- محمود شعبان
- 701 Views
ترجمة: شروق حسن
نشرت الصحيفة الإيرانية “آرمان ملي“، الأربعاء 25 يونيو/حزيران 2025، في تقرير اقتصادي شامل، تحليلا معمقا لتداعيات وقف إطلاق النار المعلن بين إيران والاحتلال الإسرائيلي على الأسواق المالية داخل إيران وفي منطقة الشرق الأوسط.
وذكرت الصحيفة أن الإعلان عن وقف إطلاق النار بين إيران والاحتلال الإسرائيلي، والذي تمّ التوصل إليه بعد نحو 12 يوما من الاشتباكات، أثّر بشدة على الأسواق المالية في إيران ومنطقة الشرق الأوسط.
وأضافت أن هذا التأثير ظهر ضمن تقرير شامل تناول أثر وقف إطلاق النار على أسعار النفط، والذهب، والعملات الأجنبية، وسوق رأس المال، كما تضمن تحليلات للاقتصادي البارز مرتضى أفقه بشأن متطلبات التقدم الاقتصادي لإيران في زمن السلم.
وتابعت أن وقف إطلاق النار أوجد حالة من التهدئة السياسية والاقتصادية، ورغم أنها لا تزال هشة، فإنها تركت أثرا ملموسا في الأسواق.
وقد برز عاملان رئيسيان في هذا السياق، هما “عودة القابلية للمخاطرة” و”مجرد هدوء مؤقت”: ففي الأسواق العالمية، زاد الإقبال على الاستثمار في الأصول ذات المخاطر النسبية الأعلى، مثل الأسهم والعملات الرقمية.
كما سجّل النفط انخفاضا ملحوظا، فيما ازداد الإقبال على الاستثمار في قطاع الطاقة المكرّرة، أما في منطقة الشرق الأوسط، فقد شهدت المؤشرات، خصوصا في دول كالسعودية والإمارات وقطر، نموا سريعا نتيجة تراجع المخاوف من تعطيل مرور النفط عبر مضيق هرمز.
وقد انعكست هذه الأجواء بوضوح في إيران أيضا؛ إذ دخلت بورصة طهران مرحلة من الاستقرار النسبي بفعل حذر المتعاملين وتراجع كبير في أسعار الدولار والذهب، إلا أن هذا الهدوء يبقى إلى حد كبير رهينا باستمرار خفض التوتر وسير المفاوضات السياسية نحو نتائج إيجابية.
وأضافت الصحيفة أن وقف إطلاق النار أعاد قدرا من الطمأنينة إلى النظرة العامة لأمن مسارات نقل النفط، ونتيجة لذلك، تراجع سعر خام برنت بنسبة تتراوح بين 6 و7 بالمئة، ليصل إلى مستويات ما بين 64 إلى 66 دولارا، وبعد هذا الانخفاض الأولي لوحظ نوع من الاستقرار النسبي، كما انخفض سعر خام غرب تكساس الوسيط (WTI) إلى مستويات قريبة، ووجد دعما عند النطاق ذاته.

أسعار النفط
وأشارت الصحيفة إلى أن محللي سوق الطاقة اعتبروا أن زيادة إنتاج النفط من جانب الولايات المتحدة وتحالف “أوبك بلس” تزامنا مع وقف إطلاق النار تُعد من العوامل التي ساهمت في تعميق هذا الانخفاض في أسعار النفط.
وفي إيران، أدى تراجع الأسعار إلى نمو أسهم شركات التكرير، لكن المتعاملين ظلّوا حذرين إلى حد ما، ومن وجهة نظر مرتضى أفقه، إذا استمر وقف إطلاق النار، فمن الممكن أن يستقر سعر النفط ضمن نطاق 65 إلى 70 دولارا، لكن في حال عودة التوتر، فإن عودة سريعة للأسعار إلى ما فوق 77 دولارا ستكون مرجحة.

أسعار الذهب
وذكرت الصحيفة أن الذهب، الذي يُعد دائما رمزا للأصول الآمنة، سجّل تراجعا ملحوظا بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار؛ فقد انخفض بأكثر من 2 بالمئة، ليصل إلى ما دون مستوى 3320 دولارا، قبل أن يستقر لاحقا عند مستويات تتراوح بين 3325 و3330 دولارا.
وقد حلل خبراء التحليل الفني أن الحفاظ على مستوى الدعم عند 3300 دولار قد يفتح المجال لاحتمال العودة للصعود؛ لكن في حال كسره، فإن سيناريو الهبوط قد يستمر.

ونقلت الصحيفة عن مرتضى أفقه، قوله إنه في زمن السلم، لا بدّ من إيلاء سوق الذهب اهتماما خاصا، لأن الاستقرار في السوقين العالمي والمحلي يتطلب وضع سياسات دقيقة تحول دون أي قفزات جديدة في أسعار الذهب.
وأضافت الصحيفة أن وقف إطلاق النار أثّر بشكل مباشر على سعر صرف العملات الأجنبية داخل البلاد؛ إذ عاد سعر الدولار الحر في طهران إلى مستوى 84 ألف تومان، وساد قدر أكبر من الاستقرار في الأسعار.
كما تقلّص الفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق الحرة، مما مهّد الطريق لتراجع حالة الهلع في شراء الذهب والعملات.
وأشارت الصحيفة إلى أن أفقه يعتبر أن هذا الوضع لا يزال هشّا، إذ إن قسطا كبيرا من القدرة على اتخاذ القرار بشأن تقلبات سعر الصرف لا يزال مرتبطا بالتوترات الخارجية، وسياسات العقوبات، وفي بعض الأحيان بالقرارات الداخلية.
ويرى أنه طالما لم تصل المفاوضات إلى نتائج نهائية ولم تتبلور رؤية واضحة في السياسة الخارجية، فإن اضطراب سوق الصرف سيظل قائما.
بورصة طهران
وتابعت الصحيفة أن بورصة طهران، وبعد انتشار نبأ وقف إطلاق النار، شهدت في البداية موجة من الحذر، لكن خلال الأيام التالية ظهرت بوادر تحسّن نسبي؛ حيث شكّلت الأسهم التصديرية محور النمو الرئيسي نظرا لتنامي الآمال في انخفاض المخاطر على الميزان التجاري، وقد اختار المستثمرون سلوكا حذرا في انتظار تبلور أبعاد وقف إطلاق النار من الناحيتين السياسية والاقتصادية.
كما أكد أفقه أن الاعتماد الحصري على التقلبات السياسية لا يكفي، ما لم يُصلح الهيكل الاقتصادي، وقد شدد مرارا على أن تطوير البورصة يتطلب شفافية مالية، وإصلاحا في الاستجابات الهيكلية، وحوكمة رشيدة للقوى المؤثرة في السوق.
مستقبل الاقتصاد
وذكرت الصحيفة أن آراء مرتضى أفقه بشأن المتطلبات الضرورية للاستفادة من فترة “السلام الداخلي والخارجي” تستحق التوقف عندها.
فبرأيه، يُعدّ الاستقرار والتفاؤل الاقتصادي من الشروط الأساسية لجذب الاستثمارات، ومع تشديده على حالة اللااستقرار داخليا وخارجيا، يؤكد أنه دون استقرار اقتصادي، لا يمكن استقطاب استثمار منتج وفعّال.
وأضافت الصحيفة أن أفقه يرى أن إصلاح هيكل الحوكمة، مع التركيز على مبدأ الجدارة والكفاءة، يُعد من المعايير الأساسية للتقدم الاقتصادي في الظروف الراهنة.
ويعتبر أن اختيار مديرين متخصصين بدلا من الاعتماد على المحاصصات السياسية هو مفتاح حل الأزمات، كما يلفت إلى أنه حتى الشعارات الاقتصادية، إن لم تقترن بمتطلبات تنفيذية وإدارية جادّة، تبقى مجرد شعارات لا أثر فعلي لها.
وتابعت الصحيفة أن الخبير الاقتصادي يرى أن رفع العقوبات، والانضمام إلى المؤسسات الدولية مثل مجموعة العمل المالي (FATF) واتفاقية باليرمو، ضروريان لضمان الوصول إلى النظام المصرفي العالمي وتقليص مخاطر التصدير، وهو يعتقد أن على الاقتصاد الإيراني أن يخرج من حالة “الشرطية” والارتهان الدائم للمتغيرات السياسية.
وأشارت الصحيفة إلى أن أفقه يستشهد بتجارب دول مثل الصين وماليزيا وكوريا الجنوبية، التي حققت التقدم رغم عدم امتلاكها موارد نفطية، وذلك بفضل إرادتها في التنمية واهتمامها بتأهيل العنصر البشري، ويؤكد أن إيران، ما دامت تعتمد فقط على النفط، فلن تبلغ التنمية الحقيقية.
وأكدت الصحيفة نقلا عن أفقه، أن السماح الكامل بتحديد الأسعار دون تدخل، سواء في سعر الصرف أو أسعار حوامل الطاقة، في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية، من شأنه أن يؤدي إلى اتساع الفجوة الطبقية وتدهور أوضاع معيشة الناس.
ويرى أنه على الدولة أن تحافظ على دورها في دعم الفئات الهشّة.
كما حذر أفقه من أن العجز في الميزانية يُعد عاملا مسببا للتضخم، ويجب معالجته من خلال حذف البنود الزائدة وغير الضرورية، والاعتماد على الموارد المحلية دون الإفراط في بيع النفط.
العملات الرقمية
أفادت الصحيفة بأن العملات الرقمية مثل البيتكوين وغيرها تتأثر، بطبيعتها بأسواق الأصول الآمنة وتلك المعرضة للمخاطر؛ فقد ارتفع سعر البيتكوين في المدى القصير ليصل إلى مستوى 106 آلاف دولار، لكن هذا الصعود لم يكن مستقرا، إذ أعقبه انخفاض ملحوظ.
وأضافت الصحيفة أن مرتضى أفقه حذّر من أن هذه التقلبات ذات طابع انفعالي، مشددا على أن الاستثمار في العملات الرقمية يتطلب تحليلا طويل الأمد وإدارة دقيقة للمخاطر.
وقف إطلاق النار
وذكرت الصحيفة أن وقف إطلاق النار السياسي وفّر فرصة مؤقتة لتخفيف التوترات وإنعاش نسبي للأسواق، لكن تحويل هذه الفرصة إلى مسار حقيقي للتنمية الاقتصادية يتطلب توفر العناصر التالية:
- الاستمرار في متابعة المفاوضات السياسية ورفع العقوبات، لتمكين الاقتصاد الإيراني من العودة إلى بيئة دولية آمنة.
- إحداث تحوّلات هيكلية داخلية في منظومة الحوكمة، واختيار مدراء متخصصين لا سياسيين في مختلف مستويات الدولة.
- صياغة سياسات اقتصادية واقعية، لا تجعل من استخراج النفط وحده محورا، بل تركز على القدرات البشرية، والإنتاج الصناعي، والاعتماد على الموارد المحلية.
- تعزيز شفافية الميزانية، وخفض النفقات الزائدة، بالتوازي مع توسيع منظومة مصرفية ومالية فعّالة.
- دعم حكومي موجّه للفئات الضعيفة، مع تجنّب السياسات التي قد تؤدي إلى تضخّم سريع.
وتابعت الصحيفة أن وقف إطلاق النار السياسي القائم حاليا، يمكن أن يكون نقطة انطلاق نحو استقرار نسبي في أسواق النفط، والعملات، والذهب، ورأس المال.
وختمت الصحيفة بتأكيد أن مرتضى أفقه يعتبر أن الإصلاحات الاقتصادية والبنيوية والحكومية، إلى جانب رفع العقوبات والانفتاح البنّاء على العالم، هي الشروط الأساسية لتجاوز الأزمة، ويشدّد على أنه من دون هذه الإصلاحات، لن يدوم أي وقف لإطلاق النار، وسيظلّ البلد بعيدا عن مسار التنمية الاقتصادية.

