نبض تحت الرماد: عندما تصبح المستشفيات والمدارس جبهة قتال

كتب: الترجمان

يدخل الصراع الراهن مرحلة حرجة تتسم بتجاوز كافة الخطوط الحمراء التي رسمتها المواثيق الدولية، حيث لم تعد المواجهات تقتصر على الجبهات العسكرية التقليدية، بل تحولت إلى ما يمكن تسميته “حرباً شاملة ضد الحياة المدنية”. 

تشير التقارير الصادرة عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وعلى لسان رئيستها ميريانا سبولياريك، إلى أن استهداف البنية التحتية الحيوية يمثل في جوهره حرباً مباشرة ضد المدنيين، وهو نمط من القتال يهدف إلى كسر الإرادة الشعبية عبر حرمان ملايين البشر من الخدمات الأساسية. 

إن هذا التحول في العقيدة العسكرية، الذي يتبعه المهاجمون (الولايات المتحدة وإسرائيل) ضد إيران، يعكس رغبة في تحويل الأراضي المأهولة إلى مناطق غير قابلة للعيش، مما يجعل من كل محطة طاقة، ومستشفى، ومدرسة، هدفاً محتملاً في بنك أهداف لا يفرق بين مقاتل ومدني.

المشهد الميداني والبعد الاستراتيجي بعد 26 يوما

مع مرور أكثر من 26 يوما على بدء الضربات العسكرية، تبدو الحسابات الميدانية معقدة ومغايرة لما خطط له المهاجمون. فبينما كانت الأهداف المعلنة تتعلق بتغيير الهيكل السياسي أو السيطرة على الممرات المائية، تشير الوقائع إلى فشل ذريع في تحقيق هذه الغايات. 

إن التقرير الميداني يوضح أن القوى المدافعة لم تستخدم بعد كافة أوراقها الاستراتيجية، حيث تتبع سياسة “إدارة التوتر المحسوس” التي تمنحها القدرة على التحكم في وتيرة الصراع. 

وبحسب آراء المحللين الاستراتيجيين مثل “جون ميرشايمر“، فإن المهاجمين باتوا في مأزق استراتيجي، حيث أصبحت الخيارات العسكرية التقليدية عاجزة عن حسم المعركة، في حين تحولت الجغرافيا الجبلية والتحصينات الطبيعية إلى سلاح فعال يعيق أي تقدم بري محتمل، مما دفع المهاجمين لتعويض هذا العجز عبر تكثيف القصف الجوي والصاروخي ضد المنشآت الحيوية.

سلاح الصواريخ: فشل التكنولوجيا وكلفة الدمار

شهدت الأسابيع الأخيرة استخداما مكثفا للصواريخ الباليستية والموجهة، إلا أن النتائج التقنية كشفت عن ثغرات كبيرة في الأنظمة الحديثة. تقارير عسكرية روسية أشارت إلى أن أنظمة الذكاء الاصطناعي (مثل نظام “ماون”) التي استخدمتها الولايات المتحدة لتحديد الأهداف وتوجيه الضربات، لم تكن بالكفاءة المتوقعة، حيث سجلت أخطاءً فادحة في دقة الإصابة، مما أدى إلى تدمير مجمعات سكنية ومرافق مدنية بدلا من الأهداف العسكرية. 

وفي المقابل، أثبتت الضربات الصاروخية الدفاعية قدرتها على اختراق العمق، حيث استهدفت منشآت حيوية في حيفا ومحيط مفاعل “ديمونا”، وهو ما شكل صدمة نفسية وسياسية كبرى للمهاجمين. 

إن هذا التبادل الصاروخي لم يقتصر أثره على الجانب العسكري، بل امتد ليزلزل استقرار أسواق الطاقة العالمية، حيث أدى تهديد المنشآت النفطية والغازية إلى قفزات جنونية في الأسعار، مما جعل الاقتصاد العالمي رهينة لنتائج هذه المواجهة.

Image

استهداف المنظومة الصحية: المستشفيات بين القصف والحصار الدوائي

تمثل المعاناة في القطاع الصحي الفصل الأكثر مأساوية في هذه الحرب، حيث تحولت المستشفيات من مراكز للشفاء إلى أهداف محاصرة بالنيران والقلق. تروي الشهادات الميدانية قصصا عن مرضى السرطان والأمراض المستعصية الذين يواجهون الموت مرتين، مرة بسبب المرض وأخرى بسبب انقطاع الدواء وصعوبة الوصول إلى المستشفيات تحت القصف.

 الإحصائيات تشير إلى أن تكلفة الدواء لغير المشمولين بالتأمين قفزت لتصل إلى ما بين 400 و500 مليون ريال (أي ما يعادل 380 دولار تقريبا) لبعض الجرعات البسيطة، بينما ارتفعت تكاليف حجز الأسرة الطبية لتصل إلى 45 مليون ريال (أي ما يعادل 35 دولار) للساعة الواحدة في بعض المراكز. 

هذا الوضع الكارثي دفع العديد من الكوادر الطبية للعمل تحت ضغوط نفسية هائلة، بينما اضطر المرضى لتأجيل عمليات جراحية مصيرية خوفا من استهداف المستشفيات التي تقع غالبا بالقرب من مراكز حيوية، مما خلق أزمة ثقة في الأمان الصحي داخل المدن الكبرى.

قطاع التعليم والبنية المدنية: تدمير المستقبل

لم تكن المدارس والمجمعات التعليمية بمنأى عن هذا الدمار، حيث تشير التقارير إلى أن القصف استهدف بشكل مباشر أو غير مباشر منشآت تعليمية، مما أسفر عن سقوط ضحايا بين الطلاب والمدنيين الذين التجأوا إلى هذه المباني كحصون أخيرة.

إن تحول المدارس إلى مراكز إيواء مدمرة يعكس حجم الكارثة الاجتماعية، حيث توقفت العملية التعليمية تماماً في المناطق المتضررة. وبالإضافة إلى المدارس، طال الدمار البنية التحتية الأساسية من شبكات مياه وكهرباء وطرق، مما أدى إلى شلل كامل في حياة الملايين. 

هذا النمط من الاستهداف المنهجي يهدف، بحسب مراقبين، إلى خلق حالة من الفوضى الاجتماعية والضغط الشعبي، إلا أن النتائج الميدانية أظهرت استجابة عكسية تمثلت في زيادة التلاحم الشعبي وعودة المغتربين للانضمام إلى صفوف الدفاع، مما أفشل خطط الرهان على الانقسام الداخلي.

التداعيات الاقتصادية العالمية وأزمة الممرات المائية

تمتد آثار هذه الحرب لتتجاوز الحدود الجغرافية لإيران، حيث يمثل مضيق هرمز الشريان الحيوي الذي يغذي العالم بالطاقة. الإحصائيات الأممية تؤكد أن هذا المضيق يتحكم في مرور 25% من تجارة النفط العالمية، و20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال، ونحو 30% من تجارة الأسمدة. 

إن تعطل حركة الملاحة في هذا الممر الاستراتيجي أدى إلى نشوء “صدمة اقتصادية” عالمية، حيث ارتفعت أسعار الوقود في الولايات المتحدة وأوروبا، مما وضع القادة السياسيين في الغرب أمام ضغوط داخلية متزايدة. 

وقد حذر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، من أن العالم يقف على حافة حرب أوسع وشلل اقتصادي دائم إذا لم يتم العودة إلى طاولة المفاوضات واحترام القانون الدولي، مشيرا إلى أن نموذج الدمار الذي شهدته غزة بدأ يتكرر في مناطق أخرى مثل لبنان وإيران، مما يهدد الاستقرار العالمي برمته.

Image

البحث عن مخرج من الباب الخلفي

في ظل هذا الانسداد الميداني، تشير التحركات السياسية إلى حالة من الارتباك في مراكز القرار لدى المهاجمين. فتصريحات دونالد ترامب المتناقضة، التي تراوحت بين التهديد بقصف منشآت الطاقة وبين الادعاء بوجود قنوات تفاوض، تعكس رغبة في الخروج من المأزق العسكري عبر “صفقات دراماتيكية” تحفظ ماء الوجه. 

ومن جهة أخرى، تشير التغييرات الهيكلية في مراكز صنع القرار الإيرانية، مثل تعيين محمد باقر ذو القدر خلفا لعلي لاريجاني أمين مجلس الأمن القومي الإيراني، إلى تحول نحو استراتيجية “الرجل الصلب” التي تجمع بين القوة العسكرية والذكاء الأمني، مما يغلق الباب أمام التنازلات الدبلوماسية الهشة. 

إن هذا الصراع السياسي يؤكد أن الحرب لم تعد مجرد تبادل لإطلاق النار، بل هي معركة إرادات سياسية يسعى فيها كل طرف لإثبات قدرته على الصمود الطويل.

تداعيات الحرب ومستقبل إعادة الإعمار

إن الحصيلة النهائية لهذا الصراع، بعد ما يقرب من شهر من القصف المكثف، تكشف عن فجوة هائلة بين الأهداف العسكرية والنتائج الإنسانية. فبينما فشل المهاجمون في تحقيق حسم استراتيجي، دفع المدنيون الثمن الأكبر من دمائهم ومستقبلهم. 

إن استهداف المستشفيات والمدارس والبنية التحتية للطاقة يمثل وصمة عار في جبين المجتمع الدولي الذي وقف عاجزا عن لجم هذا التصعيد. إن إعادة إعمار ما دمرته الصواريخ ستحتاج إلى عقود من العمل المضني والمليارات من الدولارات، ولكن الأثر الأعمق سيبقى في الذاكرة الجمعية للشعوب التي رأت في هذا الصراع محاولة لإبادتها حضاريا ومعيشيا. 

يبقى الأمل معلقا على تحرك دبلوماسي حقيقي ينزل الأطراف من “سلم التصعيد” قبل أن تنجرف المنطقة برمتها إلى هاوية لا قرار لها.

كلمات مفتاحية: