سياسي إصلاحي بارز: إسرائيل أرادت تقسيم إيران.. والحوار مع واشنطن هو الرد

أجرت وكالة أنباء إيرنا الإيرانية الرسمية، الاثنين 25 أغسطس/آب 2025، حوارا مع بهزاد نبوي، الوزير والنائب البرلماني الأسبق والسياسي الإصلاحي البارز، حول  تقييمه لحرب الـ12 يوما بين إيران وإسرائيل، وخسائر وإيجابيات الحرب، ودور الشعب في الصمود، وأهمية تعزيز التماسك الداخلي، وفي ما يلي نص الحوار:

ما تقييمك لفترة الحرب التي استمرت 12 يوما، وما هي- بحسب رأيك- الإنجازات والدروس والخسائر التي أسفرت عنها؟

إن خسائر الحرب واضحة؛ واستشهاد العديد من المدنيين الأبرياء، واستشهاد كبار العلماء النوويين الذين كلفت الدولة الكثير من أجلهم والذين كان لهم أهمية كبيرة لإيران، بالإضافة إلى استشهاد قادة عسكريين شجعان ومخلصين، ولقد كان لي، عندما كنت في الحكومة، اتصالات ببعض هؤلاء الأفراد، من بينهم القائد رشيد والقائد كاظمي، وهما شخصيتان ممتازتان وشجاعتان ومقاتلتان، وفي الوقت نفسه من القوى المعتدلة في الحرس الثوري.

أما بالنسبة للقائد رشيد، فأود القول إنني أقيم أداء استخبارات الحرس الثوري في فترة قيادته بشكل إيجابي مقارنة بالفترة السابقة وحتى مقارنة بأداء وزارة الاستخبارات.

كما أن الخسائر الاقتصادية للحرب كانت واضحة، فقد استطاع الاحتلال الإسرائيلي بفضل تفوقه التكنولوجي أن يضرب أهدافه بدقة، ومن بين الأضرار الكبيرة التي ألحقها إسرائيل كانت ضربات على برنامج تخصيب اليورانيوم والبرنامج النووي الإيراني، والتي كانت شديدة للغاية، وما زالت تؤخر أنشطة التخصيب لفترة زمنية معتبرة، بالإضافة إلى الخسائر المالية والاقتصادية الكبيرة التي تكبدتها إيران.

وأهم إنجاز في حرب الـ12 يوما كان عدم استجابة الشعب لإرادة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والمعارضين في الخارج، وبالطبع، لا ينبغي تعميم الحكم على جميع الخارجين، فأنا أرى موقف الفيلسوف والمفكر الإيراني البارز عبد الكريم سروش إيجابيا جدا، لكن الشعب لم يلبي رغبات نتنياهو ومن يشبهه مثل قناة إيران إنترناشونال. 

أما أمثال  آخر ولي عهد لإيران قبل سقوط نظام الشاه في 1979 رضا بهلوي فلا تأثير لهم، ومع ذلك كان هذا ضربة كبيرة للجانب الآخر، إذ كانوا يعتقدون أنه مع بدء الهجمات سيخرج الناس إلى الشوارع لإنهاء عمل النظام من الداخل، وبرأيي، كان لدى إسرائيل من هذه الهجمة ثلاثة أهداف؛ أهمها على المدى القصير تدمير أنشطتنا النووية، وقد كانت منسقة في هذا الأمر مع الولايات المتحدة وأوروبا أيضا.

وفي المرحلة الثانية كان الهدف إضعاف النظام الإيراني، وإذا أمكن الإطاحة به، أما الهدف الثالث والأهم فهو تقسيم إيران، خصوصا في الظروف الحالية التي تسعى فيها إسرائيل لتغيير الجغرافيا الإقليمية، وقد سمعت من مصدر موثوق أنه عندما زار بهلوي إسرائيل، أخبره نتنياهو بأنه سيكون شاها للجزء المركزي من إيران، وليس كل إيران، لأن الهدف كان تقسيمها، وبهذه الأهداف نفذت إسرائيل هذا الهجوم الوحشي، لكنه ولحسن الحظ فشل.

أما الإنجاز الثاني فهو قدرة نظامنا الدفاعي؛ ففي بداية الحرب، لم أكن أصدق أن منظومتنا الدفاعية تستطيع هذا المستوى من الاستجابة، وكان ذلك ممتازا، إذ ذاق الإسرائيليون لأول مرة طعم هذه الضربات، ويستحق نشاط وجهود قواتنا العسكرية في هذه الحرب الثناء والإشادة.


ما السبب الرئيسي في مشاركة الشعب وكيف يمكن الحفاظ على هذا التماسك بعد الحرب؟
يجب تقييم هذا الأمر بدقة، وأبرز ما قام به الشعب هو عدم الاستجابة لمطالب نتنياهو والمعارضين في الخارج،و صحيح أنني لم أكن في إيران آنذاك، لكن أعلم أن بعض الناس غادروا طهران والمدن الكبرى، وكان ذلك مفيدا لحماية حياتهم، وكان المطلوب من الشعب أن لا يشارك في لعبة إسرائيل والمعارضين، وقد التزموا بذلك، وهذا يستحق الثناء، لكنه لا يعني بالضرورة الموافقة على كل سياساتنا وأدائنا.

والفكرة الأساسية أن الشعب لم يسمح لنفسه بأن يكون جزءا من لعبة أعداء إيران، وكان الكثيرون منهم قلقين على وحدة إيران واستمرار الدولة، فتصرّفوا بشكل مسؤول، ومع ذلك، لا ينبغي استخلاص استنتاج خاطئ أو الاعتقاد بأن الجميع راض عن أداء الحكومة، فالشعب يعبر عن احتجاجاته على الوضع العام.

 ورغم ذلك أيدت جميع التيارات السياسية، وضم ذلك المعتقلون، رفض الهجوم الإسرائيلي، فإن هذا لا يعني بالضرورة موافقتهم الكاملة على سياسات الحكومة.

أما للحفاظ على هذا التماسك، فعلينا أن نكون حذرين ونعلم أننا ما زلنا في منتصف الحرب، والبعض يطرح الآن مطالب قصوى، وهذا ليس صائبا، فنحن في وسط حرب لا نعلم سبب توقفها!

فلقد اقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ووافقت إسرائيل، ونحن قررنا بما أننا لم نبدأ الحرب أن نمتنع عن أي تصعيد إذا لم تهجم إسرائيل، والآن مع توقف الحرب، لا ينبغي أن نتصور أن كل الأمور مثالية أو نطالب بتحقيق جميع المطالب القصوى، لذلك، توقع تحقيق كل مطالب الشعب في هذه الفترة بعد توقف الحرب غير صحيح، لأنه يفرض ضغطا كبيرا على الحكومة والإدارات.

وأداء الحكومة في هذه الفترة كان جيدا ضمن إمكانياتها، واستمرت في العمل بشكل جيد حتى بعد الأحداث، ومثال على ذلك، سحب مشروع قانون بعد معارضة نخبة المجتمع، وهو تصرف يعكس استجابة الحكومة للنقد البناء رغم أن عامة الناس ليسوا مطلعين كثيرا على التفاصيل.

وهناك إشارات غير رسمية بأن السلطات تراجع تعاملها مع الشعب، ويجب أن تتحول فترة توقف الحرب إلى هدنة دائمة لتتم مراجعة مواقفها تجاه القضايا الداخلية لإيران، كما أن استئناف المفاوضات مع أوروبا والولايات المتحدة يعد من أهم القضايا، ورغم تقلب موقف ترامب، فإن الوضع الداخلي في إيران أكثر انتظاما واستقرارا مقارنة بموقفه.

وللحفاظ على المصالح الوطنية، من الضروري بدء المفاوضات، وقد أوضحت للمعنيين أن رفض التفاوض مع الولايات المتحدة وأوروبا يعني اللعب في ملعب إسرائيل، فإسرائيل هاجمتنا أساسا لإيقاف استمرار المفاوضات، وكنا قد أجرينا خمس جولات من المفاوضات وحددنا الجولة السادسة، لكن الهجوم جاء ليوقف ذلك.

ولن يفرض أحد علينا شروطا قسرية، وسنذهب إلى طاولة المفاوضات ونحن يقظون، دون وضع شروط غريبة، فبعض الشروط التي تُطرح على الإنترنت كمزاح، مثل عدم التفاوض مع ترامب حتى يصبح مسلما ويشهد بالشهادتين، هي بالطبع للمرح، لكن لا يجب أن يسيطر الطرف الآخر على كلامنا في كل مفاوضة، فكل طرف يعبر عن موقفه، وفي النهاية نتوصل إلى نقاط مشتركة تخدم مصالحنا الوطنية، وتبعد الخطر عن إيران والشعب.

هذا العام شهدنا عاشوراء مختلفا، وطلب المرشد الأعلى من المداح غناء “يا إيران”.. ما رأيك بالعناصر الثلاثة للهوية الإيرانية والإسلامية والشيعية؟

إن هذا الوضع جعل الناس يظهرون اليقظة التي تحدثنا عنها، ففي هذه المرحلة، كان اهتمام الناس منصبا على وحدة واستقلال إيران وحمايتها، ولهذا كانت جميع أناشيد محرم تحمل طابع الدفاع عن إيران، وهذا أمر إيجابي، وبعض الأشخاص اعترضوا قائلين، لماذا تدافعون عن إيران الآن بعد أن كنتم تنتقدونها سابقا؟ فمثل هذه الانتقادات الحادة ليست مناسبة، وحتى لو كنت أنا شخصيا قد انتقدت الوطنية الإيرانية سابقا وقلت إنها شرك، اليوم يجب استغلال هذا الموقف بدل إعادة فتح الماضي.

كما حدث في المفاوضات مع الولايات المتحدة، فبعض الأشخاص انتقدوا التفاوض سابقا متسائلين عن سبب الدفاع عنه الآن، ولكن هذا السلوك قد يجعل الطرف الآخر متصلب المواقف، وإذا كان الموقف الحالي إيجابيا، فيجب تقديره بدل العودة إلى الماضي، وخلال هذه الفترة، ركز الجميع على عنصر الإيرانية لأنهم شعروا أن إيران في خطر.

بعد الحرب، كيف يجب على السلطة تلبية مطالب الشعب؟

في ردي على السؤال السابق، أكدت أنه في هذه المرحلة لا ينبغي أن نتوقع تغييرات جذرية، لأننا لا زلنا في خضم الحرب، ويجب أن نسمح لهذه المرحلة بأن تمر قبل طرح أي توقعات، وأهم توقع يمكن الإشارة إليه هو إعادة النظر في السياسة الخارجية، أما المشكلات الاقتصادية والمعيشية فهي الأهم بالنسبة للجماهير، بينما للمثقفين والطبقة الخاصة تكون الأولوية رفع القيود عن الإنترنت، ورفع الحصار، وإطلاق سراح السجناء السياسيين.
ولا يمكن حل مشكلات الاقتصاد والمعيشة بشكل كامل إلا بإعادة النظر الجادة في السياسة الخارجية، أي التخلي عن فكرة المواجهة مع العالم كله، كما قال الرئيس الإيراني مسعود بزشکیان، لا نتشاجر، فلا يجب أن تكون هناك صراعات داخلية أو خارجية، حتى وإن لم تكن هناك مصالح مشتركة مع الجميع، ويجب الحفاظ على مصالحنا الوطنية من خلال الدبلوماسية والحوار والتفاوض.

ولذلك، أرى أن أهم مطالب الجماهير هي تحسين مستوى المعيشة وحل المشكلات الاقتصادية عبر إعادة النظر في السياسة الخارجية، وكانت بدء المفاوضات مع الولايات المتحدة خطوة مهمة جدا، ويجب أيضا متابعة المفاوضات مع أوروبا بجدية ومنع الوصول إلى طريق مسدود، ونتائج هذه الخطوات ستساعد على حل المشكلات على المدى المتوسط، لا القصير.

أما بالنسبة للمثقفين والطبقة الخاصة، فمطالبهم مختلفة كما كان الحال سابقا، فالجماهير لا تهتم كثيرا بالديمقراطية والحريات، لكن هذه الأمور مهمة جدا للحفاظ على الدولة، ويجب على السلطة الانتباه لها لأنها قد تصبح نقطة ضعف يمكن من خلالها ضرب إيران والنظام، وخلال هذه الفترة الانتقالية، يجب على السلطة بدء مراجعات أساسية فيما يخص الديمقراطية والحريات، وكذلك الوضع المعيشي وفق الشرط الذي ذكرته.

لماذا وصلت إيران إلى هذا الوضع من الاختلالات وعدم التوازن، رغم أن خطة التنمية كانت تهدف إلى أن تكون إيران في الصدارة على مستوى المنطقة؟

نسأل الله أن يغفر لنا تقصيرنا، ويجب على المسؤولين توضيح أسباب الاختلالات للشعب، وبرأيي، لقد ارتكبنا أخطاء في السياسة الداخلية والخارجية، وشخصيا، بعد سجني الثاني بعد الثورة أصبحت معارضا لكل الثورات، لا فقط ثورتنا، فقد لاحظت أن أي ثورة تواجه خسائر كبيرة، حتى وإن كان قادتها ليسوا سيئين، كما حدث في الثورة الفرنسية حيث سلكت أوروبا الغربية الطريق نحو الرأسمالية دون استخدام العنف المفرط.

وفي عام 1988، زرت الجزائر كوزير للصناعات الثقيلة، ورغم صعوبة وضعنا الاقتصادي، كان المسؤولون هناك يعيشون حياة بسيطة ويحثوننا على الاستثمار في بلادهم دون أي استغلال مالي أو فساد، وثورة كوبا لم تكن مستبدة رغم تشابه هافانا مع طهران قديما، وكان الزعيم الثوري الكوبي الأسبق فيدل كاسترو شخصية غير سيئة، كما أن الجزائر لم تعرف ديكتاتورية، وكما أشار القائد الإصلاحي السابق مصطفى بازرغان، للثورة قائدان، الملك الذي مهد الطريق بسلوكه السلبي، والإمام الذي قادها إلى النجاح.

لا أحد يقرر الثورة؛ فهي نتيجة أخطاء السابقين، وجميع الثورات تنجح في هدم النظام القديم، لكن الصعوبة تكمن في بناء نظام جديد، خصوصا مع قلة خبرة القادة الجدد في الإدارة العليا، وأتذكر في منظمة مجاهدي الثورة أننا كنا نلتقي شهيد رجائي أسبوعيا، وعُرض عليه منصب رئيس الوزراء رغم خبرته المحدودة، فاضطر لقبول المنصب واختارني مساعدا له. 

ولم يكن أحد يعتقد أنه أخطأ، لكن المشكلة كانت أننا في بداية الثورة لم نكن نعرف كيفية البناء، بينما الهدم كان سهلا.

في الذكرى السنوية الأولى لحكومة بزشکیان، كيف تُقيّم أداء الحكومة خلال عام 2024 – 2025؟

برأيي، حكومة بزشکیان أدت أداء مقبولا بالنظر إلى موقعها وسلطتها ضمن النظام، وأداء بزشکیان لم يكن مذهلا، لكنه مقبول ضمن ما هو متاح من إمكانيات، وأهم ميزاته الصدق، وأتمنى ألا تتأثر هذه الميزة بالمشكلات المستقبلية، وحتى الآن، لم يحدث أي انتهاك لذلك، وعودة مشروع قانون الفضاء الإلكتروني يُوضح أن الحكومة لم تتصرف بحرية مطلقة دون رقابة، والأهم بالنسبة لنا أن تكون لدينا حكومة صادقة تعترف بأخطائها، وهذه الحكومة لديها أخطاء عديدة حلها ليس سهلا.

كما أن شعار الوِفاق الوطني كان جيدا جدا، ونراه عمليا في اجتماعات رؤساء السلطات الثلاث، حيث يعملون بتعاون وانسجام رغم اختلاف انتماء كل منهم فكريا، ونأمل أن يحقق بزشکیان أهدافه، فبعضهم يقول إن الحكومة لم تفعل شيئا، مثل وعده بمواجهة الفلترة، ورأينا بعض الخطوات مثل رفع الحظر عن واتساب، لكن يجب أن نأخذ في الاعتبار دور الحكومة في المجلس الأعلى للفضاء الإلكتروني ومشاركة الآخرين في القرار.

وأهم إنجاز للحكومة، برأيي، كان بدء المفاوضات مع الولايات المتحدة، رغم أن الحكومة لم تتخذ القرار مباشرة، لكنها ساهمت بطريقة أدت إلى استئناف المفاوضات بعد أكثر من أربعين عاما، ويمكن اعتبار هذا من إنجازات الحكومة أيضا.