إيران لديها الحق في ملاحقة جرائم إسرائيل أمام المحافل الدولية

Ad 4nxdijidrvzy4fn8pfaedphk64 k4jdpcbupl4 7o7 eqfgkffvfdzmtob cjc91ti6apxzaxwyvq7nkytuntw5qvbcc19b88vff9laluurphls86djuizvzz37zf0goxgzhi gaisakeyyn3jtwhsaj7vbefuqjmehg

بقلم: رؤيا إسماعيلي

مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل حيّز التنفيذ، بدأت تتكشف التقارير عن حجم الخسائر البشرية والمادية الناتجة عن الهجمات التي استمرت 12 يوما. فقد استهدفت هذه الهجمات البنية التحتية المدنية بشكل واسع، وضمن ذلك المناطق السكنية والمراكز الطبية، مما أدى إلى سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين.

وبحسب المعلومات المعلنة، شنّ الكيان الصهيوني ضربات مباشرة على عدد من المنشآت الصحية والخدمية، من بينها مستشفيات “وليّ عصر”، و”خاتم”، و”مطهري” لمعالجة الحروق، إضافة إلى مركز الرعاية الاجتماعية، ومركز التأهيل التابع للهلال الأحمر، ومبنى “السلام” التابع للهلال الأحمر، وقسم العناية المركزة بمستشفى “الفارابي” في كرمانشاه، وقاعدة الإسعاف 115 في مدينة الحويزة بمحافظة خوزستان.

كما تشير تقارير الطوارئ الإيرانية إلى تدمير أو تضرر تسع سيارات إسعاف، وإصابة 14 فنيا في فرق الإسعاف، بعضهم إصاباتهم بالغة تمنعهم من مواصلة العمل. كذلك تعرّض مركز صحي لأضرار كبيرة نتيجة هذه الهجمات.

في ضوء هذه الانتهاكات الواضحة للقانون الدولي الإنساني، تؤكد جهات قانونية أن من حق إيران متابعة هذه الجرائم أمام المحافل الدولية، وإثبات مسؤولية إسرائيل عن استهداف المدنيين والمنشآت الطبية.

ارتفاع عدد الضحايا وخسائر فادحة في البنية التحتية

أعلن رئيس مركز العلاقات العامة بوزارة الصحة الإيرانية أن حصيلة شهداء الهجمات الأخيرة ارتفعت حتى الآن إلى 627  شهيدا، في حين بلغ عدد الجرحى 4870 مصابا. من بين الشهداء 13 طفلا و49 امرأة، بينما تضم قائمة الجرحى 185 امرأة و65 شخصا دون سن العشرين. كما استشهد 5 من الكوادر الطبية والصحية، وأُصيب 20 آخرون.

أما على صعيد الأضرار في القطاع الصحي، فقد طالت الهجمات 7 مستشفيات، و4 وحدات صحية، و6 مراكز إسعاف، ما يُشكل ضربة قاسية للبنية التحتية العلاجية في البلاد.

وفي سياق متصل، أفاد وزير التربية والتعليم أن 20 تلميذا فقدوا حياتهم جراء هذه الهجمات. كما أعلنت جمعية الهلال الأحمر الإيراني عن استشهاد 4 من أفراد فرق الإنقاذ، واستهداف مروحية تابعة لها بشكل مباشر.

وأكدت الجهات المعنية أن هذه الإحصائيات ما تزال قابلة للتحديث، مع وجود احتمالية لارتفاع أعداد الضحايا واتساع نطاق الخسائر المادية.

من جانبه، صرّح رئيس الجمعية الإيرانية لأطباء الأمراض الباطنية قائلا:

“الاعتداءات لم تستهدف المدنيين فقط بشكل غير مباشر، بل وجّهت ضرباتها المباشرة أيضا إلى المرضى أنفسهم. فاستهداف المستشفيات هو استهداف لأضعف فئات المجتمع وأكثرها حاجة للرعاية”.

ويطرح هذا الواقع المأساوي سؤالا ملحا: هل يمكن لإيران أن تلاحق إسرائيل قانونيا في المحافل الدولية؟

في القانون الدولي، تُبحث النزاعات المسلحة ضمن مسارين:

  • الحق في اللجوء إلى الحرب، الذي يتناول مشروعية بدء النزاع.

–  قوانين الحرب، التي تنظّم سلوك أطراف النزاع أثناء القتال.

ووفقا للمادة (2) الفقرة (4) من ميثاق الأمم المتحدة، فإن أي تهديد أو استخدام للقوة ضد دولة أخرى محظور. وبناء عليه، فإن الهجوم الذي شنه الاحتلال الإسرائيلي على إيران يُعد انتهاكا واضحا وصريحا للميثاق، ويُصنّف كعمل غير مشروع بموجب القانون الدولي.

الشق الثاني من قانون الحرب، وهو القانون الإنساني الدولي، يركّز على تنظيم سلوك أطراف النزاع أثناء فترات القتال. هذا القانون، الذي تم تدوينه في اتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، يُلزم جميع الأطراف المتحاربة باحترام قواعد تهدف إلى حماية المدنيين، والأسرى، والمواقع غير العسكرية.

وتختص الاتفاقية الرابعة من اتفاقيات جنيف بحماية المدنيين زمن الحرب، بينما يعزّز البروتوكول الإضافي لعام 1977 هذه الحماية عبر نصوص أكثر تحديدا.

وكون إسرائيل طرفا في اتفاقيات جنيف، فهي ملزمة قانونا باحترام هذه الالتزامات. وتنص هذه المواثيق صراحة على أن المنشآت والأملاك المدنية – مثل المستشفيات، سيارات الإسعاف، المراكز الصحية، بل وحتى المنشآت النووية كمحطات الطاقة – يجب أن تُحصن ضد أي استهداف عسكري.

وتُحظر المادة 56 من البروتوكول الإضافي الهجمات على المنشآت النووية والبنى التحتية الحيوية بشكل صريح.

من هذا المنطلق، فإن الاعتداءات التي استهدفت مستشفيات، سيارات إسعاف، ومرافق مدنية داخل إيران تُعد انتهاكا واضحا لهذه الالتزامات الدولية.

ورغم هذا الوضوح القانوني، إلا أن أحد أبرز نقائص القانون الدولي هو غياب آليات تنفيذ فعالة ضد الأطراف المخالفة. فبالرغم من أن الهجمات الأخيرة على المدنيين والبنية التحتية الإيرانية تُعد من منظور القانون الدولي “أعمالا غير قانونية”، فإن إمكانية رفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية تواجه عقبات قانونية، بسبب القيود المنصوص عليها في تلك المعاهدات.

هذا الواقع يكشف ثغرات حقيقية في النظام القضائي الدولي، فبرغم أن الأفعال التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي تُعد انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني، إلا أن القيود البنيوية المفروضة على آليات المحاسبة الدولية تُقيّد من قدرة إيران على تحصيل حقوقها الكاملة وملاحقة المعتدين عبر القنوات القضائية العالمية.

تُعد محكمة العدل الدولية الذراع القضائي الرئيسي للأمم المتحدة، وهي مسؤولة عن الفصل في النزاعات القانونية بين الدول. ومع ذلك، فإن صلاحياتها محدودة، إذ لا يمكن للمحكمة النظر في أي قضية إلا في حال توفر أحد شرطين:

أن يوافق الطرفان المتنازعان صراحة على إحالة النزاع إليها، أو أن يتضمن اتفاق دولي أو معاهدة بين الطرفين نصا يُجيز للمحكمة النظر في النزاعات الناشئة عنه.

على سبيل المثال، في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة لاهاي، تمكّنت المحكمة من النظر في الدعوى استنادا إلى اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، التي تنص صراحة على اختصاص المحكمة في هذا الشأن.

لكن فيما يخص اتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي لعام 1977، التي تُنظّم قواعد القانون الإنساني الدولي، فإنها لا تتضمن نصا يسمح بإحالة الانتهاكات مباشرة إلى محكمة العدل الدولية. وبناء عليه، لا يمكن لإيران رفع دعوى قانونية مباشرة ضد إسرائيل أمام هذه المحكمة بشأن الهجمات الأخيرة.

من جهة أخرى، هناك المحكمة الجنائية الدولية، والتي تُعنى بمقاضاة الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ومن بينها استهداف المدنيين أو المنشآت المحمية مثل المستشفيات، كما تنص على ذلك نظام روما الأساسي.

لكن، كي تتمكن المحكمة من النظر في مثل هذه الجرائم، يجب أن تكون الدولة التي وقع فيها الانتهاك، أوالدولة التي ينتمي إليها المتهم، منضمة إلى المحكمة كعضو.

وفي هذه الحالة، لا إيران ولا إسرائيل أعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، مما يُغلق باب المحاسبة القضائية عبر هذا المسار كذلك.

وبالتالي، وعلى الرغم من أن الانتهاكات المرتكبة تندرج ضمن الجرائم الدولية الواضحة، فإن العوائق القانونية والإجرائية تحول دون ملاحقة إسرائيل أمام الهيئات القضائية الدولية، وهو ما يُبرز نقائص جوهرية في بنية النظام القضائي الدولي، ويضع علامات استفهام حول فاعليته في حماية الشعوب من العدوان.

لماذا تختلف حالة فلسطين عن إيران؟

تمكّنت فلسطين من رفع دعاوى قانونية ضد إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية، وذلك لأنها عضو في المحكمة منذ عام 2015. وبموجب هذه العضوية، استطاعت تقديم شكاوى تتعلّق بـالجرائم المرتكبة في قطاع غزة والضفة الغربية، والتي استندت إلى انتهاك اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الملحقة بها.

وقد أدّت هذه الإجراءات بالفعل إلى صدور مذكرة توقيف دولية من المحكمة قبل أشهر بحق كلّ من: بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، ويوآف غالانت، وزير الدفاع السابق، بتهمة ارتكاب جرائم حرب.

أما في حالة إيران، وبسبب عدم انضمامها إلى المحكمة الجنائية الدولية، فلا تملك المسار القانوني نفسه الذي سلكته فلسطين. فالمحكمة لا تستطيع مباشرة النظر في أي جريمة وقعت داخل أراضي دولة غير عضو، ما لم يصدر تفويض خاص من مجلس الأمن الدولي.

ورغم أن هناك آمالا سياسية ودبلوماسية في أن تجد إيران طرقا أخرى لملاحقة الانتهاكات، إلا أن القصور البنيوي في النظام القضائي الدولي، وخاصة غياب آليات تنفيذية قوية، يُشكّل عقبة حقيقية أمام تحقيق العدالة.

إضافة إلى ذلك، فإن مجلس الأمن الدولي قد يُعقد جلسات خاصة لمناقشة هذه الانتهاكات، كما حدث سابقا. لكن بسبب امتلاك الولايات المتحدة لحق النقض (الفيتو)، والتي تستخدمه تقليديا لحماية إسرائيل، من غير المرجح أن يتم تمرير أي قرار يدين إسرائيل أو يُمهّد لإجراءات قضائية ضدها.

بالتالي، فإن التعقيدات القانونية والتوازنات السياسية العالمية تجعل من ملاحقة إسرائيل دوليا مسألة شبه مستحيلة في الوقت الراهن، وهو ما يُسلّط الضوء على الهوة بين مبادئ العدالة الدولية وممارساتها الواقعية.

وزارة الخارجية الإيرانية يمكنها، من خلال تفعيل الدبلوماسية النشطة والتشاور مع دول حركة عدم الانحياز وأعضاء منظمة التعاون الإسلامي، أن تطرح القضية في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وعلى عكس مجلس الأمن، لا يوجد في الجمعية العامة حق النقض، ولكل دولة صوت متساو.
بإمكان إيران، عبر التحالفات وكسب دعم الدول المتفقة معها، أن تسعى إلى تمرير قرار يدين الهجمات الأخيرة.

ورغم أن من الناحية القانونية هناك إجماع بين خبراء القانون على أن إسرائيل انتهكت القوانين الدولية، فإن القيود التنفيذية تعيق المتابعة الفاعلة في المحاكم الدولية.
ففي حالات مثل دعوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل بتهمة الإبادة الجماعية، أتاح بند في اتفاقية منع الإبادة للمحكمة الدولية النظر في القضية.

أما في المحكمة الجنائية الدولية، فإن عضوية فلسطين مهّدت الطريق لإصدار مذكرة توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين. لكن في حالة إيران، فإن غياب الصلاحية القضائية في هذه الاتفاقيات يجعل المتابعة القانونية أمرا صعبا.

ومع ذلك، فإن الساحة السياسية، مثل الجمعية العامة للأمم المتحدة، تتيح فرصا لطرح القضية وكسب الدعم الدولي.