- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 412 Views
يعتبر البسيج الإيراني أحد أبرز التشكيلات ذات الطابع الشعبي العقائدي في بنية الدولة الإيرانية، وبنية أحد أهم مؤسستها العسكرية، حيث يجمع بين العمل الاجتماعي والتعبئة الفكرية والوظيفة شبه العسكرية، ما يجعله ظاهرة مركبة يصعب اختزالها في دور واحد. نشأ هذا التنظيم في لحظة تاريخية مفصلية، وتطوّر عبر عقود ليصبح شبكة واسعة الانتشار داخل المجتمع الإيراني، مع حضور لافت في السياقات العسكرية والأمنية. وعطفا على التقرير الذي أعده “زاد إيران” حول مؤسسة خاتم الأنبياء ودورها في الحرب، نتابع تعريف القارئ العربي بأهم قطاعات الحرس الثوري المؤثرة في المشهد الحالي في الحرب والذي يتردد اسمه بكثرة على شاشات الأخبار.
البسيج… من تعبئة شعبية بعد الثورة إلى ذراع عقائدية للدولة
ترتبط نشأة البسيج، وهي كلمة فارسية معناها الحشد أو التعبئة، ارتباطا وثيقا بظروف ما بعد الثورة الإسلامية في إيران عام ١٩٧٩، وهي المرحلة التي اتسمت بقدر كبير من الاضطراب السياسي والأمني. ففي تلك الفترة، سعت القيادة الجديدة إلى تثبيت أركان النظام وسط مخاوف من عودة قوى النظام السابق أو تدخلات خارجية تهدف إلى إجهاض الثورة. في هذا السياق، دعا المرشد الإيراني الأول روح الله الخميني إلى إنشاء قوة شعبية تحت مسمى بسيج المستضعفين، يكون هدفها الأساسي تعبئة الجماهير للدفاع عن الثورة وحمايتها، فيما لم يكن هذا التأسيس مجرد إجراء أمني، بل كان يعكس رؤية أيديولوجية ترى في الشعب نفسه خط الدفاع الأول عن النظام، بدل الاعتماد الحصري على الجيش التقليدي الذي كانت تحوم حوله الشكوك آنذاك.

وقد جاء تأسيس البسيج في ظل غياب الثقة الكاملة بالمؤسسات العسكرية التي ورثتها الدولة الجديدة من عهد الشاه، وهو ما دفع إلى بناء منظومة موازية تقوم على الولاء العقائدي، فالبسيج لم يصمم في البداية كقوة عسكرية احترافية، بل كحالة تعبئة دائمة داخل المجتمع، حيث يمكن لأي فرد الانضمام إليه والمشاركة في حماية الثورة، حسب مصطلح الفترة، وفق المفهوم الذي طرحته القيادة. ومن هنا، أخذ البسيج طابعا شعبيا واسعا، حيث تم فتح أبوابه أمام مختلف الفئات، بما في ذلك الشباب والطلاب والعمال، بل وحتى الفئات الأقل خبرة عسكرية، على أساس أن الحافز العقائدي يمكن أن يعوض النقص في التدريب.

ومع تطور الأوضاع الداخلية، بدأت ملامح البسيج تتبلور بشكل أكثر تنظيما، حيث جرى إنشاء قواعد محلية في المدن والقرى، وربطها تدريجيا بهيكل الدولة. وقد شكل اندلاع الحرب العراقية الإيرانية نقطة تحول حاسمة في مسار البسيج، إذ تحول من فكرة تعبئة شعبية إلى قوة فعلية يتم الاعتماد عليها في الجبهات. وخلال تلك الفترة، تم استيعاب أعداد ضخمة من المتطوعين، ما منح البسيج بعدا عسكريا أكثر وضوحا. كما تم إدماجه لاحقا ضمن هيكل الحرس الثوري الإيراني، ليصبح جزءا من منظومة الدفاعلرسمية، مع الاحتفاظ بطابعه الشعبي. وهكذا، يمكن القول إن نشأة البسيج لم تكن مجرد استجابة ظرفية، بل كانت تأسيسًا طويل الأمد لأداة تجمع بين التعبئة الاجتماعية والوظيفة الأمنية والعسكرية.
التكوين… شبكة شعبية متعددة الأدوار بين الأمن والتعبئة الاجتماعية
يتسم البسيج بتركيبة تنظيمية معقدة تعكس طبيعته كقوة شعبية واسعة الانتشار، فهو ليس مؤسسة مغلقة على فئة محددة، بل شبكة مفتوحة تشمل شرائح متعددة من المجتمع الإيراني، ما يمنحه قدرة استثنائية على التغلغل في الحياة اليومية. تبدأ هذه التركيبة من القواعد المحلية المنتشرة في الأحياء والقرى، حيث يعمل البسيج على تنظيم الأفراد ضمن وحدات صغيرة يمكن تعبئتها بسرعة عند الحاجة. وتعد هذه القواعد العمود الفقري للتنظيم، إذ تمثل نقطة الاتصال المباشرة بين الدولة والمجتمع، وتتيح مراقبة التطورات المحلية والتفاعل معها بشكل سريع.

كما يتفرع البسيج إلى تشكيلات متخصصة، مثل البسيج الطلابي الذي ينشط في الجامعات، والبسيج النسائي الذي يستهدف مشاركة النساء في الأنشطة الاجتماعية والثقافية، إضافة إلى وحدات مهنية تضم العاملين في قطاعات مختلفة. هذا التنوع في البنية التنظيمية يعكس استراتيجية تهدف إلى دمج البسيج في مختلف مفاصل المجتمع، بحيث لا يكون مجرد قوة خارجية، بل جزءا من النسيج الاجتماعي نفسه. ومن خلال هذا الانتشار، يستطيع البسيج لعب دور مزدوج، فهو من جهة أداة تعبئة، ومن جهة أخرى وسيلة رصد ومتابعة للتوجهات الاجتماعية.
أما من حيث الوظائف، فإن البسيج يؤدي مجموعة واسعة من الأدوار التي تتداخل فيما بينها. ففي المجال الأمني، يستخدم كقوة مساندة للأجهزة الرسمية، خاصة في حالات الاضطراب الداخلي، حيث يتم نشر عناصره للمساعدة في ضبط الأوضاع. وفي المجال الثقافي، يلعب دورا بارزا في نشر القيم المرتبطة بالثورة، من خلال تنظيم فعاليات وبرامج تستهدف تعزيز الهوية الدينية والسياسية، فيما ينظر إلى هذا الدور على أنه جزء من استراتيجية أوسع للحفاظ على تماسك النظام، عبر التأثير في الوعي العام، لا سيما لدى الشباب.

ولا يقتصر نشاط البسيج على الجوانب الأمنية والثقافية، بل يمتد أيضا إلى المجال الاجتماعي والخدمي، حيث يشارك في حملات الإغاثة أثناء الكوارث الطبيعية، وفي تنفيذ مشاريع تنموية على المستوى المحلي. هذه الأنشطة تسهم في تعزيز صورته كقوة قريبة من المجتمع، وتمنحه شرعية إضافية تتجاوز الطابع الأمني. أما عسكريا، فيعد البسيج قوة احتياطية يمكن استدعاؤها لدعم القوات النظامية، حيث يخضع أفراده لتدريبات أساسية تؤهلهم للمشاركة في العمليات عند الضرورة. من خلال هذه الوظائف المتعددة، يظهر البسيج كأداة مرنة تجمع بين القوة الصلبة والناعمة في آن واحد.
الدور الحربي…من التعبئة الجماهيرية إلى الفاعل المحوري في الصراعات الحديثة
يتجلى الدور العسكري للبسيج بشكل أكثر وضوحا في سياق الحروب، حيث يتحول هذا التشكيل من قوة تعبئة شعبية إلى أحد الأعمدة الأساسية في الاستراتيجية الدفاعية الإيرانية، خاصة خلال الحرب العراقية الإيرانية. ففي تلك الحرب، واجهت إيران تحديات كبيرة على مستوى الموارد البشرية والتجهيزات العسكرية، في ظل الحصار ونقص الإمكانيات، ما دفعها إلى الاعتماد بشكل واسع على المتطوعين من البسيج لسد هذا العجز. وقد تم إرسال أعداد كبيرة من هؤلاء إلى الجبهات، حيث شاركوا في العمليات القتالية رغم محدودية خبرتهم العسكرية في كثير من الأحيان، إلا أن الحافز العقائدي لعب دورا حاسما في رفع معنوياتهم وتعزيز قدرتهم على الاستمرار في القتال.

خلال تلك المرحلة، ارتبط اسم البسيج بأساليب قتالية غير تقليدية، أبرزها الهجمات البشرية الجماعية التي كانت تهدف إلى اختراق خطوط الخصم، حتى مع ارتفاع كلفة الخسائر البشرية. ورغم الانتقادات التي وجهت لهذه التكتيكات، فإنها شكلت جزءا من السردية الرسمية التي قدمت البسيج كرمز للتضحية. كما لم يقتصر دوره على القتال المباشر، بل شمل الدعم اللوجستي، وتأمين الإمدادات، والمساندة الخلفية، ما جعله عنصرا متكاملا في منظومة الحرب. وقد ساهمت هذه التجربة في ترسيخ عقيدة قتالية قائمة على المزج بين التعبئة الأيديولوجية والمرونة الميدانية. وفي السنوات الأخيرة، ومع تصاعد التوترات الإقليمية، برزت أدوار جديدة للبسيج ضمن ما يعرف بالحرب غير المتكافئة، حيث يشارك في تأمين الجبهة الداخلية، وحماية المنشآت، ودعم العمليات اللوجستية المرتبطة بالتحركات العسكرية الإيرانية في الخارج.
وفي سياق الحرب الأخيرة بين إيران من جهة، وكل من إسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، برز البسيج كأحد أدوات إدارة الأزمة داخليا، حيث يستخدم في ضبط الأمن الداخلي، ومنع الاضطرابات، إلى جانب دوره في التعبئة العامة. وقد اكتسب هذا الدور أهمية إضافية في ظل استهداف القيادات العسكرية الإيرانية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على بنية القيادة المرتبطة بالبسيج.
على أن أحد أبرز المشاهد التي ظهر فيها أسم البسيج وقادته منذ بدء الحرب الأخيرة في مارس/ آذار 2026 عندما أعلن الحرس الثوري مقتل قائد وحدات البسيج غلام رضا سليماني في هجوم إسرائيلي، ما اعتبر من أبرز التطورات في سياق الحرب، فقد كان سليماني يعد من القيادات البارزة داخل الحرس الثوري، فقد كان القائد الذي ولد في العام ١٩٦٤، وانضم إلى البسيج منذ عام ١٩٨١، قد شارك في عشرات العمليات خلال الحرب العراقية الإيرانية، من بينها عمليات الفتح المبين وبيت المقدس ورمضان وخيبر، وتدرج في المناصب العسكرية حتى تولى قيادة وحدات وألوية عدة، قبل أن يتم تعيينه قائدا للبسيج عام ٢٠١٩ بقرار من المرشد الإيراني.

ولم يقتصر دور سليماني على الجانب العسكري، بل ارتبط اسمه أيضا بالملف الأمني الداخلي، حيث اعتبرته منظمات حقوقية شخصية محورية في إدارة عمليات قمع الاحتجاجات داخل إيران، خاصة منذ عام ٢٠٠٩ وما بعدها. وقد أدرج اسمه ضمن قوائم العقوبات الأمريكية والأوروبية على خلفية اتهامات تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك دوره في التعامل مع احتجاجات عام ٢٠١٩.
ويعكس مقتل قائد البسيج في هذا التوقيت حساسية الدور الذي يلعبه هذا التشكيل في بنية النظام الإيراني، خاصة في ظل تصاعد الصراع الإقليمي. كما يبرز مدى تداخل الأدوار بين البسيج والحرس الثوري، حيث لم يعد الفصل بين المهام العسكرية والأمنية واضحا، بل باتت هذه القوى تعمل ضمن منظومة واحدة تتعامل مع التهديدات على مختلف المستويات.
في المجمل، يظهر البسيج في سياق الحروب كأداة تعبئة بشرية وعقائدية، قادرة على التكيّف مع أنماط الصراع المختلفة، من الحروب التقليدية إلى المواجهات غير المباشرة. فمن دوره في الحرب العراقية الإيرانية، إلى حضوره في إدارة الأزمات الداخلية، وصولا إلى تأثره المباشر بالاستهدافات العسكرية الحديثة، يظل البسيج عنصرا محوريا في فهم الاستراتيجية الإيرانية، سواء على مستوى الدفاع أو إدارة الصراعات.

