محمد خاتمي.. رمز الإصلاح والحوار بين الحضارات في إيران المعاصرة

في عالم السياسة الإيرانية، حيث تتصارع التيارات بين التشدد والانفتاح، يبرز محمد خاتمي كشخصية استثنائية، تجسد الأمل في الإصلاح والحوار العالمي، رجل دين ومفكر، تولى رئاسة إيران لدورتين (1997-2005)، وأصبح رمزا للإصلاحيين الذين سعوا إلى دمج القيم الإسلامية مع مبادئ الديمقراطية والحرية. 

يوم الأربعاء (20 أغسطس/آب 2025) نقل الرئيس الإيراني الأسبق وزعيم التيار الإصلاحي محمد خاتمي، إلى أحد مستشفيات العاصمة طهران إثر تعرضه لوعكة صحية نتيجة مشاكل في القلب.

وأعلن شقيقه، الدكتور محمد رضا خاتمي، أن الرئيس الأسبق شعر بآلام في الصدر استدعت تدخلا طبيا عاجلا، موضحا أن الفحوصات أظهرت إصابته بانسداد في أحد الأوعية الدموية، وأضاف أنه خضع لعملية قسطرة ناجحة، وأن حالته الصحية مستقرة حاليا ويخضع للمتابعة الطبية.

خاتمي لم يكن مجرد سياسي، بل فيلسوف دافع عن “حوار الحضارات” في وجه نظرية “صدام الحضارات”، وساهم في فتح إيران على العالم رغم الضغوط الداخلية والخارجية. 

ويُعد خاتمي (81 عاما) إحدى أبرز الشخصيات الإصلاحية في إيران، إذ تولى منصب رئاسة الجمهورية بين عامي 1997 و2005، واشتهر خلال فترة حكمه بدعوته إلى الإصلاح السياسي والانفتاح الثقافي والاجتماعي، إلى جانب تعزيز الحوار بين الأديان والسعي لتحسين صورة إيران على الساحة الدولية.

مع مرور السنين، ظل صوته يتردد في الدعوة إلى التغيير، حتى في أحدث أنشطته عام 2024-2025، حيث رفض المشاركة في الانتخابات لأول مرة، معتبرا عدم التصويت بنسبة 60% دليلا على غضب الشعب. 

الميلاد والأسرة

ولد محمد خاتمي في 14 أكتوبر/تشرين الأول 1943 في مدينة أردكان بمحافظة يزد الوسطى في إيران، ضمن عائلة دينية مرموقة، كان والده روح الله خاتمي، خطيبا مشهورا في يزد خلال السنوات الأولى للثورة، وكان إمام جمعة يزد، وهو عالما حكيما وأحد أبرز علماء الدين المؤسسين لحوزة أردكان، مما غرس فيه قيما دينية عميقة منذ الصغر، نشأ خاتمي في بيئة دينية تقليدية، ولخاتمي أربع شقيقات وشقيقان، زوجته هي زهرة صادقي، التي تزوجها عام 1974 ورزق منها بابنتين وولد، لیلی حاصلة على درجة الدكتوراه في الرياضيات من جامعة طهران، وهي حاليا أستاذة مشاركة في قسم الرياضيات بكلية الاتحاد بالولايات المتحدة، تزوج عماد الدين أيضا في مارس/آذار 2011، وهو الابن الوحيد لخاتمي في إيران، مع مرور الوقت سرعان ما أظهر اهتماما بالفلسفة الغربية إلى جانب الدراسات الإسلامية. 

في تفصيل جديد، يذكر أنه قضى طفولته في أردكان، حيث تأثر بالتراث الثقافي للمنطقة، المعروفة بتاريخها في الفقه الشيعي والتجارة، في عام 1961 قبل حصوله على الشهادة، سافر إلى قم لدراسة العلوم الدينية، وفي العام نفسه، حصل أيضا على الشهادة الثانوية. 

بدأ خاتمي تعليمه الديني في مدينة قم المقدسة، حيث درس العلوم الإسلامية وحصل على درجة الاجتهاد، الرتبة العليا في الحوزة الشيعية، في عامي 1962 و1963، إضافة إلى مشاركته في النضال السياسي ضد النظام البهلوي، واصل دراسته الدينية، وخلال سنوات دراسته الأربع في حوزة قم، تمكن من دراسة “المقدمات” و”المستويات”.

بعد ذلك، في عام 1965 التحق بكلية الآداب في أصفهان بهدف الدراسة الجامعية، وحصل على بكالوريوس في الفلسفة الغربية من جامعة أصفهان، وكاد ينهي ماجستيرا في العلوم التربوية بجامعة طهران، لكنه تركها ليتفرغ للدراسات الدينية فدرس المستويات العليا من العلوم الحوزوية في أصفهان، وفي عام 1969 تخرج من جامعة أصفهان بدرجة البكالوريوس، وبعد ذلك، ورغم امتلاكه لشروط الاجتهاد للإعفاء من الخدمة العسكرية، تم “إرساله قسرا إلى الخدمة العسكرية”.

في محطة فاصلة، تولى رئاسة المركز الإسلامي في هامبورغ بألمانيا بين عامي 1978-1980، حيث تعلم الألمانية والإنجليزية، وأصبح يتقن العربية أيضا، هذه الفترة شكلت تفكيره، حيث دمج بين الفلسفة الإسلامية والغربية، وأصبح مفكرا يدعو إلى التوفيق بين الدين والحداثة. 

خلال إقامته في ألمانيا، أثرت عليه أعمال فيلسوفين مثل إيمانويل كانط ومارتن هايدغر، مما ساعده لاحقا في صياغة نظريته حول “حوار الحضارات”.

المسيرة السياسية المبكرة

وخلال فترة الحرب، كان خاتمي نائبا للقائد الأعلى للقوات المسلحة للشؤون الثقافية ورئيسا لهيئة الدعاية الحربية، منذ عام 1992 عمل مستشارا لرئيس الجمهورية ورئيسا للمكتبة الوطنية.

لاحقا، دخل خاتمي السياسة بعد الثورة الإيرانية عام 1979، حيث انتخب نائبا في البرلمان عن يزد (1980-1982) بنسبة 82.1% من الأصوات، وبأمر من الإمام الخميني عام 1981 عُيّن رئيسا لمؤسسة كيهان للصحافة، ثم عُين وزيرا للثقافة والإرشاد الإسلامي (1982-1992) في حكومات مير حسين موسوي وعلي أكبر هاشمي رفسنجاني. 

خلال هذه الفترة، سمح بإصدار كتب محظورة سابقا ودعم السينما، لكنه استقال عام 1992 بسبب ضغوط المحافظين الذين اتهموه بالتساهل مع “الغزو الثقافي الغربي”، بعد الاستقالة، تولى رئاسة المكتبة الوطنية الإيرانية (1992-1997)، حيث أصبح عضوا في المجلس الأعلى للثورة الثقافية، هذه المحطة الفاصلة جعلته يُنظر إليه كمعتدل، مما مهد لترشحه الرئاسي.

الرئاسة: عصر الإصلاح (1997-2005)

في محطة تاريخية، خاض السباق الرئاسي بشعار المجتمع المدني والتنمية السياسية، وانتُخب في النهاية رئيسا خامسا لإيران عام 1997 بفارق 13 مليون صوت عن ناطق نوري، وكان من أهم التحديات التي واجهها خاتمي في ولايته الرئاسية الأولى مؤتمر برلين، وحادثة سكن طلاب جامعة طهران، وجرائم القتل المتسلسلة.

أعيد انتخابه عام 2001، ركز برنامجه على الحرية التعبيرية، المجتمع المدني، وحقوق المرأة، وانتُخب لولاية ثانية بأكثر من 77% من الأصوات مع إقبال 80%، مدعوما من الشباب والنساء والمثقفين، وبعد توليه الرئاسة لفترتين، أسس مؤسسة باران (مؤسسة الحرية والنمو والازدهار في إيران) وأطلق مفهوم “حوار الحضارات” عام 1998، الذي اعتمدته الأمم المتحدة عام 2001 كسنة لحوار الحضارات.

كان خاتمي صاحب فكرة حوار الحضارات، التي ذاع صيتها عالميا وعُرفت باسمه، كما أعلنت الأمم المتحدة عام 2001 عاما لحوار الحضارات بناء على هذه الفكرة، وتولى أيضا مسؤولية المركز الدولي لحوار الحضارات في عام 2009.

تعليميا، أطلق حملات لتعزيز الحريات المدنية، مثل توسيع التعليم العالي الذي ارتفع من 1.4 مليون طالب إلى أكثر من 2 مليون، وفتح المجال الثقافي بإصدار آلاف الكتب والصحف.

اقتصاديا، حقق نموا في الناتج المحلي الإجمالي من 2.4% إلى 5.9%، خفض الدين الخارجي من 12.1 مليار دولار إلى 7.9 مليار، وخلق مئات الآلاف من الوظائف، رغم تحديات البطالة (انخفضت إلى أقل من 14%).

واجه خاتمي صراعا مع المحافظين، خاصة بعد رفض “مشروعي القانون التوأم” لتعزيز صلاحيات الرئيس وإصلاح الانتخابات، خلال هذه المرحلة، وعلى الرغم من الارتفاع الطفيف في معدل التضخم، شهد التضخم استقرارا نسبيا مقارنة بالسنوات السابقة الأكثر تقلبا، يُعزى هذا الثبات، على الأرجح، إلى استقرار سعر الصرف بعد تحريره، في تلك الفترة، تم الاستفادة من احتياطيات النقد الأجنبي بحكمة لتجنب تكرار تجربة إنشاء حساب التزام بالعملة الأجنبية، التي كانت قد تسببت سابقا في توسع القاعدة النقدية، مما أدى بدوره إلى تصاعد التضخم في عهد رفسنجاني. 

في تلك الفترة، انخفض التضخم إلى 12%، وساد نمو اقتصادي بلغ 6% سنويا، مما سمح بتحسين الرعاية الصحية والتعليم،

السياسة الخارجية وحوار الحضارات

كانت سياسته الخارجية تحولا نحو التقارب، حيث زار دولا أوروبية مثل فرنسا وألمانيا، والتقى بابا الفاتيكان يوحنا بولس الثاني عام 1999.

كما تجنب خاتمي حربا مع طالبان عام 1998 إثر مجزرة بشرية، حين هاجمت قوات طالبان مدينة مزار شريف وسيطرت عليها وفي الوقت نفسه، اقتحم بعضهم القنصلية الإيرانية في المدينة، واستشهد ثمانية دبلوماسيين وصحفي.

ووفقا لمركز وثائق الثورة قال مداد شاهسوند، عضو القنصلية العامة للجمهورية الإسلامية الإيرانية في مزار شريف، والذي نجا من الحادث، عن ذلك اليوم: “دخلت طالبان شارع القنصلية وأطلقت النار على كل من رأوها”، وودعم بشار الأسد عام 2000، ثم زار روسيا عام 2001، ودعا إلى علاقات بناءة مع الغرب.

ما بعد الرئاسة: النشاط الإصلاحي

بعد 2005، أسس معهد الحوار الدولي، ودعم مير حسين موسوي في انتخابات 2009 المثيرة للجدل، منع من الترشح عام 2013، ودعم حسن روحاني، ولاحقا رفض المشاركة في الانتخابات البرلمانية لأول مرة، معتبرا عدم التصويت بنسبة 60% “غير مسبوق” ودليلا على غضب الأغلبية، كما علق على تحديات الإصلاحيين تحت سيطرة المرشد الإيراني علي خامنئي، مشددا على الحاجة إلى مجتمع مفتوح.

يُعرف خاتمي بمواقفه الإصلاحية: دافع عن حرية الصحافة، مما أدى إلى إغلاق عشرات الصحف لاحقا، دعا إلى تسامح ديني، وحقوق المرأة، وتسوية سلمية للنزاعات الإقليمية. 

في موقف جريء، انتقد الانتخابات غير النزيهة عام 2024، معتبرا الإقبال المنخفض رسالة للنظام، كما رفض التطرف، محذرا من “اليمين المتطرف” خلال رئاسته.