سياسي إيراني: السياسي البارز أحمد توكلي ظل ثابتا على مبادئه ولم يكن من أهل التلون أو الخداع

ترجمة: دنيا ياسر نور الدين 

أجرت صحيفة “هم‌ میهن” الإيرانية الإصلاحية، الخميس 24 يوليو/تموز 2025، حوارا مع السياسي الإصلاحي غلام حسين كرباسجي، حول شخصية السياسي البارز أحمد توكلي، حيث تحدث عن مواقفه الثابتة منذ ما قبل الثورة، والتزامه الديني، ودعمه للفئات المستضعفة، إضافة إلى نشاطه في مكافحة الفساد من خلال مؤسسة “مراقب الشفافية والعدالة”، وفي ما يلي نص الحوار:

متى بدأت معرفتك بالراحل أحمد توكلي، وما ملامح شخصيته؟

تعود معرفتي بالمرحوم توكلي إلى ما قبل انتصار الثورة الإسلامية، وتحديدا خلال فترة السجن التي جمعتنا في كل من سجن قصر وسجن إيفين، لا سيما في عامي 1974 و1975 في تلك المرحلة، كان أحمد توكلي من النشطاء السياسيين المعروفين، وكان ضمن ملف قضائي مشترك مع مجموعة من الأشخاص وقد تميّز منذ تلك الفترة بشخصية ذات طابع روحي وأخلاقي خاص، وبتدين عميق انعكس في سلوكه اليومي داخل السجن.

كان أحمد توكلي يولي أهمية قصوى للأحكام الشرعية والمسائل العبادية، حتى ليُقال إنه كان يُفرط أحيانا في التدقيق في هذا الجانب، هذا الالتزام لم يكن شكليا أو سطحيا، بل كان يعكس قناعة راسخة وحرصا دائما على الانضباط الديني.

أما على المستوى الأخلاقي، فقد اتسم سلوكه باللطف والاحترام، إذ كان يُبادر بالتحية للجميع، رغم أنه لم يكن كثير الاختلاط ببقية السجناء كان يتحلى بقدر من الانعزال المتزن، يتفاعل من خلاله مع من يشاركونه الاهتمام بالقراءة والمطالعة، ويحرص على التواصل الهادئ مع من يبحثون عن المعرفة أو التهذيب الروحي.

كما كان رياضيا نشيطا، يمارس الرياضة بانتظام، ويهتم بالتهذيب النفسي والذكر، مما أضفى على حضوره هالة من التوازن والسكينة لم يكن له نشاط سياسي بارز داخل السجن، وهو أمر كان شائعا بين عدد من السجناء آنذاك، خاصة في سجن إيفين الذي كان يشهد رقابة صارمة وحساسية أمنية عالية وقد كان يُطلق على هؤلاء السجناء، بحسب تعبير السجناء أنفسهم في تلك المرحلة، أنهم “يقضون فترة سجنهم براحة”، أي دون انخراط فعلي في النشاط السياسي داخل السجن.

وبعد انتصار الثورة الإسلامية، تواصلت علاقتنا، لاسيما عندما تولى  توكلي منصب وزير العمل في حكومة مير حسين موسوي “الإيرانية التي تولت السلطة بين عامي 1981 و1989” في تلك الفترة، كنت أُقيم في محافظة أصفهان، وقد جمعتنا علاقات طيبة ومستمرة وكان واضحا أن اهتمامه بقضايا العمال والفئات المستضعفة لم يكن مجرد موقف سياسي، بل نابع من إيمان راسخ بضرورة نصرة هذه الشرائح والوقوف إلى جانبها.

لقد كان أحمد توكلي شخصية تجمع بين الورع الديني، والتهذيب الأخلاقي، والانضباط السلوكي، مع التزام اجتماعي عميق، وهو ما جعل حضوره مؤثرا في محيطه، سواء في ظروف السجن القاسية، أو في مواقع المسؤولية بعد الثورة.

في حكومة  مير حسين موسوي، التي اتسمت بتنوع تياراتها السياسية، كان لكل من اليمين واليسار مكان فاعل في صياغة القرار وفي هذا المشهد، برز الدكتور أحمد توكلي كأحد أبرز وجوه التيار اليميني داخل الحكومة، إلى جانب شخصيات معروفة مثل حبيب‌الله عسكر اولادي، السياسي المحافظ البارز وعضو “حزب مؤتلفة الإسلامية” ،ومحمد علي برورش، وزير التعليم آنذاك المعروف بتوجهاته الدينية والمحافظة، وكذلك مرتضى نبوي، الذي يُعد من اليمين المعتدل وله خلفية تكنوقراطية وإدارية.

ورغم انتمائه لهذا المعسكر، فإن توكلي تميز بموقف اجتماعي مستقل فقد تبنّى سياسات منحازة للفقراء والطبقات العمالية، وأبدى تحفظا تجاه التوجهات الاقتصادية الليبرالية التي كان يمثلها ما يُعرف بـ”تيار السوق” داخل التيار اليميني هذا التوازن في مواقفه جعله محل تقدير من قبل موسوي، الذي رغم اختلاف التوجهات، كان يُعجب باستقامته وحرصه على العدالة الاجتماعية داخل مجلس الوزراء.

إلا أن هذا التعاون لم يدم طويلا، إذ غادر توكلي الحكومة لاحقا، ليفتح فصلا جديدا في مسيرته السياسية كنائب نشط في البرلمان الإيراني، حيث واصل الدفاع عن قضايا الشفافية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية من داخل المؤسسة التشريعية.

من القضايا البارزة التي أثيرت في البرلمان في دورته السابعة وكان توكلي أحد أبرز قادتها، موضوع تثبيت الأسعار. برأيك، ما مدى تأثير هذا التوجه على مسار الدولة في أواخر حكومة محمد خاتمي؟

بحسب ميوله التي تميل إلى دعم الطبقات الفقيرة والعمال، كان توكلي من الشخصيات التي لم تكن تقبل بسياسات التعديل الاقتصادي التي تبنتها حكومة هاشمي رفسنجاني، كان يعارض بشدة تلك السياسات التي كانت تهدف إلى تقوية آلية السوق وتقليص دعم الدولة المباشر.

 ورغم أن غالبية التيار اليميني كانت ترى في هاشمي رفسنجاني أحد رموزها، وكان يُرفع شعار “من يعارض هاشمي فهو عدو النبي”، إلا أن توكلي كان له موقف مناهض من سياسات حكومة هاشمي الأولى، حتى أنه ترشح ضده في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية وحصل على نحو أربعة ملايين صوت.

وقضية تثبيت الأسعار كانت امتدادا لتلك الرؤى الاقتصادية التي كان يدافع عنها من المثير للاهتمام أن تيار السوق واليمين التقليدي، رغم دعمهما لتقوية السوق في حكومة موسوي، إلا أنهما في حكومة رفسنجاني  خاصة في نهاياتها  وقفوا في وجه الكثير من سياسات التعديل الاقتصادي، وتوكلي كان في مقدمة هذا المعسكر، بل وأكثر حدة من غيره وهناك مناظرات وخطابات له من تلك الفترة توثق مواقفه.

إحدى المبادرات التي بدأها توكلي في العقد الأخير كانت تأسيس “مؤسسة مراقب الشفافية والعدالة”.. كيف تقيّم أداء هذه المؤسسة؟

هي كيان مدني يُعنى بمكافحة الفساد وتعزيز مبادئ النزاهة في الإدارة العامة جاءت هذه المبادرة في سياق تصاعد الممارسات غير الشفافة والمحسوبية، لا سيما في أعقاب حكومة محمود أحمدي‌ نجاد، حيث برزت ملفات فساد أثارت انتقادات واسعة في الأوساط السياسية والاقتصادية.

توكلي، الذي عُرف منذ ما قبل الثورة بنزاهته وابتعاده عن المساومات السياسية والتلون الحزبي، حافظ على مواقفه الثابتة تجاه القضايا الاجتماعية والاقتصادية، لا سيما انحيازه الدائم للفئات الفقيرة والعمال وقد واصل هذا النهج خلال عمله في حكومة موسوي، وكرّسه لاحقا عبر المؤسسة التي أسسها، والتي يمكن اعتبارها امتدادا عمليا لرؤيته الاقتصادية والاجتماعية، لا سيما في ما يتعلق برفضه لاقتصاد الريع والفساد المنظم.

ورغم انتمائه التقليدي إلى التيار اليميني، فقد أظهر توكلي في بدايات عهد حكومة أحمدي‌ نزاد دعما أوليا له، قبل أن يتحول لاحقا إلى أحد أبرز منتقدي انحرافات حكومته، في ضوء تزايد التجاوزات الإدارية والمالية وفي فترة حكومة روحاني، واصل نشاطه الرقابي عبر مؤسسة “مراقب الشفافية”، التي تبنّت مواقف نقدية تجاه عدد من القضايا المثيرة للجدل.

أما في عهد حكومة إبراهيم رئيسي، فرغم بعض التقاطعات السياسية المحتملة، لم يتردد توكلي – من خلال المؤسسة – في توجيه انتقادات علنية لقضايا تتعلق بسوء الإدارة والفساد، من بينها ما عُرف إعلاميا بـ”ملف شاي دبش”، حيث عبّر عن مواقفه من خلال بيانات رسمية ورسائل مفتوحة صدرت عن المؤسسة  ورغم غياب تقييم تفصيلي شامل لأداء المؤسسة، إلا أن منهجها يعكس بوضوح التزام توكلي المتواصل بنمط من الرقابة الشعبية القائمة على النزاهة والمساءلة.