تهديدات ترامب المتجددة وإصرار طهران على التخصيب.. هل تقترب المواجهة؟

كتب: ربيع السعدني 

في تطور ينذر بتصعيد خطير في التوترات الإقليمية، أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، سلسلة تهديدات جديدة ضد إيران، مكررا مزاعمه حول تدمير منشآتها النووية ومتوعدا بضربات إضافية إذا اقتضت الحاجة.

تصريحات ترامب، التي جاءت عبر منصته الاجتماعية “تروث سوشيال” وفي مقابلة متلفزة، أثارت ردود فعل قوية من طهران، حيث أكد المسؤولون الإيرانيون استمرار برنامج التخصيب النووي رغم الأضرار التي لحقت بمنشآتهم، متعهدين بردٍّ “حاسم وساحق” على أي عدوان أمريكي أو إسرائيلي، وفي ظل هذا التصعيد اللفظي، يبدو أن المنطقة على شفا مواجهة جديدة قد تهدد استقرارها.

تهديدات متجددة ضد إيران

في خطوة أثارت الجدل، عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتوجيه سهام تهديداته نحو إيران، مكررا مزاعم حول نجاح ضربات سابقة استهدفت منشآتها النووية. 

في منشور على منصته “تروث سوشيال” صباح الثلاثاء 22 يوليو/تموز 2025، استشهد ترامب بتصريحات منسوبة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، زاعما أن الأخير وصف الأضرار التي لحقت بالمنشآت النووية الإيرانية بأنها “شديدة للغاية وقد أدت إلى تدميرها”. 

وأضاف ترامب بنبرة تحدٍّ: “كما قلت من قبل، لقد دمرناهم، وسنفعلها مرة أخرى إذا تطلب الأمر”، تلك التصريحات، التي نقلتها وكالة الأنباء الإيرانية “مهر”، تأتي في سياق تصاعد التوترات بين واشنطن وطهران، حيث يواصل ترامب تبني خطاب متشدد ضد البرنامج النووي الإيراني. 

ولم يكتفِ الرئيس الأمريكي بمنشوره على “تروث سوشيال”، بل كرر تهديداته في مقابلة حصرية مع قناة “فوكس نيوز” مساء الاثنين 22 يوليو/تموز 2025، مؤكدا أن الولايات المتحدة لن تتردد في استهداف المنشآت النووية الإيرانية مجددا إذا استمرت طهران في تحدي المجتمع الدولي.

طهران ترد: التخصيب مستمر رغم الضرر

في المقابل، لم تتأخر إيران في الرد على تصريحات ترامب الاستفزازية. في مقابلة مع قناة “فوكس نيوز”، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أن برنامج تخصيب اليورانيوم لم يتوقف، رغم الأضرار الجسيمة التي لحقت بالمنشآت النووية. 

وردا على سؤال حول ما إذا كانت الأضرار قد أوقفت العمليات النووية، قال عراقجي: “التخصيب مستمر، على الرغم من الضرر الخطير والشديد، إنه إنجاز علمي ومصدر فخر وطني لن نتخلى عنه مهما كانت التحديات”، وأضاف بنبرة تحدٍ: “إيران لن تنصاع للتهديدات، وبرنامجنا النووي هو خط أحمر لا يمكن التهاون بشأنه”، وفي تصريح أبلغ، شدد على أن أي هجوم جديد من الولايات المتحدة أو إسرائيل سيواجه برد “حاسم وساحق”، في إشارة إلى استعداد طهران للتصدي لأي تصعيد عسكري.

تصعيد متبادل ومخاطر متزايدة

تأتي هذه التصريحات في وقت حساس، حيث تشهد المنطقة توترات متصاعدة بسبب الخلافات حول البرنامج النووي الإيراني، وكانت وكالة “مهر” الإيرانية للأنباء قد نقلت عن قناة “الجزيرة” القطرية تأكيدات ترامب على استعداده لاستهداف المنشآت النووية الإيرانية مجددا، في تصريح يعكس استمرار سياسة الضغط الأقصى التي انتهجتها إدارته. 

ويبدو أن هذه التصريحات تهدف إلى إرسال رسالة قوية لطهران وحلفائها، وسط مخاوف من احتمال تجدد المواجهات العسكرية ومن جانبها، أكدت إيران مرارا أن برنامجها النووي يهدف إلى الأغراض السلمية، وأنها تمتلك الحق السيادي في تطوير قدراتها العلمية، ومع ذلك، فإن التقارير عن الأضرار التي لحقت بمنشآتها النووية، سواء نتيجة هجمات إلكترونية أو ضربات عسكرية، أثارت تساؤلات حول قدرة طهران على حماية برنامجها النووي في وجه الضغوط الخارجية.

دعوات دولية لضبط النفس

لم تمر تصريحات ترامب وردود إيران دون أن تثير قلق المجتمع الدولي فقد دعت عدة دول، بما في ذلك أعضاء في الاتحاد الأوروبي، إلى ضبط النفس وتجنب التصعيد العسكري الذي قد يجر المنطقة إلى صراع مدمر. 

كما جددت الأمم المتحدة دعوتها إلى استئناف المفاوضات حول الاتفاق النووي لعام 2015، الذي انسحبت منه الولايات المتحدة في عهد ترامب الأول، معتبرة أن الحوار هو السبيل الوحيد لتجنب المواجهة، وفي الوقت نفسه، أعربت دول خليجية عن قلقها من تصاعد التوترات، محذرة من تداعيات أي صراع محتمل على استقرار المنطقة وأمن إمدادات الطاقة العالمية وفي سياق متصل، أشارت تقارير إعلامية إلى أن إسرائيل، الحليف الوثيق للولايات المتحدة، تراقب الوضع عن كثب، مع استعدادات لدعم أي تحرك أمريكي ضد إيران.

هل يتم تفعيل آلية الزناد؟

وكانت فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، بصفتها الدول الثلاث الأعضاء في خطة العمل الشاملة المشتركة، قد هددت بإعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة على إيران بحلول نهاية أغسطس/آب 2025 إذا لم يتم تحقيق تقدم بشأن اتفاق نووي جديد مع إيران. 

قبل أيام قليلة هدد وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، في كلمة بمناسبة الذكرى السنوية العاشرة للاتفاق النووي الإيراني، المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، والذي تم التوصل إليه عام 2015، بأنه إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق مع إيران بشأن برنامجها النووي بحلول نهاية أغسطس/آب 2025، فسيتم تفعيل آلية الزناد “سناب باك”، وستفرض باريس مرة أخرى عقوبات جديدة على إيران، وزعم أيضا: “إن إيران انتهكت الالتزامات التي قطعتها قبل 10 سنوات خلال المفاوضات النووية (خطة العمل الشاملة المشتركة)؛ وبالتالي، فإن فرنسا وشركائها لديهم الحق في إعادة فرض العقوبات العالمية على الأسلحة والقطاع المصرفي والمعدات النووية التي رفعناها قبل 10 سنوات”، وهددت إيران أيضا بأنه ردا على هذا التحرك الغربي فإن الخيارات مطروحة على الطاولة بما في ذلك الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي.

مواجهة شاملة أم اتفاق نووي جديد؟

يثير هذا التصعيد اللفظي الأمريكي-الأوروبي تساؤلات حول النوايا الحقيقية للإدارة الأمريكية والترويكا الأوروبية، وما إذا كانت تهديدات ترامب وبارو تهدف إلى تعزيز موقفه السياسي داخليا أم أنها تمهد لعمل عسكري وشيك من جهة أخرى، فإن الرد الإيراني القوي يعكس تصميم طهران على عدم التراجع أمام الضغوط، مما يزيد من احتمالية الصدام.

وفي وقت سابق ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية أن وزراء الخارجية الأوروبيين أبلغوا نظراءهم الإيرانيين بإمكانية تأجيل إعادة فرض العقوبات الدولية على طهران.. تعليق هذه العقوبات مشروط باستئناف طهران للمفاوضات مع واشنطن كما يُذكر تعاون إيران الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية كأحد الشروط الرئيسية.

محادثات إسطنبول 

وفي هذا الصدد، ومن أجل منع تصعيد التوترات، وافقت إيران على أن يسافر فريق فني من الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة إلى إيران خلال الأسبوعين أو الثلاثة أسابيع المقبلة لمناقشة تعاون إيران المستقبلي مع الوكالة، مع عقد نواب وزراء الخارجية اليوم جولة خامسة من المحادثات مع دول الترويكا الأوروبية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) في إسطنبول، وفيما يتعلق بالمحادثات مع الجانب الأوروبي، قال كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية إن إيران قد تستجيب لطلب الولايات المتحدة لإجراء محادثات بعد وقت قصير من اجتماعها مع القوى الأوروبية الثلاث الجمعة 25 يوليو/ تموز 2025 في إسطنبول.

وقال في هذا الصدد: “اتفقنا على اللقاء في إسطنبول صباح الجمعة ومناقشة القضايا الدبلوماسية وقضية آلية الزناد وعرض مواقفنا”، وسيناقش الاجتماع أفكارا بشأن إدارة المواعيد النهائية لبعض العقوبات النووية التي تفرضها الأمم المتحدة على إيران، والتي إما أن تنتهي، أو أن يكون لها “آلية تشغيل”، أو قد يتم تمديدها.. يقول غريب آبادي في هذا الصدد: “نعتقد أن الحل الأمثل لمنع عودة العقوبات ليس تمديدها، بل من خلال الدبلوماسية والمفاوضات وإذا ما أُريد التوصل إلى اتفاق، فمن الممكن منع عودة العقوبات، بل يجب منعها”.

وفي ظل هذا الوضع المتوتر، يبقى السؤال المحوري: هل ستتمكن الأطراف من احتواء الأزمة عبر القنوات الدبلوماسية، أم أن المنطقة على موعد مع تصعيد عسكري قد يعيد تشكيل المشهد الجيوسياسي؟ الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد مصير الاستقرار في الشرق الأوسط لسنوات قادمة.

مع استمرار التصريحات التصعيدية من كلا الجانبين، يبدو أن الولايات المتحدة وإيران تقفان على مفترق طرق خطير، تهديدات ترامب المتكررة، وإصرار إيران على مواصلة برنامجها النووي، يضعان المنطقة في حالة من عدم اليقين، وفي حين أن الدبلوماسية لا تزال خيارا متاحا، فإن استمرار الخطاب العدائي قد يدفع الأمور نحو نقطة اللاعودة. 

الفترة المقبلة ستكون حاسمة، إذ ستحدد ما إذا كانت المنطقة ستشهد هدوءا هشا أم مواجهة كارثية.

كلمات مفتاحية: