- زاد إيران - المحرر
- 487 Views
بالتزامن مع استمرار المحادثات النووية الإيرانية على مستوى نواب وزراء الخارجية مع ثلاث دول أوروبية (ألمانيا وفرنسا وبريطانيا) الثلاثاء 26 أغسطس/آب 2025، في جنيف بسويسرا، يستعد المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني لعقد اجتماع طارئ خلال الساعات الـ24 القادمة، هذا الاجتماع ليس مجرد لقاء روتيني عابر، بل هو نقطة تحوُّل محتملة في مسار الاتفاق النووي، المعروف بـ”اتفاق خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)”.
ويُناقش الاجتماع تمديد آلية “سناب باك”- ذلك السلاح الدبلوماسي الدولي الذي يهدد بإعادة فرض عقوبات أممية قاسية على طهران، وأشار مصدر مطلع في تصريح لوكالة تسنيم للأنباء: “إن أجندة هذه المفاوضات هي القضايا النووية وقضية رفع العقوبات”.
مع اقتراب ساعة الصفر لتفعيل آلية “سناب باك”، أو ما يُعرف بـ”آلية الزناد”، وتلويح أوروبا بتفعيلها بحلول نهاية أغسطس/آب 2025، (خلال أيام معدودة)، توصلت إيران والترويكا الأوروبية، يوم الجمعة، إلى اتفاق لعقد محادثات على مستوى نواب وزراء الخارجية في 25 سبتمبر/أيلول 2025، هذه المحادثات تُشبه محاولة يائسة في اللحظات الأخيرة لإيقاف ساعة القرارات المتسارعة.
لكن، على الرغم من هذا التقارب، يبقى الغموض يكتنف إمكانية توصل طهران والعواصم الأوروبية الثلاث- باريس، ولندن، وبرلين- إلى إطار جديد يعيد إحياء الدبلوماسية، ويمنح الطرفين أشهرا إضافية لتمديد العمل بالقرار 2231، وسط ضغوط أوروبية متزايدة وغياب أمريكي ملحوظ، تبرز هذه اللحظة كفرصة لإنقاذ ما تبقى من اتفاق 2015، أو كشرارة قد تشعل حريقا جديدا في الشرق الأوسط.
فهل ستختار إيران التمديد لستة أشهر إضافية، مفسحة المجال لجهود دبلوماسية متجددة، أم ستدفع نحو مواجهة مباشرة؟ مع اقتراب موعد انتهاء صلاحية آلية “سناب باك” في أكتوبر/تشرين الأول 2025، يأتي هذا الاجتماع كمحاولة أخيرة للحفاظ على التوازن الدقيق الذي رسمه اتفاق خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA).
من JCPOA إلى حافة الانهيار
يعود جذر القضية إلى عام 2015، عندما وقعت إيران مع مجموعة 5+1 (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، بريطانيا، فرنسا؛ وألمانيا) على اتفاق JCPOA، الذي حد من برنامج إيران النووي مقابل رفع العقوبات.
لكن انسحاب الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في 2018 أعاد فرض عقوبات “الضغط الأقصى”، مما دفع طهران إلى تقليص التزاماتها تدريجيا.
اليوم، مع تقدم إيران في تخصيب اليورانيوم إلى مستويات تقترب من 60%- قريبة من الدرجة العسكرية- أصبحت آلية الزناد “سناب باك”، المدرجة في قرار مجلس الأمن 2231، أداة حاسمة للضغط.
في الأشهر الأخيرة، شهدت المفاوضات توترا متزايدا، الترويكا الأوروبية (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا) حذرت إيران من أنها قد تفعل “سناب باك” بحلول نهاية أغسطس/ آب 2025 إذا لم تستأنف المحادثات فورا.
وفقا لتقارير حديثة، اقترحت الأطراف الأوروبية تمديدا لستة أشهر لآلية “السناب باك”، بهدف إفساح المجال لجهود دبلوماسية جديدة قبل انتهاء صلاحيتها في أكتوبر 2025.. هذا الاقتراح يأتي في سياق استئناف المحادثات في جنيف يوم الثلاثاء 26 أغسطس/ آب 2025، حيث سيلتقي ممثلو إيران مع الترويكا لمناقشة البرنامج النووي والعقوبات.
الاجتماع الطارئ
في قلب طهران، يجتمع المجلس الأعلى للأمن القومي- الذي يرأسه الرئيس مسعود بزشكيان مع علي لاريجاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، ويضم كبار المسؤولين العسكريين والدبلوماسيين- لاتخاذ قرار مصيري، الموضوع الرئيسي: الموافقة على الاقتراح الأوروبي لتمديد “سناب باك” لمدة ستة أشهر، مع مشاركة دول الترويكا الأوروبية الثلاث “بريطانيا وفرنسا وألمانيا” لتعزيز الجهود الدبلوماسية.

وبسؤاله عن خيار الانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية (NPT) كأحد الخيارات المطروحة أمام طهران، قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني في حواره مع موقع KHAMENEI.IR، إن “هذا الافتراض قائمٌ دائما، لكنني لا أقول إن أحدا يتّجه إلى هذا الخيار الآن، فالقرار نفسه يحتاج إلى حكمةٍ وتدبير، ويجب أن ننظر: هل لهذا الخيار جدوى أم لا؟ نحن لا نسعى لامتلاك قنبلة نووية؛ فالدولة التي تطمح لامتلاكها قد تجد في رفض المعاهدة منطقا، أما إذا لم تكن تسعى لذلك، فلا مانع من قبول المعاهدة، ولا داعي لرفضها، لكن الحقيقة المرة هي أن هذه المعاهدة لم تُجدِ نفعا يُذكر بالنسبة لنا”.
وأضاف: “في الساحة الدولية، القوة هي التي تحقق التقدم. إذا تصرّفت بصلابةٍ وقوة، ستنجح في دفع عجلة أهدافك إلى الأمام، أما إذا توهّمت أن الدبلوماسية وحدها، بمجاملاتها ولقاءاتها الودية، كفيلة بحل المشكلات، فهذا وهمٌ لا أساس له، القوة هي المفتاح، وعليه يجب على إيران أن تسعى لتعزيز قوتها بكل السبل”.
وفي المقابل، يتعين على إيران أن تقدم التزامات بشأن قضايا رئيسية، بما في ذلك المفاوضات مع واشنطن، والتعاون الكامل مع الوكالة، والمساءلة عن مخزوناتها من اليورانيوم عالي التخصيب.. هذا التمديد سيمنح الطرفين وقتا إضافيا للتفاوض، خاصة في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة، بما في ذلك الصراع في غزة والتوترات مع إسرائيل.
ومع ذلك، هناك تصور داخلي بضرورة الموافقة على هذا الاقتراح، لكنه يتطلب إجماعا كاملا داخل المجلس، مصادر مطلعة تشير إلى أن بعض الأعضاء يرون في التمديد فرصة لتجنب تصعيد فوري، بينما يخشى آخرون أنه قد يعزز الضغط الأوروبي دون ضمانات حقيقية، كما قرر المجلس عدم الالتزام بأي مسؤوليات مشتركة مع الجانب الأمريكي، معتبرا أن واشنطن فقدت مصداقيتها بعد الانسحاب من الاتفاق، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في تصريح حديث: “الدول الأوروبية الثلاث تفتقر إلى السلطة القانونية والأخلاقية لتفعيل الآلية، وسنرد على أي تصعيد بقوة”.
الاجتماع، الذي قد يمتد لساعات، سيشهد نقاشات حول سيناريوهات محتملة، مثل تأثير التمديد على صادرات النفط أو الاستثمارات الأجنبية، وردا على فكرة الأطراف الأوروبية بتمديد القرار 2231 بهدف توفير المزيد من الوقت للدبلوماسية.

أوضح عراقجي خلال اتصال هاتفي مع وزراء خارجية ثلاث دول أوروبية والممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية المشتركة في الاتحاد الأوروبي، أن هذا القرار يجب أن يتخذه مجلس الأمن الدولي بشكل أساسي؛ وأن طهران مع مواقفها وآرائها المبدئية بشأن هذه المسألة، ليس لها أي دور في هذه العملية.
الورقة الأوروبية الأخيرة
في خضم هذه التطورات المتسارعة، وفي ظل التحذيرات الإيرانية الحادة، خرج سعيد خطيب زاده، نائب وزير الخارجية عباس عراقجي، بتصريح لصحيفة “فرانكفورتر ألجماينه”، مؤكدا أن تفعيل آلية “سناب باك” سيكون بمثابة إحراق أوروبا لآخر أوراقها دون جدوى، وأضاف أن أي مفاوضات لاحقة ستتحول، من منظور طهران، إلى “مفاوضات تحت التهديد”، نظرا إلى انعدام ثقتها بواشنطن.
وعندما سُئل عن نية ألمانيا وفرنسا وبريطانيا تفعيل الآلية خلال أيام، لإعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة المجمّدة على إيران، بعد مهلة ستة أشهر لم تجدْ إيران ردا عليها، أشار خطيب زاده إلى أن الأوروبيين أضاعوا دورهم كوسطاء، وأن تصعيد الضغوط لن يكون سوى خطوة خاطئة، وفي إشارة إلى محاولة أوروبا تفعيل آلية “سناب باك”، قال خطيب زاده إن الأوروبيين لا يملكون الحق في هذا الصدد، وإن مثل هذا الإجراء لن يكون سوى إهدار لقوتهم الأخيرة، وحسب قوله، فقد فقدت أوروبا دورها كوسيط، وإن مزيدا من الضغط على إيران لن يؤدي إلا إلى تفاقم التوترات.
في جزء آخر من المقابلة، أكد زاده حق إيران في تخصيب اليورانيوم بموجب معاهدة حظر الانتشار النووي، وحذّر من أن طهران ستُبدي مقاومة شديدة إذا أصرت الولايات المتحدة على “التخصيب الصفري“، وأشار إلى أن طهران لن تُشكّل استثناء من القانون الدولي، لكنه مستعد لمناقشة مستوى وتفاصيل التخصيب، مع أن أي مفاوضات مستقبلية ستكون “مفاوضات عسكرية” من وجهة نظر إيران.
التحديات الدولية: غياب أمريكا ودور الترويكا
مع غياب الولايات المتحدة عن طاولة المفاوضات بسبب التصعيد خلال حرب الـ 12 يوما مع إسرائيل- حيث تظل إدارة ترامب ملتزمة بسياسة الضغط دون عودة كاملة للاتفاق- تركز الترويكا الأوروبية جهودها على إيران مباشرة.
الاقتراح الأوروبي يهدف إلى تجنب تصعيد فوري، كما أوضحت مصادر دبلوماسية، لكنه يأتي مع شروط مثل وقف تقدم إيران النووي واستئناف التفتيش الكامل من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) وعودة المفتشين من جديد إلى طهران.

في فيينا، حيث تستأنف المحادثات تحت ظلال الحرب والموعد النهائي لـ”سناب باك”، يصف مراقبون الوضع بأنه “مفاوضات متوترة”، الترويكا حذرت من أن عدم التوصل إلى حل دبلوماسي بحلول 31 أغسطس/آب 2025 قد يؤدي إلى تفعيل الآلية، ومع ذلك، أعربت إيران عن استعدادها للمفاوضات، معتبرة أن التمديد يمكن أن يكون خطوة إيجابية إذا كان متبادلا.
فرصة للسلام أم طريق مسدود؟
إذا وافق المجلس على التمديد، فقد يفتح ذلك بابا لمحادثات أوسع تشمل روسيا والصين، اللتين تدعمان إيران اقتصاديا، لكن الفشل في الإجماع قد يدفع الأوروبيين للتصعيد، مما يعيد العقوبات الأممية ويفاقم الأزمة الاقتصادية في إيران، حيث يعاني الشعب من تضخم يتجاوز 40% وانخفاض قيمة الريال وفي سياق إقليمي أوسع، يرتبط هذا الاجتماع بالتوترات مع إسرائيل، التي هددت بضربات نووية وقائية، والحرب في أوكرانيا التي تعزز التحالف الإيراني-الروسي.
خبراء مثل روبرت مالي، كبير المفاوضين الأمريكيين في محادثات إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة والممثل الأمريكي للشؤون الإيرانية يرون أن “التمديد يمكن أن يكون جسرا لإعادة بناء الثقة، لكنه يتطلب تنازلات من الجميع”.
في النهاية، هذا الاجتماع ليس مجرد قرار فني؛ إنه اختبار لإرادة إيران في مواجهة العالم، مع مرور الـ48 ساعة، سيكشف الزمن ما إذا كانت طهران ستختار الدبلوماسية أم التصعيد، في قصة تستمر في جذب أنظار العالم.
في حال تفعيل آلية “سناب باك” واستعادة قرارات مجلس الأمن بشأن إيران، ستجد البلاد نفسها مرة أخرى تحت وطأة عقوبات الأمم المتحدة، مستندة إلى الفصل السابع من ميثاقها. لكن، نظرا لأن العقوبات الأمريكية تتجاوز نظيرتها الأممية في النطاق والشدة، يرى المسؤولون أن عودة هذه القرارات لن تهز الاقتصاد الإيراني بشكل كبير عما هو عليه الآن. فالنفط الإيراني، على سبيل المثال، لم يكن يوما تحت طائلة عقوبات مجلس الأمن، لكنه يئن تحت ضغط القيود الأمريكية القاسية.
الأثر الحقيقي لعودة القرارات يكمن في شرعية العلاقات الدولية مع إيران.
فهل ستجرؤ دولتان كروسيا والصين، بصفتهما عضوين دائمين في مجلس الأمن، على تحدي شرعية قراراته والوقوف إلى جانب إيران إذا أعيد فرض العقوبات؟ هاتان الدولتان ملزمتان، نظريا، بالامتثال لقرارات المجلس، وعلاوة على التكلفة السياسية التي قد تتحملها إيران جراء هذه القرارات، فإن عقوبات مجلس الأمن قد تُحكم إغلاق الثغرات في القيود الحالية، مما يزيد من قبضتها ويشدد الخناق على طهران.

