- زاد إيران - المحرر
- سياسة خارجية, متميز
- 509 Views

في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتكثيف الرسائل السياسية المتبادلة، تعود العلاقة بين واشنطن وطهران إلى واجهة المشهد الدولي بنبرة أكثر حدّة وتعقيدا. فالتصريحات الأخيرة الصادرة عن البيت الأبيض لم تمر كحدث عابر، بل أثارت موجة من التحليلات والقراءات داخل إيران وخارجها، لما حملته من دلالات تتجاوز حدود اللغة الدبلوماسية التقليدية.
وبين من يرى فيها محاولة لرفع سقف التفاوض، ومن يعتبرها جزءا من استراتيجية ضغط متعددة الأبعاد، تتداخل السياسة بالاقتصاد والإعلام في معادلة إقليمية مفتوحة على احتمالات شتى، حيث تتحول الكلمات إلى أدوات تأثير لا تقل وزنا عن أدوات القوة الصلبة.
تصريحات ترامب الأخيرة… تهديد مباشر للحكومة والشعب معًا
ففي أحدث تصعيد لفظي تجاه طهران، أطلق الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، سلسلة تصريحات حملت نبرة تهديد واضحة، لم تقتصر على الحكومة الإيرانية، بل امتدت صراحة إلى الشعب الإيراني نفسه، ففي منشور على منصته تروث سوشيال، الثلاثاء 24 فبراير/ شباط 2026، كتب ترامب أنه إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق مع إيران، فإن ذلك اليوم سيكون يوما سيئا جدا لذلك البلد، وللأسف لشعبه أيضا. العبارة، التي بدت للوهلة الأولى، حسب محللين، كتحذير دبلوماسي مشروط، حملت في مضمونها إقرارا بأن أي مواجهة محتملة لن تبقى في إطارها السياسي أو العسكري الضيق، بل ستمتد آثارها إلى المجتمع الإيراني بأكمله.

وأضاف ترامب في السياق ذاته أنه يفضل التوصل إلى اتفاق بدلا من الذهاب إلى مواجهة، لكنه في المقابل شدد على أن القرار النهائي بيده، وأنه إذا فشلت المفاوضات فإن العواقب ستكون شديدة. وكان ترامب وخلال خطاب سابق له في ولاية فلوريدا، أكد أن إيران “لا يمكن أن تترك لتصبح تهديدا نوويا”، واصفا إسرائيل بأنها “شريك استراتيجي” في التعامل مع هذا الملف. هذا الربط بين الخيار العسكري المحتمل وبين فشل المسار التفاوضي، عزز مناخ الترقب في الأسواق العالمية، التي تفاعلت فورا بارتفاع أسعار النفط وتزايد المخاوف من موجة تضخم جديدة.
وفي رده على تقارير إعلامية أمريكية تحدثت عن تحفظات داخل البنتاغون بشأن أي مواجهة عسكرية مع إيران، نفى ترامب ما ورد فيها، مؤكدا أن ما يكتب “غير صحيح ومتعمد”، غير أن اللافت في بيانه أنه عاد وكرر أن أي تصعيد سيكون “يوما سيئا للشعب الإيراني”.
سجل تهديدات سابقة… خطاب متكرر تجاه الإيرانيين
هذا ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتضمن فيها خطاب ترامب إشارات مباشرة إلى الشعب الإيراني، فعلى مدار سنوات، صدرت عنه تصريحات حملت في طياتها تهديدا أو توصيفا سلبيا طال المجتمع الإيراني ذاته، وليس فقط الحكومة، حيث ذكر تقرير لصحيفة همشهري الإيرانية أنه في 21 أكتوبر/تشرين الأول 2017، وصف ترامب الإيرانيين بأنهم إرهابيون، مستخدما خطابا اعتبرته طهران مهينا حينها.

وفي 11 يناير/كانون الثاني 2018، دعم ترامب احتجاجات داخلية في إيران، وكتب أن الشعب جائع، في تعبير رأى فيه منتقدوه توظيفا سياسيا لمعاناة اقتصادية مرتبطة جزئيا بالعقوبات الأمريكية. وبعد أشهر، في 18 يونيو/حزيران 2019، هدد بأن أي هجوم إيراني على المصالح الأمريكية سيواجه بقوة ساحقة، مضيفا أن السحق قد يعني الإبادة في بعض الأجزاء.
كما أثار ترامب جدلا واسعا في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2018 عندما وصف إيران بأنها أمة إرهابية، في بيان صدر في سياق قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، وفي 15 يونيو/حزيران 2019، كرر توصيفا مشابها، معتبرا أن إيران كانت الدولة الإرهابية الأولى عند توليه المنصب.
وفي 5 أكتوبر/تشرين الأول 2017، وقع ترامب مرسوما تنفيذيا يمنع مواطني سبع دول، بينها إيران، من دخول الولايات المتحدة، في قرار وصفته منظمات حقوقية بأنه عقاب جماعي. هذا التكرار في الإشارة إلى الشعب الإيراني ضمن سياق التهديد أو الضغط، دفع صحفا إيرانية إلى القول إن الفصل الذي حاولت بعض الأوساط الغربية ترسيخه بين الشعب والحكومة لم يعد قائما حتى في الخطاب الأمريكي ذاته.
قراءة الصحف الإيرانية… إعادة تأطير خطاب التهديد
تعاملت الصحف الإيرانية، ولا سيما ذات التوجه الأصولي منها، مع تصريحات ترامب باعتبارها لحظة كاشفة في مسار الخطاب الأمريكي تجاه إيران، وليست مجرد زلة لسان أو صياغة عابرة. فعبارة “يوم سيئ جدا لذلك البلد، وللأسف لشعبه أيضا” جرى التقاطها بوصفها اعترافا مباشرا بأن استراتيجية الضغط الأمريكية لا تفصل بين الدولة والمجتمع، بل ترى في المجتمع ذاته ساحة ضغط وأداة تأثير. وقد كتبت بعض الصحف، من ضمنها خرسان الأصولية في عددها الصادر الأربعاء 25 فبراير/ شباط 2026، أن ترامب أسقط القناع حين وضع كلمة الشعب إلى جانب البلد، معتبرة أن هذا الاستخدام يهدم السردية الغربية التي لطالما رددت أن الضغوط والعقوبات تستهدف النظام لا المواطنين.

في هذا السياق، أعادت الصحف الأصولية تأطير التصريح على أنه نهاية عملية تسويق أخلاقي استمرت سنوات، حاولت فيها واشنطن الظهور بمظهر الحريص على الإيرانيين مقابل معارضتها للسلطة السياسية، واعتبرت أن الجمع بين التهديد العسكري والاعتراف بكلفة تطال الناس يثبت أن ما يسمى بسياسة الضغط الأقصى لم تكن يوما تقنية أو موجهة بدقة، بل كانت شاملة بطبيعتها، تستهدف الاقتصاد والمجتمع والبنية النفسية معا.
ولم يقتصر التحليل على البعد الأخلاقي أو الدعائي، بل توسع ليشمل قراءة استراتيجية للمشهد في واشنطن، فقد استندت بعض الصحف إلى تقارير منشورة في وسائل إعلام أمريكية تحدثت عن تحذيرات داخل البنتاغون بشأن صعوبة أي مواجهة عسكرية مع إيران، سواء بسبب محدودية مخزونات صواريخ الاعتراض مثل ثاد وباتريوت، أو بسبب المخاوف من استنزاف الموارد في ظل دعم أوكرانيا وإسرائيل. وجرى توظيف هذه التقارير لإبراز فكرة أن التهديدات ليست تعبيرا عن ثقة بالقوة، بل محاولة لتعويض مأزق استراتيجي وتآكل في صورة الردع.

في هذا الإطار، رسمت صورة لترامب باعتباره رئيسا يتحرك بدافع المصلحة السياسية الداخلية أولا. فقد رأت الصحف أن تصريحاته لا تقرأ فقط في ضوء العلاقة مع طهران، بل أيضا في ضوء حسابات الداخل الأمريكي، من انتخابات وضغوط اقتصادية وانتقادات من مؤسسات أمنية وإعلامية. واعتبر أن التلويح بيوم سيئ للشعب يخدم هدفين، الأول الضغط على إيران، وفي الوقت ذاته تقديم خطاب حازم للناخب الأمريكي يظهره بمظهر القائد الصارم الذي لا يتردد في التهديد.
كما ذهبت بعض التحليلات إلى أن تصريح ترامب يمثل جزءا من عملية إعادة بناء صورة الرجل القوي، بعد أن نشرت وسائل إعلام أمريكية تقارير تشكك في سهولة أي نصر سريع، وبحسب هذا المنظور، فإن التهديد العلني للشعب يهدف إلى رفع سقف الخطاب، حتى لو كانت القدرة الفعلية على التنفيذ محاطة بقيود لوجستية وسياسية. وهنا جرى الربط بين اللغة الحادة والضغوط الداخلية، بوصفهما عنصرين في معادلة سياسية معقدة.
إلى جانب ذلك، ركزت الصحف على البعد النفسي للخطاب، فقد اعتبرت فرهيختجان في تقرير لها أن عبارة اليوم السيئ هي جزءا من حرب نفسية تهدف إلى خلق شعور دائم بالخطر داخل المجتمع الإيراني، ودفعه إلى ممارسة ضغط داخلي على صانعي القرار، كما وصفت هذه المقاربة بأنها محاولة لإحداث استنزاف نفسي يوازي الضغوط الاقتصادية للعقوبات، بحيث يتحول القلق المستمر إلى أداة سياسية. ووفق هذا التحليل، فإن الرسالة لا تستهدف فقط صانعي القرار في طهران، بل تسعى إلى التأثير في المزاج العام، عبر تضخيم سيناريوهات الحرب وربطها بالحياة اليومية للناس.

بذلك، أعادت الصحف الإيرانية تأطير خطاب ترامب من كونه تحذيرا تفاوضيا إلى كونه جزءا من استراتيجية ضغط شاملة، متعددة الأبعاد، تستخدم اللغة كسلاح موازٍ للأدوات الاقتصادية والعسكرية. ومن خلال هذا التأطير، سعت إلى تثبيت فكرة أن المعركة لا تدور فقط في ساحات السياسة، بل أيضا في ميدان السرديات والإدراك، حيث تصبح الكلمة ذات أثر استراتيجي لا يقل عن أثر القوة الصلبة.
بين التصعيد والردع… معادلة مفتوحة
أعادت تصريحات ترامب الأخيرة العلاقة بين واشنطن وطهران إلى مربع التوتر العلني، لكنها في الوقت ذاته كشفت عن تعقيد المشهد. فبينما يؤكد الرئيس الأمريكي أن هدفه منع إيران من امتلاك قدرات نووية، ترى الصحف الإيرانية أن خطابه يعكس رؤية أوسع تسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوى عبر الضغط الشامل.
الجدل لا يدور فقط حول احتمال المواجهة العسكرية، بل حول طبيعة الرسائل الموجهة إلى الداخل الإيراني. فحين يتحدث رئيس دولة كبرى عن يوم سيئ للشعب، يصبح الخطاب نفسه أداة سياسية ذات أثر يتجاوز حدود التصريح.
وفي هذا السياق، تبدو المواجهة بين الطرفين متعددة المستويات، عسكرية، واقتصادية، وإعلامية، ونفسية. وبين التهديد بالتصعيد والدعوة إلى الاتفاق، تبقى المنطقة أمام معادلة مفتوحة، تتحرك فيها الكلمات بقدر ما تتحرك فيها الأساطيل، ويستخدم فيها الخطاب كسلاح لا يقل أهمية عن الأدوات الصلبة.
