- زاد إيران - المحرر
- 16 Views
كتب: الترجمان
في دهاليز الصحافة المتخصصة في الشأن الإيراني، ندرك جيدا أن الكلمات ليست مجرد أوعية للمعاني، إنما هي “رتب بروتوكولية” وأحيانا “شيفرات سيادية”. هناك مصطلحات إذا وردت في سياق معين، تكتسب حصانة وقدسية تغير مجرى الخبر تماما، والمترجم الذي لا يملك “رادارا” سياسيا يفرّق به بين الدلالة المعجمية والدلالة السلطوية، يجد نفسه وقد حوّل قرارا استراتيجيا يهز المنطقة إلى مجرد دردشة عابرة في مقهى شعبي.
ذات ظهيرة في غرفة الترجمة بموقع “زاد إيران”، وقع بين يدي تقرير مترجم عن وكالة أنباء إيرانية، يتناول خطابا أيديولوجيا حادا يتعلق بالملفات الإقليمية الشائكة. لفت نظري عنوان وضعه المترجم بعناية لغوية فائقة لكنها “قاتلة” سياسيا، حيث كتب: “السيد يقول: عهد التراجع أمام الضغوط الخارجية قد انتهى”. توقفتُ مليا عند كلمة “السيد”. نظرت إلى المترجم وسألته بهدوء: “عن أي سيد نتحدث هنا؟ هل تقصد الرئيس الإيراني، أم وزير الخارجية، أم أننا ننقل رأي مواطن مجهول؟”.
أجاب المترجم بثقة، مشيرا إلى النص الفارس الأصلي: “يا أستاذي، النص يقول (آقا فرمودند)، وكلمة (آقا) في كل القواميس الفارسية تعني سيد، أو رجل، أو حتى (Mr) بالإنجليزية، وقد استخدمتُ لفظ (السيد) كنوع من الأمانة في نقل التبجيل الموجود في النص”.
وهنا أدركت أننا أمام لغم جديد من ألغام “الترجمة المعجمية” التي تفتقر إلى الحس بالواقع. المترجم هنا تعامل مع الكلمة كمادة خام، ولم يدرك أنها في العرف السياسي الإيراني تُعد “لقبا حركيا” حصريا يشير إلى المرشد الأعلى في إيران، وتجهيل هذا المصطلح هو في الحقيقة “تجهيل” لمصدر القرار الأول في الدولة.
جلست أوضح للزميل أن كلمة “آقا” في إيران تمر بثلاثة فلاتر؛ الأولى لغوية تعني “سيد”، والثانية اجتماعية تُقال لأي رجل من باب الاحترام، أما الثالثة فهي “الأيديولوجية السياسية” حيث تصبح الكلمة علما على (المرشد الأعلى).
حين يبدأ المذيع الإيراني جملته بعبارة “آقا فرمودند” دون ذكر اسم، فإنه لا يحتاج لتعريف، لأن الجميع يدرك أن “الآقا” في هذا السياق واحد لا شريك له. إن ترجمتها بكلمة “السيد” تجعل التصريح يبدو وكأنه وجهة نظر شخصية قابلة للنقاش أو التراجع، بينما الحقيقة أنها “أمر سيادي” يمثل استراتيجية الدولة العليا.
هذا النوع من الأخطاء هو ما أسميه “التمييع الاستراتيجي”. فالقارئ العربي حين يرى عنوانا يبدأ بـ “السيد يقول”، فإنه يمر عليه مرور الكرام كخبر بروتوكولي، لكنه حين يقرأ: “المرشد الأعلى: عهد التراجع قد انتهى”، فإنه يدرك فورا أن البوصلة قد تحركت، وأن جميع مؤسسات الدولة من جيش وبرلمان وحكومة ستصطف خلف هذا التصريح.
المترجم بجرّة قلم، وبسبب اعتماده على “القاموس” لا على “المدرسة الواقعية”، سلب الخبر ثقله الجيوسياسي وحوّل خطاب “رأس الهرم” إلى مجرد حديث عابر لـ “قاعدة الهرم”.
نصيحتي الدائمة لكل من يقتحم حقل الترجمة السياسية: المترجم ليس ساعي بريد ينقل الرسائل في ظروف مغلقة، لكنه خبير متفجرات ودارس للتاريخ وصراعات القوة. في إيران تحديدا، الكلمات تُطبخ على نار السياسة لا في ردهات الأكاديميات اللغوية.
لا تكن أسيرا للمعنى الحرفي، بل كن تلميذا في مدرسة الواقع، فالمترجم الذي لا يفرّق بين “السيد” كلقب اجتماعي وبين “الآقا” كمنصب سيادي، قد يرسل القارئ إلى فهم خاطئ تماما لموازين القوى بجرّة قلم غير واعية.
وإلى اللقاء في نادرة جديدة من نوادر المترجمين.

