- زاد إيران - المحرر
- 117 Views
وسط ضباب كثيف من التصريحات المتضاربة والتسريبات المتلاحقة، تتشكل ملامح مرحلة جديدة في تفاعلات القوى الدولية داخل الشرق الأوسط. فالأحداث المتسارعة لا تعكس مجرد صراع عابر، بل تكشف عن إعادة ترتيب أعمق لموازين النفوذ، حيث تتداخل الحسابات الاستراتيجية مع الضرورات الاقتصادية والأمنية. وفي ظل هذا المشهد المتقلب، تبدو بعض التحركات أقل وضوحا في ظاهرها، لكنها تحمل دلالات كبيرة في جوهرها. وبين ما يقال علنا وما يجري بعيدا عن الأضواء، تتبلور أدوار فاعلين دوليين يسعون إلى تثبيت مواقعهم، أو توسيع حضورهم، في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية وتعقيدا.
صفقة السلاح الصينية لإيران… تفاصيل معقدة بين الواقع والإنكار
أفادت عدة تقارير غربية، أبرزها ما نشرته شبكة سي إن إن الأمريكية، في تقريرها الصادر 11 إبريل/ نيسان 2026، إلى أن الصين قد تكون بصدد تنفيذ صفقة عسكرية حساسة مع إيران، تتمثل في نقل أنظمة دفاع جوي، وعلى وجه الخصوص الصواريخ المحمولة على الكتف المعروفة باسم MANPADS، وتعد هذه الأنظمة من أخطر الوسائل الدفاعية التكتيكية، نظرا لقدرتها على استهداف الطائرات الحربية التي تحلق على ارتفاعات منخفضة، وهو ما يجعلها عنصرا حاسما في تقليص التفوق الجوي الذي تعتمد عليه القوات الأمريكية والإسرائيلية في العمليات العسكرية.

فيما تشير التقارير أن أهمية هذه الصفقة، في حال صحتها، في توقيتها الحساس، حيث تأتي في أعقاب حرب استمرت أسابيع وشهدت استخداما مكثفا للطيران الحربي والصواريخ الدقيقة، كما أن إدخال هذه الأنظمة إلى ساحة المعركة من شأنه أن يعيد تشكيل قواعد الاشتباك، ويزيد من كلفة العمليات الجوية للطرف الآخر. وقد أشارت بعض التقارير إلى أن هذه الأنظمة قد استخدمت بالفعل خلال الحرب، أو على الأقل تم اختبار قدراتها، وهو ما يثير تساؤلات حول مصدرها، وما إذا كانت الصين قد لعبت دورا في تزويد إيران بها بشكل مباشر أو غير مباشر.
من أبرز النقاط التي أثيرت في هذا السياق، أن بكين قد تعتمد على دول ثالثة لنقل هذه الأسلحة، في محاولة لإخفاء مصدرها الحقيقي وتجنب أي تبعات سياسية أو قانونية. ويعد هذا الأسلوب من الأدوات التقليدية في تجارة السلاح غير المعلنة، حيث يتم تمرير المعدات عبر شبكات معقدة من الوسطاء والشركات الواجهة، بما يتيح للدولة المصدرة الحفاظ على قابلية الإنكار، كما أن هناك مؤشرات على أن الدعم الصيني لا يقتصر على الأنظمة الجاهزة، بل يشمل أيضا مواد تدخل في تصنيع الوقود الصاروخي، مثل بيركلورات الصوديوم، إلى جانب مكونات إلكترونية تستخدم في الطائرات المسيرة وأنظمة التوجيه.

في هذا الإطار، يبرز مفهوم التكنولوجيا مزدوجة الاستخدام كأداة رئيسية في السياسة الصينية تجاه إيران، فبكين توفر لطهران تقنيات يمكن استخدامها في مجالات مدنية، لكنها في الوقت نفسه قابلة للتوظيف العسكري، وهو ما يمنحها هامشا واسعا للمناورة السياسية. فمن جهة، تستطيع الصين الادعاء بأنها لا تنتهك القوانين الدولية، ومن جهة أخرى، تسهم فعليا في تعزيز القدرات الدفاعية والهجومية لإيران.
من جانبها، تواصل الصين نفيها القاطع لأي تورط مباشر في تزويد إيران بالأسلحة، مؤكدة أنها لم تقدم دعما عسكريا لأي طرف في النزاع، فيما يعتبر الخبراء أن نفي بكين لا يبدد الشكوك، خاصة في ظل التناقض بين التصريحات الرسمية والتقارير الاستخباراتية، كما أن تاريخ العلاقات بين البلدين، والذي شهد مراحل من التعاون العسكري غير المباشر، يعزز من فرضية وجود دعم خفي يتجاوز ما يتم الإعلان عنه، وبالتالي، يمكن القول إن صفقة السلاح الصينية لإيران، سواء تم تنفيذها بالكامل أو لا، تمثل نقطة تحول محتملة في طبيعة الدور الصيني، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التنافس الجيوسياسي في المنطقة.
دور الصين خلال الحرب… دعم غير مباشر ووساطة محسوبة
لم يقتصر الدور الصيني خلال الحرب الحالية، والتي استمرت لأربعین يوما متواصلة من 28 فبراير/ شباط 2026، على الجوانب العسكرية المحتملة، بل امتد ليشمل أبعادا سياسية واقتصادية ودبلوماسية معقدة. فمنذ اندلاع النزاع، تبنت بكين خطابا رسميا يدعو إلى التهدئة ووقف إطلاق النار، مؤكدة على ضرورة حل الخلافات عبر الحوار، إلا أن هذا الخطاب العلني كان يقابله، بحسب بعض التقديرات، دور غير مباشر في دعم إيران، سواء عبر تسهيل حصولها على موارد حيوية أو من خلال شبكات اقتصادية ساعدتها على تجاوز العقوبات والضغوط الدولية.

وقد أشارت تقارير متعددة إلى أن الشركات الصينية استمرت في تزويد إيران بتقنيات ومواد مزدوجة الاستخدام، ساعدت في الحفاظ على قدراتها العسكرية خلال الحرب. كما أن استمرار تدفق النفط الإيراني إلى الصين، رغم العقوبات، وفر لطهران مصدرا ماليا هاما ساهم في تمويل عملياتها. وفي هذا السياق، يمكن القول إن الصين لعبت دور الداعم الاقتصادي الصامت الذي مكن إيران من الصمود في وجه الضغوط.
في المقابل، برزت الصين أيضا كفاعل دبلوماسي سعى إلى إنهاء النزاع، حيث شاركت بشكل غير مباشر في جهود الوساطة التي قادتها باكستان. وتشير المعطيات إلى أن بكين مارست ضغوطا على طهران للقبول بوقف إطلاق النار، وهو ما أشار إليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حين تحدث عن دور صيني في دفع إيران نحو طاولة المفاوضات، كما أن التنسيق بين الصين وباكستان في طرح مبادرات لخفض التصعيد يعكس وجود استراتيجية مشتركة تهدف إلى احتواء الأزمة.

ويعكس هذا الدور المزدوج، دعم من جهة ووساطة من جهة أخرى، طبيعة السياسة الصينية التي تسعى إلى تحقيق التوازن بين مصالحها المختلفة، فبكين لا ترغب في خسارة إيران كشريك استراتيجي، لكنها في الوقت نفسه تدرك مخاطر الانخراط في صراع مفتوح قد يضر بعلاقاتها مع دول الخليج أو يعرضها لمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.
كما أن المصالح الاقتصادية تلعب دورا حاسما في هذا التوازن، حيث تعتمد الصين بشكل كبير على النفط القادم من منطقة الخليج، ويشكل مضيق هرمز شريانا حيويا لتأمين هذه الإمدادات. وبالتالي، فإن استمرار الحرب أو تصعيدها يمثل تهديدا مباشرا للاقتصاد الصيني، وهو ما يفسر حرص بكين على الدفع نحو التهدئة.

من هنا، يمكن القول إن الصين خلال الحرب لم تكن مجرد مراقب محايد، بل لاعبا نشطا يعمل خلف الكواليس، يجمع بين دعم محدود لإيران وسعي حثيث لإنهاء النزاع، بما يخدم مصالحه الاستراتيجية طويلة الأمد.
العلاقات الصينية الإيرانية… شراكة استراتيجية بميزان غير متكافئ
تعد العلاقة بين الصين وإيران نموذجا معقدا للشراكات الدولية التي تقوم على المصالح المتبادلة، لكنها في الوقت نفسه تتسم بعدم التوازن. فمن جهة، تعتمد إيران بشكل كبير على الصين اقتصاديا، حيث تعد بكين الشريك التجاري الأكبر لها والمشتري الرئيسي لنفطها، إذ تستحوذ على نحو ٩٠٪ من صادرات النفط الإيراني. ويوفر هذا الاعتماد لطهران مصدرا ماليا حيويا، خاصة في ظل العقوبات الغربية التي تحد من قدرتها على الوصول إلى الأسواق العالمية.

وفي المقابل، تستفيد الصين من هذا الوضع عبر الحصول على النفط بأسعار مخفضة، ما يعزز أمنها الطاقوي ويمنحها ميزة اقتصادية. كما أن التعاون بين البلدين يمتد إلى مجالات التكنولوجيا والبنية التحتية، في إطار اتفاقية الشراكة الاستراتيجية التي تمتد لسنوات طويلة وتشمل مجالات متعددة.
غير أن هذه العلاقة لا تخلو من الحذر، إذ تحرص الصين على عدم الانحياز الكامل لإيران، نظرا لارتباطها بعلاقات اقتصادية وسياسية قوية مع دول الخليج، التي تمثل شركاء أكثر أهمية من حيث حجم التجارة والاستثمار. وهذا ما يدفع بكين إلى اتباع سياسة توازن دقيقة، تحافظ من خلالها على علاقاتها مع جميع الأطراف.
كما تلعب الصين دورا مهما في مساعدة إيران على الالتفاف على العقوبات، من خلال شبكات مالية وتجارية معقدة تشمل شركات واجهة وبنوك وسيطة، إلى جانب استخدام ما يعرف بأسطول الظل لنقل النفط، هذه الآليات تتيح لطهران الاستمرار في تصدير النفط والحصول على تقنيات حساسة، رغم القيود المفروضة عليها.

في المجال العسكري، يظل التعاون محدودا نسبيا، حيث تفضل الصين تقديم دعم غير مباشر عبر نقل التكنولوجيا والمكونات، بدلا من إرسال أسلحة جاهزة بشكل علني. هذا النهج يعكس رغبة بكين في تجنب التصعيد، مع الحفاظ على قدرتها على التأثير في توازن القوى.
في النهاية، يمكن وصف العلاقة بين الصين وإيران بأنها شراكة استراتيجية قائمة على المصالح، لكنها محكومة بحسابات دقيقة تجعلها أقرب إلى تحالف حذر» منه إلى تحالف كامل. وبينما تسعى إيران إلى تعميق هذا التحالف، تواصل الصين إدارة العلاقة بطريقة تضمن تحقيق مصالحها دون الانجرار إلى صراعات قد تضر بمكانتها الدولية.
تكشف صفقة السلاح المحتملة بين الصين وإيران، إلى جانب الدور الذي لعبته بكين خلال الحرب، عن طبيعة معقدة للسياسة الصينية تقوم على التوازن بين الانخراط والحياد. فالصين تدعم إيران بطرق غير مباشرة، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى الحفاظ على صورتها كقوة مسؤولة تدعو إلى السلام. وفي ظل استمرار التوترات الدولية، يبدو أن هذا النهج سيستمر، مما يجعل من الصين لاعبا أساسيا في رسم مستقبل المنطقة، سواء في الحرب أو في مسارات التسوية.

