- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 534 Views
تدخل المفاوضات الإيرانية الأميركية مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها مؤشرات التهدئة مع إشارات التصعيد، وتتقاطع فيها لغة الدبلوماسية مع منطق القوة. ففي الوقت الذي يتحدث فيه مسؤولون في طهران وواشنطن عن تقدم في المحادثات وإعداد مسودات تفاوضية، تتحرك القطع البحرية والطائرات العسكرية في المنطقة، وتحدد مهل زمنية قصيرة للوصول إلى اتفاق. هذا التناقض ينعكس بوضوح في الداخل الإيراني، حيث تتوزع القراءات بين تفاؤل حذر بإمكان التوصل إلى تسوية، وتحذير من نموذج ضغط قد يقود إلى مواجهة.
عراقجي… مسار تفاوضي مشروط بالدبلوماسية والضمانات
من خلال الظهور في عددا من اللقاءات الصحفية مؤخرا، رسم وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، الإطار العام للمفاوضات الجارية، مؤكدا أن جولة جنيف الأخيرة، والتي جاءت الثلاثاء 17 فبراير/ شباط 2026 شهدت محادثات جيدة جدا، وأن الطرفين تمكنا من مناقشة القضايا المرتبطة بالبرنامج النووي والعقوبات الأميركية، والتوصل إلى تفاهم حول مجموعة من المبادئ أو المبادئ الإرشادية للمفاوضات والشكل المحتمل لاتفاق.
كما أوضح عراقجي، خلال مقابلة في برنامج مورنينج جو الجمعة 20 فبراير/ شباط 2026، أن الجانب الإيراني قد طلب منه إعداد مسودة اتفاق محتمل، تمهيدا لبدء التفاوض على النص، وصرح إنه سيقوم بإعداد هذه المسودة خلال يومين إلى ثلاثة أيام، ثم يعرضها على المسؤولين الأعلى في إيران للحصول على الموافقة النهائية، قبل تسليمها إلى المبعوث الأميركي ستيف ويتكاف، وأشار إلى احتمال عقد اجتماع آخر لمناقشة المسودة والبدء بالتفاوض التفصيلي حولها، معربا عن أمله في التوصل إلى نتيجة مرضية خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا.

وفي واحدة من أكثر النقاط حساسية، نفى عراقجي بشكل قاطع التقارير التي تحدثت عن عرض إيراني لتعليق التخصيب لعدة سنوات، أو عن مطالبة أميركية بتصفير التخصيب، قائلا إن هذه التكهنات غير صحيحة، ومؤكدا أن ما يجري بحثه حاليا هو كيفية ضمان أن يكون البرنامج النووي الإيراني، بما في ذلك التخصيب، سلميا وأن يبقى سلميا إلى الأبد، مقابل اتخاذ إيران إجراءات لبناء الثقة ورفع العقوبات.
كما شدد على أنه لا توجد مهلة زمنية رسمية مفروضة على إيران، بل إن الطرفين عبرا عن رغبة مشتركة في التوصل إلى اتفاق سريع، وذكر بأن إيران تخضع للعقوبات، وأن كل يوم يرفع فيه الحظر مبكرا يصب في مصلحتها، مؤكدا أنه لا يوجد أي سبب للمماطلة أو التأخير.
أما فيما يتعلق بالتهديدات العسكرية، فكان موقفه مزدوجا لكنه واضح الحل الوحيد هو الدبلوماسية، حيث صرح عراقجي أن الولايات المتحدة عادت إلى طاولة المفاوضات لأنها تدرك أنه لا يوجد حل عسكري للبرنامج النووي الإيراني، لكنه في الوقت نفسه شدد على أن إيران مستعدة للحرب كما هي مستعدة للسلام، وأنها أثبتت قدرتها على الدفاع عن نفسها في تجارب سابقة.
كما ميز خلال لقاءه بين الشعب الأميركي والحكومة الأميركية، معتبرا أن العداء يقتصر على سياسات واشنطن تجاه إيران، وأشار إلى أنه إذا توقفت هذه السياسات العدائية، فقد يكون من الممكن التفكير في نوع مختلف من العلاقات.
هذا وتأتي هذه التصريحات في وقت نقلت فيه صحيفة فايننشال تايمز البريطانية أن الرئيس الأميركي يسعى، حسب زعمها، إلى اتفاق أكبر من اتفاق 2015، خطة العمل الشاملة المشتركة، أي اتفاق يتجاوز حدود الملف النووي ليشمل برنامج الصواريخ الباليستية ودور إيران الإقليمي. وأشارت الصحيفة إلى أن ترامب يحتاج إلى اتفاق يمكنه أن يقدمه داخليا على أنه أكثر صرامة وأوسع نطاقا من الاتفاق السابق، وهو ما يفسر تشدد بعض التصريحات الأميركية بالتوازي مع استمرار المحادثات.
هذا الطموح الأميركي، كما يقرأ في طهران، يشكل أحد عناصر القلق الأساسية، إذ ترى الأوساط الرسمية أن أي توسيع لنطاق المفاوضات ليشمل ملفات غير نووية سيقوّض أساس التفاهم ويعقد فرص التوصل إلى اتفاق.
قراءة الداخل… اتفاق بشروط أم مواجهة محسوبة؟
في الداخل الإيراني، تعكس الصحافة الإيرانية خلال تناولها لمسار المفاوضات مع الولايات المتحدة طيفا واسعا من التقديرات التي تتراوح بين التفاؤل الحذر والشك العميق. ورغم اختلاف الزوايا، إلا أن المشترك بينها هو الإقرار بأن البلاد تقف عند مفترق طرق حقيقي، وأن المرحلة المقبلة لن تكون امتدادا تقنيا لجولات سابقة، بل اختبارا سياسيا واستراتيجيا لمعادلة الردع والتفاوض معا، في ظل بيئة إقليمية مشحونة وضغوط متبادلة.
فبهذا الشأن تناولت صحيفة سازندجی الإصلاحية، في عددها الصادر اليوم السبت 21 فبراير/ شباط 2026، الملف تحت عنوان يعكس ازدواجية المشهد بين التهديد والأمل، معتبرة أن المفاوضات تجري في ظل حشد عسكري أميركي واسع وتحركات ميدانية لافتة، بالتوازي مع إشارات إيجابية من الجانبين حول التقدم في المحادثات. وذهبت الصحيفة إلى أن هذا التناقض ليس دليلا على ارتباك، بل يعكس استراتيجية ضغط تهدف إلى تحسين شروط التفاوض قبل تثبيت الصيغة النهائية للاتفاق، وربطت بين الخطاب الأميركي المتشدد، والتحركات العسكرية في المنطقة، والمهل الزمنية المعلنة، معتبرة أن واشنطن تحاول إدارة التفاوض من موقع قوة رمزية ونفسية.

وركزت سازندجی على ما أوردته صحيفة فايننشال تايمز بشأن رغبة ترامب في التوصل إلى اتفاق أكبر من الاتفاق النووي السابق، معتبرة أن هذا الطموح يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المفاوضات، فالحديث عن اتفاق أوسع قد يعني محاولة إدخال ملفات إضافية إلى طاولة الحوار، وهو ما تعتبره طهران خارج إطار التفاهم النووي. ومع ذلك، لم تستبعد الصحيفة أن يكون هذا الخطاب موجها بالدرجة الأولى إلى الداخل الأميركي، في سياق سعي الإدارة إلى تقديم أي اتفاق مقبل بوصفه أكثر صرامة وأشمل من اتفاق عام 2015، وفي قراءتها، رأت أن جوهر التفاوض يدور حول كيفية تثبيت الوضع القائم قانونيا وسياسيا، بحيث يسمح باستمرار التخصيب ضمن سقف محدد، مقابل رفع ملموس للعقوبات، مع بقاء مسألة التحقق والرقابة الدولية العقدة الأكثر حساسية.
في صحيفة آرمان امروز، قدم المحلل الإصلاحي حسن بهشتي بور قراءة تقوم على طرح سيناريوهين متوازيين، الأول أن تكون التحركات العسكرية الأميركية استعدادا فعليا لمواجهة، والثاني أن تكون جزءا من سياسة الضغط الأقصى الرامية إلى إرغام إيران على تقديم تنازلات سياسية من دون الدخول في حرب مباشرة. واعتبر بهشتي بور أن فهم تلك السيناريوهات ن يتطلب التركيز على العامل الداخلي الإيراني، مشددا على أن رأس المال الاجتماعي والثقة بين الدولة والمجتمع يشكلان عنصر ردع أساسيا في مواجهة أي ضغط خارجي.
كما اعتبر بهشتي بور أن أي انقسام داخلي أو ضعف في التماسك الوطني قد يقرأ في واشنطن كإشارة إلى إمكانية رفع سقف المطالب، بينما يعزز التماسك الداخلي موقع إيران التفاوضي، كما حذر من الإفراط في التعويل على الوساطات الإقليمية، موضحاً أن قرار الحرب أو السلم في نهاية المطاف يخضع لحسابات أميركية داخلية، سواء سياسية أو انتخابية. وفي الوقت نفسه، أشار إلى أن كلفة الحرب على الولايات المتحدة، في ظل وجود قواعد عسكرية منتشرة في المنطقة واحتمال تعرضها لردود فعل، قد تجعل خيار التفاهم أكثر واقعية من خيار التصعيد الواسع.
أما صحيفة آرمان ملي فقد ركزت في تناولها على البعد الوطني والاقتصادي للمفاوضات، معتبرة أن المزاج العام داخل إيران لا يرفض التفاوض، لكنه أصبح أكثر تشددا فيما يتعلق بمسألة الضمانات، فالانسحاب الأميركي من اتفاق 2015 ما زال حاضرا بقوة في الذاكرة السياسية، ما يفرض على أي اتفاق جديد أن يتضمن آليات واضحة تحول دون تكرار السيناريو نفسه. وشددت الصحيفة على أن معيار نجاح التفاوض لن يكون سياسيا فقط، بل اقتصاديا أيضا، إذ إن الرأي العام سيقيس جدوى أي تفاهم بمدى انعكاسه المباشر على التضخم وسعر العملة ومستوى المعيشة.
كما رأت آرمان ملي أن توسيع نطاق المفاوضات ليشمل ملفات غير نووية سيواجه اعتراضات سياسية داخلية، لأنه ينظر إليه كتنازل يتجاوز الإطار الأصلي للتفاوض، وذهبت إلى أن التوازن المطلوب يتمثل في اتفاق يحفظ الكرامة الوطنية ويحقق مكاسب اقتصادية ملموسة، من دون الانخراط في مسارات تفاوضية مفتوحة قد تستنزف الوقت والجهد من دون نتائج واضحة.
في صحيفة اعتماد، قدم ما شاء الله شمس الواعظين قراءة أكثر حذرا، واصفا المرحلة بأنها تقف عند نقطة توازن دقيقة بين الحرب والاتفاق، معتبرا أن الإدارة الأميركية تتبع نموذجا تفاوضيا يبدأ بإشارات إيجابية عن قرب التوصل إلى اتفاق، ثم يرفع سقف المطالب تدريجيا، قبل تحديد مهلة زمنية والتلويح بخيار الحرب، وبرأيه، فإن هذا الأسلوب يهدف إلى خلق ضغط نفسي وسياسي يدفع إلى تنازلات، لكنه يحمل في طياته أيضا خطر سوء التقدير.

شمس الواعظين أشار إلى أن إيران تمتلك أوراق قوة تجعل أي مواجهة عسكرية مكلفة للولايات المتحدة، خصوصا فيما يتعلق بالردود المحتملة في الساعات الأولى لأي تصعيد، لكنه لم يستبعد احتمال أن تلجأ واشنطن إلى تصعيد محدود أو ضربة محسوبة بهدف تعديل موازين التفاوض لا إشعال حرب شاملة، وفي تحليله فإن الضبابية لا تقتصر على طهران، بل تشمل أيضا حسابات صانعي القرار في واشنطن، الذين يوازنون بين الرغبة في إنجاز سياسي سريع وبين مخاطر الانزلاق إلى صراع واسع.
توازن هش بين الدبلوماسية والتصعيد
من خلال ما سبق من تصريحات رسمية وقراءات تحليلية للوضع الحالي، يتضح أن الداخل الإيراني لا يتعامل مع المفاوضات بمنطق التفاؤل المطلق ولا بمنطق القطيعة الحتمية. بل إن المزاج العام يقف عند نقطة توازن دقيقة، يدرك فيها الإيرانيون كلفة الحرب كما يدركون مخاطر اتفاق بلا ضمانات.
في نهاية المطاف، يبدو أن إيران تدخل المرحلة المقبلة بعيون مفتوحة على الاحتمالين معا، اتفاق يخفف الضغوط الاقتصادية ويعيد ترتيب العلاقة مع واشنطن، أو جولة جديدة من شد الحبال قد تنزلق إلى مواجهة. وبين هذين الاحتمالين، يبقى ميزان القرار معلقا على قدرة الطرفين على تحويل التهديد إلى فرصة تسوية، لا إلى شرارة تصعيد جديد في منطقة مثقلة بالأزمات.

