التقارير والبيانات المحلية تظهر أزمة حقيقية ومعقدة، ليست مجرد أرقام بل مصائر لآلاف العائلات والأطفال، إذا لم تتضافر السياسات الاقتصادية والاجتماعية مع إصلاحات بنيوية في التعليم، فإن خروج نحو مليون طفل وشاب من منظومة التعليم لن يظل مجرد مشكلة مدرسية بل تحول مركزي يهدد ليس فقط المجتمع الإيراني، ومستقبل أفراده، وإنما مستقبل بلد يخوض معارك يومية على جبهات عدة، لم يكفل لها التوازن فيها حتى الآن إلا التعليم والبحث العلمي، والتحدي الآن هو أن تتحلى السياسات بالجرأة اللازمة لتوجيه موارد كافية ومستمرة، مع الشفافية والقياس المستمرين، وإشراك المجتمع المدني والقطاع الخاص، لأن المستقبل لن ينتظر.

بيانات إنفوجراف عن توزيع أعداد المتسربين من التعليم 

المحافظة عدد الطلاب المتسربين (رسمي/مصرح) المصدر
سيستان وبلوشستان +100,000 وكالة مهر + إرنا + صحيفة اطلاعات
خوزستان 80,000 ملي مذهبي (تصريحات لجنة التعليم بالبرلمان)
هرمزغان ~85,000 بامداد زاگرس (تقرير وطني)
كردستان ~60,000 بامداد زاگرس (تقرير وطني)
خراسان الجنوبية ~55,000 بامداد زاگرس (تقرير وطني)
أذربيجان الغربية ~70,000 بامداد زاگرس (تقرير وطني)
كلمات مفتاحية: