خربشات على الجرح المفتوح… كيف فجر برنامج تلفزيوني أزمة ثقة مع الإعلام الرسمي في إيران؟

أشعلت حادثة إعلامية واحدة جدلا واسعا تجاوز حدود الشاشة، وفتحت نقاشا عميقا حول دور الإعلام الرسمي وحدود السخرية ومسؤولية الكلمة في لحظات الألم الجمعي. ففي بلد يعيش حالة حداد، تحول محتوى وصف بالساخر إلى شرارة غضب عام، واستدعى ردود فعل رسمية وسياسية وإعلامية غير مسبوقة. لم تكن المسألة مجرد خطأ عابر، بل لحظة كاشفة لتصدعات أعمق في العلاقة بين الإعلام والمجتمع، ولإشكاليات تتعلق بإدارة الخطاب، وضبط السرديات، واحترام الحساسية الإنسانية في أكثر الأوقات حرجا.

تفاصيل القصة … كيف تحول برنامج ساخر إلى أزمة وطنية؟

بدأت القصة مساء يوم الأحد الأول من فبراير/ شباط 2026، عندما بثت شبكة أفق حلقة جديدة من برنامجها الساخر خط‌ خطي، وترجمتها خربشات، وهو برنامج كان يسوق له بوصفه محاولة لتناول القضايا السياسية والاجتماعية بأسلوب فكاهي مختلف، وفي تلك الحلقة، طرح مقدم البرنامج محمد حسين محبي فقرة اعتبرت منذ اللحظة الأولى صادمة وغير مسبوقة في تاريخ الإعلام الرسمي الإيراني.

Image

ففي هذه الفقرة، استند مقدم البرنامج إلى ادعاء سابق أطلقه أحد المشاهير المقيمين خارج البلاد، زعم فيه أن عددا من جثامين ضحايا الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها إيران يتم الاحتفاظ بها لاستخدامها لاحقا في حال وقوع عدوان خارجي، غير أن الطريقة التي اختارها البرنامج للرد على هذا الادعاء جاءت على شكل سؤال ساخر متعدد الخيارات حول المكان الذي تحفظ فيه الجثامين.

السؤال الذي طرح على الهواء تضمن خيارات وصفت على نطاق واسع بأنها مهينة ومبتذلة، من قبيل الإشارة إلى الثلاجات المنزلية أو آلات صناعة المثلجات أو مجمدات المتاجر، هذا الطرح لم يفهم على أنه رد إعلامي أو تفنيد عقلاني لادعاء خارجي، بل بدا في نظر غالبية المشاهدين سخرية مباشرة من الضحايا أنفسهم ومن ذويهم.

انتشار المقطع لم يتأخر كثيرا، إذ سرعان ما جرى اقتطاع الفقرة وتداولها على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، وخلال ساعات قليلة، تحول الفيديو إلى مادة غضب عام، ليس فقط بين المعارضين أو المنتقدين للإعلام الرسمي، بل أيضا داخل شرائح واسعة من الجمهور التقليدي للخطاب الحكومي الرسمي.

ما زاد من حدة الغضب أن بث الحلقة جاء في وقت كانت فيه البلاد لا تزال تعيش حالة حداد واسعة على ضحايا احتجاجات يناير/ كانون الثاني، حيث أُعلنت أيام عزاء رسمي، وانتشرت مشاهد العزاء في الشوارع، ولا تزال عائلات كثيرة تبحث عن جثامين أبنائها أو تنتظر معلومات رسمية عن مصيرهم.

Image

في هذا السياق المشحون عاطفيا، بدا ما جرى على شاشة أفق، حسب كثيرين، تجاوزا لكل الخطوط الحمراء الأخلاقية والإنسانية، ولم يعد الأمر مقتصرا على زلة لسان أو اجتهاد خاطئ لمقدم برنامج، بل تحول إلى سؤال أوسع حول آليات الرقابة والتحرير والموافقة داخل شبكة تلفزيونية رسمية.

مع تصاعد ردود الفعل، بدأت الأسئلة تطرح حول كيفية مرور هذه الفقرة عبر جميع حلقات الإشراف والمراجعة، خصوصا أن أي مادة تبث على الهواء في هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية تمر عادة بسلسلة طويلة من التدقيق من قبل معدين، ومخرجين، ومشرفين، ومديري محتوى، وصولا إلى إدارة الشبكة نفسها.

وخلال أقل من 24 ساعة، أعلنت إدارة العلاقات العامة لهيئة الإذاعة والتلفزيون إيقاف بث البرنامج، وإعفاء مدير شبكة أفق من منصبه بسبب «لإهمال وسوء إدارة المحتوى، لكن هذا القرار، على أهميته، لم ينه الجدل، بل فتح مرحلة جديدة من النقاش حول المسؤوليات الأعمق داخل المؤسسة الإعلامية الرسمية.

Image

رد الفعل الحكومي… بين الإدانة، الاحتواء، والبحث عن السيطرة

هذا على أن الرد الحكومي على الحادثة جاء سريعا نسبيا، وهو ما اعتبره بعض المراقبين مؤشرا على إدراك رسمي لحساسية اللحظة وخطورة تداعياتها، فقد أصدرت هيئة الإذاعة والتلفزيون بيانا رسميا أكدت فيه أن مكانة الإعلام الوطني لا تتحمل مثل هذه الأخطاء الجسيمة، حتى في حال غياب النية السيئة.

Image

البيان الرسمي الصادر عن الهيئة تضمن لغة تعاطف واضحة مع عائلات الضحايا، وأشار إلى أن ما جرى لا ينسجم مع القيم المهنية ولا مع المسؤولية الأخلاقية الملقاة على عاتق الإعلام الوطني، الخطاب الذي سعى إلى الفصل بين المؤسسة بوصفها كيانا عاما، وبين الخطأ الذي ارتكب داخل إحدى شبكاتها.

لاحقا، تطور الموقف من إجراءات إدارية إلى مسار قضائي، حيث أعلنت النيابة العامة في محافظة طهران فتح ملف قضائي بحق مدير الشبكة السابق، والعاملين في البرنامج، ومقدم الحلقة، هذا الإعلان مثل تصعيدا واضحا، وأرسل رسالة مفادها أن القضية لن تعالج فقط من زاوية إدارية أو إعلامية.

Image

دخول القضاء على الخط فسر من جانب مؤيديه باعتباره محاولة لاحتواء الغضب الشعبي وإظهار جدية الدولة في حماية كرامة الضحايا، في المقابل، رأى آخرون أن هذا المسار يعكس حجم الإرباك داخل المنظومة الرسمية، ومحاولة نقل المسؤولية من المستوى المؤسسي إلى أفراد بعينهم.

بالتوازي، صدرت تصريحات من مسؤولين في مراكز بحثية وإعلامية تابعة للدولة حاولت تقديم تفسير لما جرى، بعض هذه التصريحات ركز على أن نية البرنامج كانت الرد على دعاية معادية، وأن الصياغة الساخرة كانت خطأ في الأسلوب لا في الهدف، غير أن هذه التبريرات قوبلت بانتقادات واسعة، حتى من داخل المعسكر المؤيد للحكومة.

في الوقت نفسه، التزمت الحكومة خطابا حذرا، مكتفية بالتأكيد على احترام مشاعر الناس، وضرورة التزام الإعلام الرسمي بالمسؤولية الوطنية، الأمر الذي عكس رغبة في عدم توسيع رقعة الجدل أو تحويله إلى أزمة سياسية أكبر.

وبشكل عام، فقد ذكرت وسائل الإعلام أن رد الفعل الحكومي اتسم بثلاثة مستويات متداخلة، إدانة أخلاقية سريعة، إجراءات إدارية حاسمة، ثم مسار قضائي يهدف إلى ضبط الإيقاع العام واحتواء تداعيات الغضب الشعبي.

ردود الفعل الإصلاحية والأصولية… إجماع نادر على خطأ جسيم

على أن أكثر ما يلفت في الحادثة هو انها تجاوزت بسرعة حدود الجدل الإعلامي المعتاد، لتتحول إلى قضية نادرة اجتمع على إدانتها طيف واسع من التيارات السياسية والفكرية داخل إيران، فلم يكن الغضب حكرا على الإصلاحيين أو منتقدي الإعلام الرسمي التقليديين، بل امتد بوضوح إلى أوساط أصولية اعتادت في كثير من الأحيان الدفاع عن الإذاعة والتلفزيون أو تبرير أخطائها.

فعلى الجانب الإصلاحي، برز موقف صحيفة شرق بوصفه أحد أكثر المواقف وضوحا وحدة، فقد اعتبرت الصحيفة، في تقريرها الصادر الإثنين 2 فبراير/ شباط 2026، أن ما جرى لم يكن مجرد زلة لسان أو خطأ عابر في برنامج ساخر، بل تجاوزا صارخًا لحدود الأخلاق الإنسانية وإهانة مباشرة لعائلات الضحايا وللرأي العام الذي يعيش حالة حداد على حد وصفها، كما أكدت أن هذا النوع من السخرية يعمق الشرخ بين المجتمع والإعلام الوطني بدل أن يكون جسرا للتواصل.

Image

وشددت شرق في تغطيتها على أن خطورة ما جرى لا تكمن فقط في مضمون السؤال الساخر، بل في توقيته أيضا، إذ جاء في لحظة لا يزال فيها كثير من الإيرانيين يبحثون عن جثامين أبنائهم أو ينتظرون أي خبر عن مصير مفقوديهم، واعتبرت الصحيفة أن بث مثل هذا المحتوى في هذا السياق يمثل فقدانا كاملا للإحساس العام، ويؤكد أن المؤسسة أخفقت في أداء دورها بوصفها مرآة المجتمع.

في المقابل، جاء موقف صحيفة قدس المحسوبة على التيار الأصولي، لافتا من حيث نبرته الأخلاقية والإنسانية، فقد شددت الصحيفة على أن الضحايا الذين جرى التهكم عليهم هم أبناء إيران جميعا، سواء أطلق عليهم وصف شهداء أمن أو قتلى الاضطرابات، مؤكدة أن السخرية من الموت لا يمكن تبريرها بأي خلاف سياسي أو إعلامي.

Image

وذهبت قدس إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن من أقل ما ينتظر من مقدم برنامج في الإعلام الوطني هو التفكير في أثر كلماته قبل النطق بها، وأن احترام كرامة الإنسان لا يسقط لا بالخلاف السياسي ولا بالموت، ورأت الصحيفة أن ما جرى يسيء إلى صورة الإعلام الوطني أكثر مما يسيء إلى خصومه، لأنه يمنح الانطباع بأن المؤسسة فقدت بوصلتها الأخلاقية.

أما موقع فرارو فقد تناول القضية من زاوية تحليلية أوسع، مركزا على تداعياتها الإعلامية والسياسية، فأشار الموقع ذو التوجهات الاصلاحية إلى أن ردود الفعل الغاضبة لا تعكس فقط رفضا لمحتوى البرنامج، بل تكشف عن أزمة أعمق تتعلّق بفقدان السيطرة على السردية الإعلامية في لحظات الأزمات، وتحويل الإعلام الرسمي من أداة تهدئة إلى عامل توتير إضافي.

Image

كما سلط فرارو الضوء على تحذيرات خبراء الإعلام من أن هذا النوع من البرامج، وبدل أن يواجه ما يسمى الدعاية المعادية، فهو يساهم عمليا في تعزيزها، من خلال اللعب في ملعب الخصم وتغذية ما وصف بتكتل الغضب داخل المجتمع. واعتبر أن السخرية في هذا السياق لا تُنتج وعيًا، بل تفتح الباب أمام اختراق أوسع للرأي العام.

اللافت في مجمل هذه التفاعلات أن خطوط الانقسام التقليدية بين الإصلاحيين والأصوليين بدت أقل حدة في هذه القضية، فصحيفة إصلاحية مثل شرق وصحيفة أصولية مثل قدس التقتا، رغم اختلاف خلفياتهما، على توصيف ما جرى بوصفه خطأ جسيما لا يمكن الدفاع عنه، وعلى أن كرامة الضحايا تمثل خطا أحمر لا يجوز للإعلام تجاوزه، هذا التقاطع النادر في المواقف منح الحادثة بعدا أعمق، وحولها من مجرد أزمة برنامج ساخر إلى مؤشر على أزمة ثقة متراكمة بين الإعلام الوطني والمجتمع. كما أظهر أن الحساسية تجاه قضايا الموت والحداد ما زالت تمثل مساحة مشتركة يمكن أن تلتقي عندها التيارات المختلفة، حين يتعلق الأمر بالحد الأدنى من القيم الإنسانية.

قراءة عامة للمشهد… الإعلام، الغضب، واللحظة الحرجة

تكشف حادثة شبكة أفق عن أزمة أعمق من مجرد برنامج ساخر أخطأ التقدير، حيث يعتبر المراقبين أننا أمام مشهد إعلامي يعاني من فقدان البوصلة في لحظات الأزمات، حيث تختلط الرغبة في المواجهة السياسية مع الحاجة إلى الاحتواء الاجتماعي، فينتج عن ذلك خطاب مربك وخطير، ففي المجتمعات التي تمر بأحداث دامية أو صدمات جماعية، يفترض بالإعلام الوطني أن يلعب دور مخمد الأزمة لا المحرض، وأن يسهم في تهدئة المشاعر لا في استفزازها. غير أن ما جرى أظهر عجزا عن قراءة اللحظة، وعن إدراك أن الجمهور في حالة حداد لا يقبل السخرية ولا المناكفات.

كما تبرز الحادثة مشكلة السردية الأولى، فبدل أن يبادر الإعلام الرسمي إلى تقديم رواية متماسكة، إنسانية، ومسؤولة، بدا وكأنه يرد بعصبية وسخرية على روايات الخارج، ما سمح لتلك الروايات بالتمدد أكثر داخل الفضاء العام.

الأخطر من ذلك أن الواقعة كشفت هشاشة منظومة الرقابة الداخلية، إذ لا يمكن تفسير بث مثل هذا المحتوى إلا بوجود خلل عميق في آليات اتخاذ القرار الإعلامي، هذا الخلل، إذا لم يعالج جذريا، قد يتكرر بأشكال أخرى أكثر خطورة.

في النهاية، لا تتعلق قضية أفق بمذيع أو برنامج أو مدير شبكة فحسب، بل تتعلق بسؤال مركزي مفاده هل يستطيع الإعلام الرسمي أن يعيد تعريف علاقته بالجمهور بوصفه شريكا لا خصمًا؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كانت هذه الحادثة نقطة تصحيح مسار، أم مجرد حلقة أخرى في سلسلة فقدان الثقة المتراكمة.

كلمات مفتاحية: