إيران على حافة أزمة سكن شاملة.. فوضى التعيينات تُغلق أبواب الحلول

نشر موقع اقتصاد 24، الجمعة 8 أغسطس/آب 2025، تقريرا ذكر فيه أنه في ظل تحوُّل أزمة السكن إلى واحد من أخطر التحديات الاقتصادية في إيران، تحوّلت وزارة الطرق والإسكان- التي يُفترض أن تكون الجهة المحورية في التصدي لهذه الأزمة- في الآونة الأخيرة إلى ساحة للتعيينات المتكررة، غير المستقرة، والمفعمة بالمحسوبيات والانتماءات السياسية. 

وأضاف الموقع أن استعراض التطورات التي شهدتها الوزارة خلال الأشهر العشرة الأخيرة تحت إشراف فرزانه صادق مالواجرد- أول وزيرة للطرق والإسكان في إيران- يُظهر أن الأولوية لم تُمنح للتخطيط الاستراتيجي أو تنفيذ إصلاحات هيكلية، بل انصبّت على توزيع المناصب بين المقربين من جبهة بایداری والتيار المحسوب على  سعيد جليلي.

وتابع أن “القضية لا تقتصر على التعيينات فحسب؛ فبينما ينشغل الفريق الإداري في الوزارة بالتنقلات المتكررة، بدأ جرس الإنذار يقرع في سوق السكن، فمع التراجع الحاد في وتيرة البناء، وانخفاض الطلب، وغياب أفق واضح للعرض، يحذّر الخبراء من أننا على أعتاب أزمة أكثر خطورة من أي وقت مضى؛ أزمة قد تفرض في المستقبل القريب موجة تضخمية قاسية على إيران نتيجة انفجار في الطلب يقابله انعدام في العرض”.

الأزمة في مجال الإيجارات

أوضح الموقع أن الأزمة لا تقتصر على هذا الجانب فقط، إذ يعاني المستأجرون اليوم بشكل بالغ من سوق الإيجارات الذي تُرك بلا رقابة فعالة، ففي ظل غياب أي إشراف حقيقي، بات المالكون يسعون إلى تعظيم أرباحهم بكل ما أوتوا من قوة، وأمسكوا زمام السيطرة بالكامل، ليصبح المستأجرون رهائن لديهم. 

وأردف أنه بينما يعاني سوق بيع العقارات من جمود غير مسبوق بفعل الصدمات السياسية والاقتصادية، يواصل سوق الإيجارات صعوده المتسارع بوتيرة يصعب كبحها.

وأفاد بأن  السقوف التي حددتها الحكومة لا تُطبَّق حاليا، ولا تعمل أنظمة الرقابة بشكل فعّال، إذ يقوم وكلاء العقارات والمالكون، دون أي التزام بالمساءلة، بتحديد الإيجارات بناء على الحالة الطارئة للمستأجر، وليس وفقا لمعايير اقتصادية أو قانونية، والنتيجة أن عقد الإيجار لم يعُد وثيقة ضمان، بل أصبح مرآة للفجوة الطبقية وهيمنة المالك على المستأجر.

تعيينات سياسية، قياسية وغير مستقرة

أورد الموقع أن هذه الفوضى في سوق البناء والإيجارات تأتي في وقت تُظهر فيه الإحصاءات المنشورة أن وزيرة الطرق والإسكان قد أجرت، في شهر مايو/أيار 2025، ستة تعيينات مهمة، وسُجّل خلال الأشهر العشرة الماضية أكثر من 38 تعيينا إداريا رفيع المستوى داخل الوزارة.

وبيَّن أن اللافت في الأمر هو التغييرات المتكررة في مناصب محورية، مثل رئاسة مركز الاتصالات والإعلام في الوزارة، التي تبدّلت أربع مرات خلال عشرة أشهر فقطـ، كما شهدت مناصب أخرى، كمساعد شؤون التطوير الإداري والموارد البشرية، ومساعد شؤون النقل، تغييرات متكررة أيضا .

ونوَّه إلى أن المسألة لا تكمن فقط في العدد المرتفع للتعيينات، بل في طابعها السياسي وأحيانا افتقارها التام للتخصص، ففي أحدث الأمثلة، تم تعيين محمود رضا كريمي- الصحفي السابق في وكالة فارس للأنباء وأحد الوجوه المقربة من جبهة الصمود- مديرا عاما للعلاقات العامة، ليصبح بذلك رابع شخص يشغل هذا المنصب خلال أقل من عام.

وأبلغ أن حامد شاكر نجاد- قارئ القرآن وأحد حكّام البرنامج التلفزيوني محفل- عُيِّن مستشارا ثقافيا للوزيرة قبل ذلك بقليل، رغم إعلانه الصريح بأن سعيد جليلي هو الأجدر برئاسة إيران، ورغم عدم امتلاكه أي خبرة في مجالي الإدارة الثقافية أو القضايا العمرانية.

وأبرز أنه في تعيين آخر مثير للجدل، جرى اختيار أنوشیروان مهري- وهو شخصية غير معروفة، لا يُسجَّل له سوى إطلاق حملة إلكترونية لدعم منح الثقة للوزيرة- قائدا لمركز مقاومة البسيج في وزارة الطرق، ويرى بعض المراقبين أن هذا التوجّه لا يعكس سياسة عامة واضحة، بل يُجسّد ذهنية محفلية وشبكية أخرجت النخب الفنية من دائرة صناعة القرار.

التجريب بدلا من الاستقرار والتخطيط

سلَّط الموقع الضوء على أن وتيرة التغييرات الإدارية السريعة لم تحرم الوزارة من القدرة على التخطيط الاستراتيجي فحسب، بل أدّت أيضا إلى إحباط الكوادر الفنية والخبراء داخلها، إذ يشير حتى الموظفون المخضرمون في وزارة الطرق، في أحاديث غير رسمية، إلى أن العديد من المشاريع متوقفة بانتظار توقيع المسؤولين الجدد، الذين إمّا يفتقرون إلى الدراية بهيكليّة الوزارة، أو يسعون إلى استبدال كامل للكوادر السابقة.

وذكر أن نهج الوزيرة القائم على تعيين مستشارين متعدّدين في مجالات متنوّعة دون أي شفافية بشأن مهامهم أو الأهداف المرجوة من وجودهم، قد فاقم حالة عدم الاستقرار داخل الوزارة، فلا يُعرف لماذا تحتاج وزارة تُعنى بمسؤوليات عمرانية واقتصادية جسيمة إلى مستشار ثقافي من بين قرّاء القرآن، أو لماذا تتغيّر إدارات حسّاسة مثل الدائرة الوزارية مرتين خلال ثلاثة أشهر فقط.

وأشار إلى أن بعض المراقبين يعتبرون هذه التعيينات تجسيدا لمنهج يفتقر إلى الكفاءة، ويقوم على تصفية كوادر الإدارة السابقة، ومكافأة سياسيين مرتبطين بجليلي، وهو نهج أدّى في تجارب حكومية سابقة إلى شلل إداري وتجميد مشاريع كبرى.

الركود في البناء وسوق السكن ينحدر نحو الهاوية

لفت الموقع إلى أن سوق السكن يشهد تدهورا مقلقا، إذ يؤكد الخبراء أن وتيرة العرض في قطاع الإسكان خلال هذا العام بلغت عمليا مستوى الصفر، وفي هذا السياق، حذّر رئيس اتحاد التعاونيات العمرانية في طهران خشايار باقر بور، من أن انخفاض الطلب الحالي لا يعني الاستقرار، بل إن انفجار الطلب المتراكم في المستقبل القريب سيؤدي إلى موجة تضخم حادة في سوق العقارات.

وأكَّد أن باقربور أشار إلى أن المشكلة الراهنة في سوق السكن لا تقتصر على حكومة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أو الحكومات السابقة، بل نحن أمام أزمة عمرها خمسون عاما، تحوّل فيها السكن من سلعة استهلاكية إلى أداة استثمارية.

وأضاف أن حكومة بزشكيان تشكّلت في ظروف استثنائية، وتحتاج إلى وقت لإعداد سياسات جديدة، لكن المعضلة الأكبر اليوم تكمن في غياب خطة واضحة؛ فحتى إن تم تنفيذ مشروع عمراني، فإنه يفتقر إلى المشتري الحقيقي، لأن شريحة الطلب قد خرجت فعليا من السوق.

وأبرز الموقع أن ذلك يأتي في وقت تُظهر فيه بيانات وكلاء العقارات عدم وجود أي منطقة في طهران تشهد رواجا في السوق، حيث تراجعت معاملات بيع المساكن بشكل ملحوظ مقارنة بعام 2024. 

وبيَّن أن هناك عدة عوامل أسهمت في هذا التراجع، منها انخفاض وتيرة البناء، وارتفاع أسعار مواد البناء، واستمرار الركود الاقتصادي، وغياب سياسات دعم واضحة، ما أدى إلى إخراج الفئات ذات الدخل المحدود، مثل المشترين الجدد والمستأجرين، بالكامل من سوق الشراء.

وأقرَّ بأن التقارير الميدانية تُظهر أن مشاريع مثل نهضة السكن الوطني علِقت في مأزق التمويل والبيروقراطية، ولا يلوح في الأفق أي أمل بتحقيق الوعد ببناء مليون وحدة سكنية سنويا.

غياب التخطيط والمساءلة في مواجهة الأزمة

أوضح الموقع أنه في ظل هذه الأوضاع، فإن صمت وزارة الطرق والإسكان وتراخيها في التعامل مع أزمة سوق السكن يزيد من حجم القلق، فرغم التحذيرات المتكررة من الخبراء، لم تُقدَّم حتى الآن أي حزمة دعم لتسهيل عمليات البناء، ولا طُرحت خطة لإعادة هيكلة نظام الأراضي والإسكان، وفي الوقت الذي تنشغل فيه الوزيرة وفريقها الإداري بالشؤون الداخلية والتعيينات، لم يصدر عنهم أي موقف واضح أو رد فعل شفاف تجاه انهيار السوق.

وأردف أن عددا من نوّاب البرلمان وجّهوا، خلال جلسة عُقدت مؤخرا في لجنة العمران، انتقادات صريحة لأداء وزيرة الطرق، وطالبوا بإيضاحات بشأن كثرة التعيينات، وسوء إدارة المشاريع، وغياب الخطط في قطاع الإسكان.

وذكر أنه في الآونة الأخيرة ترددت أحاديث في بعض الأوساط عن احتمال طرح استجواب لفرزانه، إلا أن هذه المساعي يبدو أنها أُجّلت مؤقتا بسبب تعيينات محسوبة على تيار سياسي معيّن، ما جعل الاستجواب يُرحّل إلى الأرشيف في الوقت الراهن.

الاقتصاد السكني ضحية لعدم الاستقرار السياسي

نوَّه الموقع إلى أنه في خضمّ هذه التطورات، تكشف تركيبة الأزمة المتمثلة في ضعف العرض، وركود البناء، وانفجار الأسعار، وسوء الإدارة، أن سوق الإسكان في إيران على أعتاب أزمة متعددة الأبعاد؛ أزمة إن لم تُدار على المستوى الكلي، فلن تقتصر تبعاتها على قطاع السكن فحسب، بل ستتجاوز ذلك لتشمل نتائج أوسع، من قبيل الهجرة القسرية للأسر من المدن الكبرى، وتفاقم فقر السكن، وتوسّع المناطق العشوائية، وتصاعد الفجوة الطبقية.

وأشار إلى أن الوزارة التي يُفترض أن تكون المحرك الرئيسي لعملية التحديث العمراني وتحقيق العدالة المكانية، تحوّلت في ظل هذه الظروف إلى ساحة للصراعات الفئوية والتجريب السياسي، كما أن القرارات الانفعالية، والتعيينات القائمة على العلاقات الضيقة، وتجاهل مبدأ الكفاءة، في وزارة تحمل على عاتقها أعباء اقتصادية جسيمة، قد تفضي إلى نتائج لا يمكن تعويضها.

مسار خاطئ ووجهة مجهولة
أفاد الموقع بأنه بعد مرور نحو عشرة أشهر على تعيين فرزانه وزيرة للطرق والإسكان، لا يلوح في الأفق أي إصلاح حقيقي في سياسات الإسكان، ولا تسارع في وتيرة البناء، بل ما يبدو جليا هو مسار سياسي مختلّ لا يقود إلا نحو مزيد من الأزمات. 

وفي الختام حذَّر الموقع من أنه إن لم تعد وزارة الطرق قريبا إلى نهج التخصص، والشفافية، والعمل الممنهج، فإن ملايين الأسر الإيرانية- وليس فقط سكان طهران- قد يُضطرون قريبا إلى دفع ثمن هذا الاضطراب، عبر ارتفاع الإيجارات، والنزوح القسري، وربما حتى فقدان المأوى.