إيران في العناوين: معادلة “الميدان والدبلوماسية” في مواجهة تهديدات ترامب والتحولات الداخلية

كتب: الترجمان

تعكس عناوين الصحف الإيرانية الصادرة الأربعاء 20 مايو/أيار 2026، مشهدا مكثفا يتركز في مقامه الأول حول ديناميكيات الصراع الإقليمي والدولي مع الولايات المتحدة، لا سيما بعد تصاعد حدة التهديدات الصادرة عن دونالد ترامب. وفي الوقت الذي تبرز فيه لغة “الردع العسكري” والتعبئة الشعبية كعنوان رئيسي لتيارات المحافظين، تسلط الصحف المعتدلة والإصلاحية الضوء على “المرونة الدبلوماسية” والمكاسب الاقتصادية الداخلية، مثل انتعاش سوق الأوراق المالية بعد فترة من الركود الناجم عن أجواء التوتر الإقليمي، فضلًا عن إبراز الذكرى السنوية الثانية لشهداء طائرة الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي والتوجيهات السياسية والاجتماعية للمرشد الأعلى.

“تردد في غرفة الحرب” والردع في مضيقي هرمز وباب المندب

تصدّر عنوان “ترديد در اتاق جنگ ترامب” (تردد في غرفة حرب ترامب) الصفحة الأولى من صحيفة “خراسان” الأصولية. وأشارت الصحيفة إلى التراجع المفاجئ في النبرة العسكرية الأمريكية الساعية للتصعيد، معتبرة أن التهديدات الإعلامية التي يطلقها رئيس الولايات المتحدة سرعان ما تحولت إلى “تأجيل دبلوماسي” يعكس حالة الارتباك وعدم اليقين داخل مطبخ القرار العسكري في واشنطن حول كلفة أي مواجهة مباشرة مع طهران.

Image

وفي السياق الميداني ذاته، قدمت صحيفة “جوان” (المحسوبة على الحرس الثوري) قراءة راديكالية للمشهد تحت مانشيت عريض ومصحوب برسم تعبيري لافت: “در گرداب هرمز و باب‌المندب” (في دوامة هرمز وباب المندب).

ونقلت الصحيفة أن الانفجارات المهيبة التي شهدتها منطقة مضيق باب المندب، والتي أدت إلى توقف كامل لحركة السفن والملاحة لعدة ساعات، وضعت خطوطا حمراء جديدة. 

وعلقت الصحيفة بالقول إن “القبضة الحديدية لإيران تركت العدو في حالة من التلعثم”، مشيرة إلى أن تراجع ترامب المتكرر عن حافة الهاوية العسكرية يعد مؤشرا واهتضاما غربيا لرسائل الردع التي أرسلتها طهران في الممرات المائية الحيوية.

Image

وفي السياق نفسه، جاءت صحيفة “كيهان” الأصولية لتؤكد هذه الرؤية عبر عنوانها: “إيران دست به ماشه است؛ ترامب برای چندمین‌ بار عقب‌ نشست” (إيران يدها على الزناد؛ وترامب يتراجع للمرة الرابعة)، مشيرة إلى أن التراجع الأمريكي يعود إلى إدراك واشنطن لتبعات أي حرب قد تمتد نيرانها لتشمل عواصم حليفة لـ أمريكا في آسيا وأوروبا وأفريقيا، معتبرة أن “خيار الحرب الإيراني قد يكون أكبر هزيمة استراتيجية تلحق بترامب”.

Image

التعبئة الاجتماعية و”صوت الشارع” في مواجهة التفرقة

من زاوية اجتماعية وسياسية لافتة، أفردت صحيفة “همشهري” (التابعة لبلدية طهران) صفحتها الأولى بالكامل تقريبا لتغطية الحراك الشعبي تحت مانشيت عريض: “80 شب فرياد بعثت” (80 ليلة من صيحات البعثة)، في إشارة إلى الفعاليات والتجمعات الجماهيرية الحاشدة التي شهدتها شوارع العاصمة.

ونقلت الصحيفة لافتات وشعارات المواطنين الإيرانيين التي تؤكد على الوحدة الوطنية والالتفاف خلف قيادة المرشد الأعلى، لافتة إلى أن الحضور الشعبي في الميادين هو الذي يمنح القوات المسلحة غطاء الردع الأساسي. 

كما أبرزت الصحيفة شعارًا رفعه المتظاهرون يقول: “هر سخنی که تفرقه افکن است، سوخت رسان موشک دشمن است” (كل خطاب يثير التفرقة هو بمثابة إمداد لـ صواريخ العدو بالوقود)، في إشارة واضحة إلى ضرورة تجميد الخلافات الداخلية وتماسك الجبهة الوطنية في هذه المرحلة الحساسة.

Image

واشنطن تبحث عن تسوية وتحذيرات من “الانحراف الدبلوماسي”

على الجانب الآخر، ركزت صحيفة “جمهوري إسلامي” المعتدلة على الأبعاد الدبلوماسية للأزمة، وصدرت صفحتها الأولى بمانشيت يحمل دلالات سياسية واضحة: “ترامب گزینه نظامی ندارد، باید توافق کند” (ترامب لا يملك خيارا عسكريا، وعليه أن يوافق على الاتفاق). 

واستعرضت الصحيفة آراء دبلوماسيين يؤكدون أن الحروب العسكرية المباشرة أصبحت “بلا فائدة ومرتفعة الكلفة” للإدارة الأمريكية الحالية، وأن الضغوط تدفع واشنطن نحو البحث عن مسار تفاوضي لتجنب مستنقع حرب إقليمية شاملة.

Image

إلا أن صحيفة “مردم سالاري” الحزبية رفعت راية التحذير على صفحتها الأولى بمانشيت عريض: “خطر انحراف ديپلماسی خیابانی” (خطر انحراف الدبلوماسية الشارعية).

وانتقدت الصحيفة عبر مقالاتها ورموزها السياسية، مثل حسين كمالي، محاولات رهن القرارات الدبلوماسية المصيرية للبلاد بالخطابات الحماسية أو الضغوط والشعارات في الشارع، واصفة تهديدات ترامب المترددة بـ “الصبيانية والفاقدة للمرتكزات السياسية”. 

واستعرضت الصحيفة حالة “الذهاب والإياب الأمريكي نحو خيار الحرب”، محذرة من إفساح المجال للتطرف لتقويض القنوات الدبلوماسية الرسمية، بالتزامن مع رصد الأبعاد الجيوسياسية الأخرى مثل العلاقات السعودية الأمريكية، وزيارة الرئيس الروسي المرتقبة إلى الصين كهدف استراتيجي متعدد الأبعاد.

Image

“الثلاثية الاستراتيجية” وإرث الرئيس الشهيد

في غضون ذلك، رصدت صحيفة “اعتماد” الإصلاحية آليات العبور الإيراني من مربع الخطر التكتيكي إلى مربع الاستقرار الاستراتيجي، عبر مانشيت حمل عنوان: “سه گانه قدرت ملی” (ثلاثية القدرة الوطنية). 

وأوضحت الصحيفة أن ما أنقذ إيران من سيناريوهات تفتيت الاستقرار هو الانسجام الشامل بين ثلاثة أركان: “الميدان، والمجتمع، والدولة”، متمثلة في اقتدار القوات المسلحة، والوعي الشعبي، والدعم المؤسسي من الحكومة. 

وفي مقال تحليلي آخر، وصفت الصحيفة الأوراق التفاوضية لإيران بأن “كرت مضيق هرمز ليس مجرد ورقة ضغط، بل هو كرت نقد جاهز للصرف في أي مفاوضات”.

Image

وتزامن هذا التحليل مع إحياء الصحف الإيرانية، وعلى رأسها “كيهان” و”خراسان”، الذكرى السنوية الثانية لحادثة مروحية الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي ومرافقيه. وجاء مانشيت “كيهان” الرئيسي ليخلد الذكرى تحت عنوان: “مردم‌دار، خستگی‌ناپذیر و کاربلد؛ او عظمت ایران را به رخ جهانیان کشید” (رجل شعب، دؤوب، وخبير؛ لقد استعرض عظمة إيران أمام العالم)، مستذكرة النهج الإداري والميداني الذي تبناه رئيسي في إدارة ملفات البلاد الداخلية والخارجية والتحام القيادة بالقواعد الشعبية.

Image

انتعاش البورصة الداخلي: “الضوء الأخضر بعد شهرين من الحرب”

أما صحيفة “آرمان ملى”، فقد اختارت زاوية رصد تجمع بين قراءة المشهد السياسي وانعكاساته المباشرة على الداخل الإيراني، حيث تصدر صفحتها عنوان بارز: “چراغ سبز بورس پس از دو ماه جنگ” (الضوء الأخضر لـ البورصة بعد شهرين من أجواء الحرب).

وأشارت الصحيفة إلى أن سوق الأوراق المالية (البورصة الإيرانية) شهد قفزة إيجابية وتحولا إلى اللون الأخضر عقب استيعاب الأسواق لتهديدات ترامب وتراجع حدة القلق من اندلاع مواجهة عسكرية وشيكة. واعتبرت الصحيفة هذا الانتعاش بمثابة “مؤشر ثبات اقتصادي” يعكس نجاح الدولة في إدارة الأزمة دون الإضرار بالبنية المالية الداخلية.

وفي سياق متصل بالداخل الإيراني، انتقدت الصحيفة تحت عنوان “تسوية حسابات سياسية؛ منافع فئوية” محاولات بعض التيارات المتشددة استغلال الظرف الإقليمي لمهاجمة المفاوضين أو السعي لإفشال المسارات الدبلوماسية لحسابات حزبية ضيقة، مؤكدة على لسان خبراء واقتصاديين أن “الثبات الاقتصادي يصب في مصلحة الشعب الإيراني بأكمله”، وأن لغة العقل والواقعية السياسية تقتضي الاعتراف بأنه “لا يوجد طريق سوى المفاوضات” لحل العقد المستعصية مع المجتمع الدولي.

Image

بناء على هذا المسح الشامل، يمكن القول إن المانشيتات الإيرانية بمختلف تياراتها السياسية تقف اليوم على أرضية مشتركة عنوانها “فرض الردع وتجاوز حافة الهاوية العسكرية”، وإن تباينت الرؤى حول آليات استثمار هذا المناخ.

فبينما يرى تيار المحافظين في التراجع الأمريكي وسكون الجبهات المائية انتصارا خالصًا لاستراتيجية “الميدان” والقبضة الحديدية التي رسخها إرث الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي، تدفع الصحف المعتدلة والإصلاحية باتجاه تسييل هذه القوة الميدانية إلى مكاسب دبلوماسية واقتصادية ملموسة على طاولة المفاوضات، محذرة من ارتهان القرار الاستراتيجي لخطاب الشارع الحماسي. 

وبدوران مؤشر البورصة نحو اللون الأخضر من جديد، تثبت طهران مجددا قدرتها التقليدية على امتصاص الصدمات الخارجية وإدارة أزماتها المركبة عبر التوليفة المعهودة بين مرونة الدبلوماسية وحسابات الميدان المعقدة.

كلمات مفتاحية: