الرحيل من إيران.. عندما تصبح الهجرة خيارا جماعيا لا فرديا

نشر موقع اقتصاد 24، الجمعة 8 أغسطس/آب 2025، تقريرا أفاد فيه بأنه على مدى العقود الماضية، كانت الهجرة من إيران تُعدّ في الغالب ظاهرة اجتماعية وسياسية، إذ غادر النخبة، والمعارضون السياسيون، ورجال الأعمال إيران هربا من القيود، أو سعيا وراء فرص أفضل، لكن هذا النمط شهد تغيّرا في السنوات الأخيرة.

وأضاف الموقع أنه بالتزامن مع تصاعد الأزمات الاقتصادية، وانهيار قيمة الريال، وضعف أنظمة الرعاية الاجتماعية، وتزايد المخاوف من اندلاع حرب، نشأت موجة جديدة من الهجرة، وتشير الدراسات إلى أن هذه الموجة واسعة النطاق، وتشمل شرائح متعددة من المجتمع، من موظفي وزارة الصحة إلى العمال المهرة والمواطنين العاديين؛ لدرجة أن معاهد تعليم اللغات، التي كانت تدرّس لغتين فقط في السابق، باتت اليوم تواجه طلبا على تدريس عشر لغات مختلفة.

وتابع أنه في هذا الاتجاه الجديد، انضم كبار السن- لا سيما المتقاعدون ومن هم في منتصف العمر- إلى صفوف المهاجرين، حيث يغادر البعض العاصمة خوفا من الحرب، أو يرحلون إلى خارج إيران.

وأردف أن الاقتصاد الإيراني شهد في السنوات الأخيرة معدلات تضخم مرتفعة، وبطالة، وجمودا في الاستثمارات، وانخفاضا حادا في قيمة الريال، حتى شهر يونيو/حزيران 2025 من، وكان الريال قد فقد 60% من قيمته مقابل الدولار، وبلغ معدل التضخم أكثر من 30%. 

وأوضح أن ذلك أدى إلى تراجع شديد في القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة والمتقاعدين، ما جعل الكثير منهم يدركون أن رواتب التقاعد أو مدخراتهم لم تعد تكفي لتغطية تكاليف المعيشة في طهران أو المدن الكبرى، وإلى جانب ذلك، فإن زيادة الضرائب، وتراجع الخدمات الاجتماعية، والقيود المفروضة على النقابات والجمعيات المهنية، كلها عوامل عززت دوافع الخروج من إيران.

وبيَّن أن الأوضاع التي أعقبت حرب الـ12 يوما غيّرت كل شيء، ففي شهر يونيو/حزيران 2025، اندلع توتر عسكري غير مسبوق بين إيران والنظام الإسرائيلي، عُرف إعلاميا بحرب الاثني عشر يوما، وخلال هذه الأيام، غرقت طهران في الظلام والصمت، بينما دوّت أصوات الانفجارات في كل مكان، وعاش سكّان العاصمة ساعات مفعمة بالقلق داخل منازلهم وشققهم، وتم إخلاء العديد من مناطق المدينة، أو أُغرقت عمدا في الظلام.

وأبرز أن هذه التجربة بالنسبة للإيرانيين كانت بمثابة استرجاع لذكريات القصف الصاروخي في ثمانينيات القرن الماضي، ودفعَت العديد من العائلات- خصوصا كبار السن- إلى مغادرة طهران حفاظا على حياتهم، أو حتى اتخاذ قرار بمغادرة إيران نهائيا. 

وذكر أنه على خلاف موجات الهجرة السابقة التي كان يغلب عليها الطلاب والنخب السياسية، تضمّ الموجة الجديدة شرائح جديدة، من بينها فئة من كبار السن الذين باتوا يرون أن الأوضاع لم تعد مناسبة للعيش، حتى من زاوية الأمن، ناهيك عن الضغوط الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.

وأكَّد أنه لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة بشأن عدد المتقاعدين الذين يهاجرون، لكن هناك مؤشرات مهمة تُظهر تنامي هذه الظاهرة، فارتفاع تكاليف المعيشة في طهران، وانهيار قيمة الريال، وغياب خدمات الرعاية الكافية، دفعت الكثير من المتقاعدين إلى الهجرة نحو دول أرخص مثل تركيا، وماليزيا، أو بعض الدول المجاورة. 

وأضاف أن مكاتب الاستشارات الخاصة بالهجرة تشير إلى ارتفاع حاد في الطلب على تأشيرات التقاعد في دول آسيا، رغم غياب بيانات إحصائية دقيقة ترصد هذه الظاهرة.

ونوَّه إلى أن إحدى السمات الأبرز للموجة الحالية من الهجرة هي الحضور اللافت للأفراد العاديين وأبناء الطبقة المتوسطة، وتُظهر الدراسات أن فئة كبيرة من المهاجرين اليوم هم من الذين لا يملكون معايير الهجرة التقليدية – أي أنهم لا ينتمون إلى طبقة الأثرياء ولا إلى النخب السياسية، فالهجرة التي كانت تُوصف سابقا بنزيف العقول، تحوّلت الآن إلى نزوح شعبي. 

وأبلغ أن الأزمات الاقتصادية، والاضطرابات الاجتماعية، وفقدان الثقة بالمستقبل، والضغوط الثقافية، دفعت عائلات هذه الفئة إلى التفكير بالرحيل.

ولفت إلى أن حرب الـ12 يوما أظهرت مدى هشاشة العاصمة الإيرانية في حال نشوب صراع عسكري، فخلال أيام الحرب، تم إخلاء العديد من الأحياء، وهجر السكان منازلهم خشية الهجمات الجوية أو الصاروخية.

وأفاد بأن الأخبار والتحليلات الرسمية التي تتحدث عن احتمال اندلاع مواجهات جديدة تسببت في دفع المتقاعدين وكبار السن إلى اتخاذ خطوات فعلية لحماية حياتهم، فانتقل بعضهم إلى شمال إيران أو إلى المحافظات الوسطى، فيما يسعى آخرون للحصول على تأشيرات سفر إلى دول أجنبية.

وأورد أن المتقاعدين في إيران يتقاضون رواتب ثابتة ومحدودة لا تُعدَّل غالبا بما يتماشى مع معدلات التضخم الحقيقية، وفي ظل تضخم يتجاوز 30% وانخفاض بنسبة 60% في قيمة الريال خلال عامي 2023 و2024، فقدت رواتبهم أكثر من نصف قدرتها الشرائية، وتُعد تكاليف السكن والرعاية الصحية في المدن الكبرى مرهقة للغاية، فيما أصبحت أنظمة التأمين التقاعدي عاجزة عن تغطية الاحتياجات الطبية للمسنين.

وفسّر أن هذه العوامل دفعت بعض المتقاعدين إلى بيع ممتلكاتهم والانتقال إلى دول تُوفّر تكلفة معيشة أقل وخدمات صحية أفضل.

الوصول المحدود إلى الخدمات العلاجية والرعائية

أكَّد الموقع أن المتقاعدين في إيران يعانون من تدهور متزايد في الرعاية الصحية، نتيجة النقص الحاد في الكوادر الطبية بسبب الهجرة، حيث تفقد إيران سنويا نحو 10 آلاف من العاملين في قطاع الصحة، وتواجه عجزا بأكثر من 20 ألف قابلة وآلاف الممرضين. 

وأظهر أن هذا الواقع يدفع الكثير من المتقاعدين إلى البحث عن بدائل في الخارج، خاصة في دول مثل تركيا، وأرمينيا، وجورجيا، وماليزيا، وتايلاند، التي توفر بيئة معيشية أقل تكلفة وأنظمة صحية أكثر استقرارا، إضافة إلى تسهيلات في الإقامة، كما دخلت بعض الدول العربية، كالإمارات وعُمان، على خط استقطاب هذه الفئة من خلال تأشيرات تقاعدية أو استثمارية. 

وأضاف أن مغادرة القادرين على الهجرة تُعمّق الفجوة الطبقية، في حين تؤدي هجرة المتقاعدين داخليا إلى الشمال والقرى إلى تغيّرات ديموغرافية وضغط متزايد على البنى التحتية المحلية.

الهجرة المتأخرة وتأثيرها الاقتصادي والاجتماعي في إيران

سلَّط الموقع الضوء على أن إيران تشهد تحوّلا نوعيا في ظاهرة الهجرة، حيث لم تعد مقتصرة على فئة الشباب أو الكفاءات، بل باتت تشمل أيضا الطبقة المتوسطة وكبار السن، ما يعكس عمق الأزمة البنيوية في إيران، فهجرة كبار السن باتت مرتبطة بنقل رؤوس الأموال إلى الخارج، مما يضغط على سوق الصرف ويقلل من الاستثمار الداخلي، فضلا عن فقدان جزء مهم من الذاكرة الجماعية ورأس المال الاجتماعي.

ونقل عن الخبير الإيراني في قضايا الهجرة والسكان والعمل بهرام صلواتي، قوله إن موجة الهجرة الراهنة لا تنبع فقط من مخاوف أمنية أو عسكرية، بل من تداخل عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية، فالشباب يهاجرون لانعدام الأفق، كما تشعر الطبقة المتوسطة بخيبة أمل من غياب الإصلاح، وكبار السن – الذين لم يكن من المتوقع هجرتهم – بدأوا بالرحيل بسبب تدهور جودة الحياة.

وذكر باختصار، أن الهجرة تحوّلت من قرار فردي إلى مؤشر خطير على تآكل الثقة العامة وتفكك النسيج الاجتماعي في إيران.

الأزمات الاجتماعية والاقتصادية تعمّق دوافع الهجرة

أورد الموقع على لسان صلواتي، أن العوامل النفسية، إلى جانب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، تلعب دورا متصاعدا في دفع الناس نحو الهجرة، خاصة بعد الحروب والتوترات الأخيرة، ومن أبرز ما يؤثر في هذا السياق هو تآكل الشعور بالأمان النفسي والاجتماعي في المجتمع، ووفقا لعدد من الخبراء، أصبحت الإقامة داخل إيران– خصوصا بالنسبة إلى الأجيال الشابة – أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

وأضاف أن المشاكل اليومية مثل الانقطاعات المتكررة للكهرباء والمياه، وتدهور سبل العيش، وغياب الحد الأدنى من الأمان الحياتي، أصبحت تحديات حقيقية تُثقل كاهل الناس، وفي الأسر التي تحمل همّ مستقبل أبنائها، تُسهم هذه التحديات بشكل مباشر في تعميق دوافع الهجرة.

وتابع أن موجة الهجرة الحالية لا تقتصر على الشباب فحسب، بل تشمل شرائح متنوعة من المجتمع، ولهذا، يرى المختصون أن من الضروري تبنّي سياسات جديدة تُعيد الشعور بالأمان النفسي لدى المواطنين، وتوفّر حوافز حقيقية للبقاء داخل إيران.

ودعا إلى ضرورة أن تتركز هذه السياسات على معالجة الأزمات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وتعزيز الاستثمارات المتوازنة في مختلف مناطق إيران، حتى تصبح الهجرة خيارا واعيا لا ضرورة اضطرارية من أجل العيش الكريم، وبهذه الطريقة فقط يمكن كسر دورة الهجرة القسرية وتحقيق الاستقرار المجتمعي على المدى الطويل.

انضمام الأجيال المختلفة إلى موجة الهجرة

أشار الموقع إلى تأكيد صلواتي أن الهجرة في إيران تشهد تحولا كبيرا، إذ لم تعد مقتصرة على الشباب، بل باتت تأخذ طابعا عائليا يشمل مختلف الفئات العمرية، بما في ذلك كبار السن، ففي ظل الظروف الراهنة، يتكاتف أفراد العائلة ويغادرون معا، ما يحوّل الهجرة إلى ظاهرة جماعية غير قابلة للعودة في كثير من الحالات.

ورأى أن هذا التحول يعكس تصاعد القلق بين المقيمين في الخارج على ذويهم داخل إيران، ويُبرز أهمية الأمن النفسي كدافع رئيسي للهجرة، فبينما كانت الأسباب الاقتصادية والاجتماعية هي المحرك الأساسي في الماضي، أصبحت التوترات الحربية والمخاوف المعيشية – مثل نقص الغذاء والكهرباء – عوامل حاسمة اليوم. 

وجزم بأن أبرز ما تغير هو عمق التأثير على شعور الناس بالأمان والاستقرار، ما دفع الكثيرين، بمن فيهم من لم يفكروا يوما في الهجرة، إلى مغادرة إيران.

“ينبغي أن نولي الأمن النفسي اهتماما أكبر”

لفت الموقع إلى أن صلواتي اعتبر أن أزمة الأمن النفسي في إيران تفاقمت خلال الحرب الأخيرة التي استمرت 12 يوما، حيث غابت الاستجابة المؤسسية المناسبة، لا سيما من وسائل الإعلام، ما زاد من شعور الناس بالقلق وانعدام الثقة، ويؤكد أن هذه الأجواء المضطربة أسهمت في تسارع وتيرة الهجرة، التي لم تعد مرتبطة بالشباب أو النخب فحسب، بل شملت مختلف الفئات، من المتقاعدين إلى الكوادر الطبية. 

وفي الختام، أورد الموقع عن صلواتي أن موجة الهجرة الجديدة تُعزى إلى هشاشة البنية الاقتصادية، والمخاوف الاجتماعية، والخوف من الحرب، لا إلى الخلافات السياسية وحدها، وتجربة العيش في العاصمة خلال انقطاع الكهرباء اعتبرها كثيرون بمثابة الإنذار الأخير الذي دفعهم لاتخاذ قرار الرحيل.