إيران تتجه شرقا.. الصين كحليف جديد في مواجهة الغرب بعد حرب الـ12 يوما

كتب: ربيع السعدني 

في أعقاب حرب الاستنزاف القصيرة والمكثفة التي استمرت 12 يوما بين إيران وإسرائيل، تتجه الأنظار الآن نحو بكين وخياراتها الاستراتيجية الجديدة مع انشغال روسيا في حربها الأوكرانية وترددها في تقديم الدعم العسكري المنشود، بدأت إيران في إعادة توجيه بوصلتها نحو الصين، الشريك الشرقي الواعد الذي يمتلك التكنولوجيا العسكرية المتطورة والمرونة الجيوسياسية، وتسعى طهران إلى تعزيز قدراتها الدفاعية في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية، بينما تحافظ بكين على توازن دقيق بين مصالحها مع إيران والغرب. 

نقطة تحول بعد الحرب 

كشفت الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل، التي شهدت تدخلا مباشرا من الولايات المتحدة، عن هشاشة الأنظمة الدفاعية الإيرانية، خاصة في مواجهة التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية المتقدمة. 

شبكة الدفاع الجوي الإيرانية، التي تعتمد بشكل كبير على أنظمة روسية قديمة، عانت من خسائر فادحة، مما دفع طهران إلى إعادة تقييم استراتيجيتها العسكرية وفي ظل غياب دعم روسي فعال، بسبب انشغال موسكو بالحرب في أوكرانيا والقيود الجيوسياسية المفروضة عليها، برزت الصين كخيار بديل واعد.

لماذا الصين؟

الصين، التي أظهرت تقدما ملحوظا في صناعاتها العسكرية، تمتلك القدرة على تزويد إيران بأنظمة دفاع جوي متطورة وطائرات مقاتلة حديثة. يشير هونغدا فان، الأستاذ في معهد دراسات الشرق الأوسط بجامعة شنغهاي، إلى أن “إيران ترى في الصين شريكا يمكنه سد الفجوة التكنولوجية التي تعاني منها”، ويضيف: “نجاح مقاتلات تشنغدو J-10C الصينية في الصراع الباكستاني-الهندي عام 2025، حيث أسقطت طائرات هندية متقدمة، يعزز من جاذبية الأسلحة الصينية في نظر طهران”. ومنذ توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الصين وإيران في عام 2021، بقيمة 400 مليار دولار، تعززت العلاقات بين البلدين في مجالات التجارة، الطاقة، والأمن.

هذه الاتفاقية جعلت إيران شريكا حيويا لبكين، خاصة في ظل اعتماد الصين المتزايد على النفط الإيراني، الذي يشكل 90% من صادرات طهران النفطية ومع ذلك، اقتصر التعاون العسكري حتى الآن على تدريبات مشتركة، غالبا بمشاركة روسيا، دون أن يصل إلى مستوى تحالف عسكري كامل.

بينما تتبنى الصين نهجا حذرا في تعاملها مع إيران، حيث تسعى إلى الحفاظ على توازن دقيق بين دعم طهران وتجنب استعداء الغرب وإسرائيل، يوضح ليو بينغيو، المتحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن، هذا الموقف، قائلا: “الصين ملتزمة بتعزيز الحوار وخفض التوترات في الشرق الأوسط، ولا تسعى إلى خلق مجالات نفوذ أو الدخول في منافسات جيوسياسية”. 

هذا الحذر يعكس مصالح بكين الاقتصادية مع الولايات المتحدة وعلاقاتها التجارية مع إسرائيل، التي تُعدّ “شراكة ابتكارية شاملة” في نظر الصينيين.

يلعب النفط الإيراني دورا محوريا في العلاقات مع الصين، رغم العقوبات الأمريكية، تواصل الصين استيراد النفط الإيراني بخصم يصل إلى 8% مقارنة بالأسعار العالمية، وفقا لتقارير الإذاعة الوطنية الأمريكية (NPR)، هذا الاعتماد المتبادل يعزز من نفوذ إيران في العلاقة، لكنه يضع الصين أيضا في موقف حساس، حيث يتعين عليها موازنة مصالحها الاقتصادية مع ضغوط الغرب.

تراجع الدور الروسي 

على الرغم من تاريخ العلاقات الإيرانية-الروسية الطويل، الذي يمتد لخمسمائة عام، لم تصل هذه العلاقات إلى مستوى التحالف الاستراتيجي المثالي، يشير فلاديمير سازين، الباحث في الأكاديمية الروسية للعلوم، إلى أن “روسيا، الغارقة في الحرب الأوكرانية، لم تتمكن من تلبية طلبات إيران لشراء أسلحة متطورة مثل مقاتلات سو-35 أو أنظمة إس-400”. 

هذا العجز، إلى جانب انهيار نظام الأسد في سوريا، أحد حلفاء إيران وروسيا الرئيسيين، دفع طهران إلى البحث عن بديل أكثر موثوقية ومع تراجع الدعم الروسي، بدأت إيران في تعزيز علاقاتها مع الصين، التي أثبتت قدرتها على تقديم أسلحة متطورة، كما في حالة باكستان يرى المحللون أن فشل الأسلحة الروسية في مواجهة التكنولوجيا الغربية في أوكرانيا جعل الصين خيارا أكثر جاذبية.. يقول علي فايز، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية: “الصين أصبحت الشريك الأكثر موثوقية لإيران، خاصة بعد الشكوك حول فعالية الأسلحة الروسية”.

تحديات التعاون العسكري

تسعى إيران إلى إعادة بناء قوتها الدفاعية من خلال استيراد أنظمة دفاع جوي متطورة وطائرات مقاتلة من الصين، تقارير إعلامية، مثل تلك التي نشرتها “ميدل إيست آي”، ونقلها موقع “فرارو” أشارت إلى أن طهران تلقت بطاريات صواريخ أرض-جو صينية لتعزيز دفاعاتها المتضررة، رغم نفي بكين الرسمي لهذه الأنباء. 

كما أفادت مجلة “نيوزويك” بأن مفاوضات جارية لشراء مقاتلات تشنغدو J-10C، التي أثبتت فعاليتها في الصراع الباكستاني-الهندي، على الرغم من التقارب الإيراني-الصيني، تواجه طهران تحديات في تعميق التعاون العسكري مع بكين.. يشير هونغدا فان إلى أن “إيران بحاجة إلى إعادة صياغة سياستها الخارجية لتطمين الصين بأن التحالف معها لن يؤدي إلى مواجهة مباشرة مع الغرب”. 

كما أن الصين، التي تحافظ على علاقات تجارية قوية مع إسرائيل والولايات المتحدة، قد تتردد في تقديم دعم عسكري علني قد يعرض مصالحها للخطر.

بفضل علاقاتها الجيدة مع إيران والدول الغربية، برزت الصين كوسيط محتمل في الصراعات الإقليمية، خلال حرب الـ12 يوما، دعا وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الصين إلى منع إيران من إغلاق مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لتجارة النفط العالمية، كما أثيرت شائعات حول دور صيني محتمل في المحادثات النووية الإيرانية، رغم نفي المتحدث باسم الخارجية الإيرانية لهذه التقارير.

تسعى الصين إلى الحفاظ على موقف محايد ظاهريا، لكن تقارير تشير إلى أنها قدمت دعما عسكريا غير معلن لدول مثل روسيا وباكستان، يرى المحللون أن الصين قد تتبع نهجا مماثلا مع إيران، من خلال تقديم مساعدات عسكرية بشكل سري مع الإنكار العلني لتجنب العقوبات الغربية.

الكرة في ملعب طهران

يؤكد المحلل الأمني علي رضا تاجفينيا أن “تعميق التعاون العسكري مع الصين يتطلب من إيران تهدئة مخاوف بكين بشأن المواجهة مع الغرب”، إيران، التي تنتهج سياسة “التوجه شرقا” منذ تولي إبراهيم رئيسي السلطة، تواجه الآن تحديا مع الرئيس الإصلاحي مسعود بزشكيان، الذي يسعى لتحسين العلاقات مع الغرب، هذا التوجه المزدوج قد يعقد جهود طهران لإقناع الصين بتحالف عسكري شامل.

يعتمد نجاح إيران في تعزيز التعاون العسكري مع الصين على قدرتها على تقديم ضمانات اقتصادية واستراتيجية لبكين، النفط الإيراني، وموقع إيران الجيوسياسي كبوابة لمبادرة الحزام والطريق، يمنحان طهران أوراق قوة في المفاوضات، ومع ذلك، يظل الحذر الصيني والمصالح المتشابكة مع الغرب وإسرائيل عقبة رئيسية.

كما تُشكل العقوبات الأمريكية والغربية المستمرة، وتشديدها المتصاعد، الحاجز الأكبر أمام تعزيز العلاقات الاقتصادية بين إيران والصين، هذه العقوبات تُثقل كاهل التعاون، إذ تجعل الشركات الصينية الكبرى مترددة في التعامل مع طهران، خوفا من تداعيات الانتهاكات الدولية. 

ونتيجة لذلك، يقتصر التعاون غالبا على شركات صغيرة غير حكومية أو يتم عبر قنوات معقدة وغير مباشرة. في عام 2024، تقلصت حصة إيران من التجارة الخارجية الصينية إلى 0.02% فقط، بانخفاض حاد بنسبة 9% مقارنة بالعام السابق. في المقابل، بلغ إجمالي التجارة الصينية العالمية 6.1 تريليون دولار، محققة نموا بنسبة 5% مع بقية دول العالم، مما يبرز الفجوة الكبيرة بين الإمكانات الاقتصادية للصين ومحدودية الشراكة مع إيران تحت وطأة العقوبات.

وفي ظل تراجع الدعم الروسي وتكشّف هشاشة قدراتها العسكرية، تقف إيران اليوم أمام فرصة حاسمة لإعادة تشكيل تحالفاتها الجيوسياسية.. الصين، بتكنولوجيتها العسكرية المتقدمة ومرونتها الدبلوماسية، تبرز كشريك استراتيجي واعد قادر على تعزيز الردع الإيراني. 

لكن تحقيق شراكة عسكرية عميقة يتطلب من طهران خطوات جريئة لتهدئة مخاوف بكين من المواجهة مع الغرب، مع الاستفادة من أوراق قوتها الاقتصادية والجيوسياسية، كالنفط ودورها في مبادرة الحزام والطريق، الكرة الآن في ملعب إيران، حيث ستحدد خياراتها المستقبلية طبيعة التحالف الشرقي ومستقبل التوازن الإقليمي في الشرق الأوسط.