- زاد إيران - المحرر
- 552 Views
كتب: سيد نيما موسوي
في 30 يوليو/تموز 2025، دخل مسعود بزشكيان عامه الثاني في رئاسة الجمهورية، بعد فوز حققه قبل عام كان ثمرة سلسلة من التطورات التي شهدتها السنوات الأخيرة من حكم إبراهيم رئيسي، وبرأيي، فإن انتصاره لم يكن حدثا عابرا، بل نتيجة مباشرة لثلاثة عوامل أساسية: احتجاجات عام 2022 في إيران، وتصاعد الانقسامات القومية خلال العقد الأخير، وأخيرا رغبة صانعي القرار في السياسة الخارجية بتسريع التوصل إلى اتفاق مع الغرب.
وفي هذه المقالة، سنتناول هذه العوامل الثلاثة باعتبارها المحركات الكبرى التي مهّدت الطريق لوصول بزشكيان إلى سدة الحكم في انتخابات 2024.
على مدى العقود الثلاثة الماضية، ظل مسعود بزشكيان شخصية على هامش المشهد السياسي، فقد برز لأول مرة حين تولى منصب وزير الصحة في حكومة محمد خاتمي عام 2001، في فترة شهدت تحولات في الاقتصاد السياسي الإيراني مع اقتراب نهاية الخطة التنموية الثالثة. ففي عهد هاشمي رفسنجاني، كانت الاستراتيجية الاقتصادية تميل نحو الانخراط في “إجماع واشنطن”، بينما تبنّى فريق خاتمي رؤية أقرب إلى نموذج “دولة الرفاه” واليسار الجديد الذي طرحه أنطوني غيدنز على غرار حزب العمال البريطاني، وتزامن ذلك مع تأسيس وزارة الرفاه في الولاية الثانية لخاتمي.
خلال فترة توليه وزارة الصحة، أطلق بزشكيان مشروع التأمين الصحي لسكان القرى والقبائل الرحّل، وأدخل برنامج “الطبيب الأسري” في أشهره الأخيرة بالمنصب، كما أشرف على حملات وطنية للتطعيم ضد الحصبة، وبرنامج مكافحة شلل الأطفال الذي انطلق مطلع الألفية الجديدة.
بعد خروجه من الوزارة عام 2005، خاض انتخابات البرلمان في 2008 وفاز بمقعد ممثلا عن تبريز، وظل يشغل هذا المنصب حتى انتخابه رئيسا، طوال هذه السنوات، نادرا ما خاض في الصراعات السياسية الكبرى، واكتفى بالتركيز على القضايا القومية في تبريز، دون ارتباط يُذكر بالأحزاب السياسية المؤثرة في طهران، أما انتقاله من موقع النائب الهامشي إلى قصر الرئاسة، فجاء على وقع حادثة سقوط مروحية إبراهيم رئيسي، مدفوعا بجملة العوامل التي سنستعرضها في هذا المقال.
العامل الأول وراء فوز مسعود بزشكيان في الانتخابات الرئاسية كان احتجاجات عام 2022 في إيران، فقد أدّت الانقسامات داخل حكومة إبراهيم رئيسي بين الجناح المقرّب من محمد باقر قاليباف والجناح المقرّب من جبهة بايداري إلى سلسلة من الفضائح المرتبطة بالحياة الشخصية لقاليباف، وانتهت بأزمة كبيرة تمثّلت في إقالة حسين طائب، قائد جهاز استخبارات الحرس الثوري.
وبعد شهرين فقط من عزل طائب، ومع ازدياد الهشاشة الأمنية في حكومة رئيسي، اندلعت احتجاجات 2022 التي قادتها الأحزاب الإصلاحية، بعد أن أُقصيت عن المشهد منذ انتخابات 2021، وكانت شرارة هذه الاحتجاجات حادثة الوفاة الغامضة لمهسا أميني، التي كشفت تفاصيلها صحفيتان من جريدة شرق المقرّبة من الإصلاحيين، فيما أطلق محمد رضا جلائي بور، المستشار الحالي لبزشكيان، الحملة الإعلامية العالمية باسم “مهسا أميني”.
أدّى ضعف تعامل حكومة رئيسي – التي فقدت سندها الأمني – مع هذه الأزمة، إلى تآكل شعبيته، في وقت كانت فيه البلاد تعاني من تضخم غير مسبوق في أسعار المواد الغذائية، عقب إلغاء الدعم المتمثل في العملة التفضيلية للسلع الأساسية في مايو/أيار 2022، وقد مثّل هذان الحدثان معا السبب الرئيسي لانحدار شعبية رئيسي.

ومع انحسار الاحتجاجات مطلع عام 2023، عاد الصراع بين جناح قاليباف وجبهة بايداري ليتصاعد داخل أروقة السلطة، وانتهى بفوز حزب الصمود في الانتخابات البرلمانية في مارس/آذار 2024، التي خاضها الطرفان بقائمتين منفصلتين.
لقد كانت أحداث 2022 من أبرز العوامل التي أضعفت القوى الراديكالية في النظام، وعمّقت خلافها مع فريق قاليباف والحرس الثوري، وبعد حادث سقوط مروحية رئيسي، عجزت هذه القوى عن حشد دعم واسع لسعيد جليلي، لتنتهي الانتخابات الرئاسية في يوليو/تموز 2024 بفوز مسعود بزشكيان على جليلي.
أما العامل الثاني فمع الانتقال الذي شهدته إيران منذ عهد حسن روحاني من الخطاب الإسلامي إلى خطاب “القومية المحافظة”، برزت بالتوازي مع هذا التحوّل الهويات القومية والإثنية في البلاد.
فحتى ما قبل هذا التغيير – الذي كان نتاجا مباشرا لاحتجاجات 2009 وحركة “سبز” أو الحركة الخضراء – كان الإسلام السياسي ورموزه القاسم المشترك بين مختلف المكوّنات القومية في إيران من أتراك وعرب وبلوش ولور وأكراد، غير أن تصاعد الخطاب القومي ساهم في إحياء وتعزيز هذه الهويات القومية. فقد أصبح نادي تراكتور سازي لكرة القدم في تبريز رمزا لهوية الإيرانيين الأتراك في شمال غرب البلاد، تماما كما بدأت الهويات الكردية والبلوشية وغيرها بالازدهار.
وجاءت احتجاجات 2022، عقب وفاة مهسا أميني، لتوفّر أرضية خصبة لتصاعد الخطابات القومية؛ إذ كانت الضحية فتاة كردية تنتمي أسرتها إلى أحزاب كردية انفصالية، وقد قُتلت في العاصمة، الأمر الذي أشعل المشاعر القومية ليس فقط في المناطق الكردية، بل أيضا بين مختلف القوميات في أنحاء إيران.
وإلى جانب ذلك، شهد إقليم بلوشستان نموا في أنشطة الجماعات المسلحة والمتطرفة، في سياق تصاعد التوترات القومية، وهو ما انسجم مع سياسة إدارة بايدن تجاه إيران، حيث دأب التيار العالمي (العولميون) على دعم مشاريع تفكيك البلاد.
وفي الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد مسعود بزشكيان – الذي كان خلال سنوات تمثيله لتبريز في البرلمان رمزا للمطالب القومية – الفرصة سانحة لركوب هذه الموجة والفوز بالانتخابات، وجاء أقوى انتصاراته من أربع محافظات ذات أغلبية تركية في شمال غرب إيران، إضافة إلى محافظتين كرديتين في الغرب، وقد ركّز منذ انطلاق حملته الانتخابية على المطالب القومية، وكانت أولى خطاباته في منطقتين تركيتين هما نسيم شهر ورباط كريم في ضواحي طهران.
إن استثماره في المطالب القومية، إلى جانب دعمه منذ سنوات البرلمان لفكرة الفيدرالية في إيران، كانا من أبرز العوامل التي عززت شعبيته، وبعد توليه الرئاسة، قدّم مشروعا لزيادة صلاحيات المحافظين، إلا أن البرلمان رفض إقراره.

3-جزء مهم من صانعي القرار في السياسة الخارجية الإيرانية كانوا يرون أن فترة حكم بايدن مناسبة للتوصل إلى اتفاق مع الغرب، فقد اعتقدوا أن حكومة قريبة من الإصلاحيين، تستعين بالفريق الدبلوماسي الذي وقّع اتفاق الاتفاق النووي (برجام) عام 2015، يمكنها بالتعاون مع إدارة بايدن إعادة إيران إلى مسار الاتفاق.
هذا الفريق، الذي ضمّ محمد جواد ظريف وعباس عراقجي ومجيد تخت روانجي، أُبعد عن المشهد التنفيذي بعد انتخابات 2021، إذ كانت أولوية إبراهيم رئيسي هي تعزيز التعاون مع الشرق والانضمام إلى تكتلات مثل “بريكس” و”الاتحاد الأوراسي” و”منظمة شنغهاي”.
وقد كان صانعو القرار هؤلاء من أبرز داعمي الحملة الانتخابية لمسعود بزشكيان، بهدف تمهيد الطريق لإحياء اتفاق 2015 قبل انتهاء ولاية بايدن، غير أن هذا المسار لم يحقق النجاح المنشود.
يبدو واضحا أن فوز مسعود بزشكيان كان بالدرجة الأولى نتيجة تفاعل العوامل الثلاثة التي ذُكرت أعلاه، فقد أدّى تصاعد الطابع القومي في السياسة – الذي برز خلال احتجاجات 2022 وتكرّس في انتخابات 2024 – إلى مخاطر محتملة على وحدة الأراضي الإيرانية، خصوصا في ظل اعتماد كثير من النخب الأمنية في إسرائيل على تفاقم الانقسامات القومية داخل إيران.
ومن جهة أخرى، فإن فوز بزشكيان، الذي جاء نتيجة تحالف بين الإصلاحيين وفريق قاليباف، قد يقود إلى تهميش الداعمين الرئيسيين للنظام السياسي والقوى الراديكالية، وهو ما قد يشكّل تحديا مهما أمام شرعية الجمهورية الإسلامية.
أما السعي وراء فكرة “الاتفاق مع الغرب”، فقد ظل حتى الآن دون إنجاز ملموس، حتى في وقت تغيّر فيه المشهد الدولي بين عهد ترامب وعام 2015، وتشير حصيلة عام من حكم بزشكيان إلى أنه يواجه صعوبة في تلبية جزء كبير من مطالب ناخبيه.
كما أن انضمام علي لاريجاني، السياسي المخضرم، إلى حكومة بزشكيان في منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، يعكس إدراك الرئيس لحاجته إلى مساعدين أكثر قوة وكفاءة في إدارة شؤون البلاد.

