- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 175 Views
كتب: الترجمان
بينما كانت المنطقة تحبس أنفاسها بانتظار ساعة الصفر لتهديدات دونالد ترامب بضرب البنية التحتية للطاقة في إيران، انزاحت الستارة فجأة عن مشهد مغاير تماما؛ مشهد لم تكن أدواته الصواريخ أو المسيرات، بل “قنبلة سياسية” ألقيت في قلب طهران.
هذه القنبلة حملت اسما واحدا تردد صداه بين واشنطن وتل أبيب وعواصم المنطقة: محمد باقر قالیباف. رئيس البرلمان الإيراني، والجنرال السابق في الحرس الثوري، وجد نفسه فجأة محورا لرواية دولية متضاربة، تضعه تارة كخيار واشنطن المفضل لـ “تعامل براغماتي” ينهي الحرب، وتارة أخرى كهدف لعمليات اغتيال معنوية وجسدية تهدف لضرب تماسك الجبهة الداخلية الإيرانية.
من الخنادق إلى قبة البرلمان: رجل الميدان والدبلوماسية
لا يمكن فهم الزج باسم محمد باقر قالیباف في معادلة التفاوض الحالية دون العودة إلى جذوره؛ فالرجل البالغ من العمر 64 عاما ليس مجرد سياسي بيروقراطي، بل هو خريج مدرسة “الميدان” بامتياز.
بصفته قائدا سابقا للقوات الجوية في الحرس الثوري وطياراً يمتلك دكتوراه في الجغرافيا السياسية، يمثل قالیباف التجسيد الحي للتيار “الأصولي البراغماتي”. هو الرجل الذي قاد بلدية طهران لسنوات، وخاض غمار انتخابات رئاسية متعددة، وظل دائما قريبا من دوائر صنع القرار العليا، سواء تحت عباءة المرشد الراحل أو في تنسيقه الوثيق مع الحرس الثوري.
هذا المزيج من الخلفية العسكرية والخبرة التنفيذية والشرعية السياسية هو ما جعل الدوائر الغربية، وتحديدا تقارير “بوليتيكو” و”أكسيوس”، تنظر إليه كشخصية قادرة على إبرام “صفقة شجاعة” تتجاوز تعقيدات الأيديولوجيا الصرفة.

رواية واشنطن: البحث عن “دلسي رودريغيز” إيرانية
في أروقة البيت الأبيض، يبدو أن هناك قناعة متزايدة بأن الرهان على المعارضة الخارجية، مثل رضا بهلوي، هو رهان على خيول خاسرة تفتقر للقاعدة الشعبية والقدرة على تحريك الداخل، بل قد يؤدي دعمها إلى فوضى غير محكومة.
بدلا من ذلك، تشير التقارير إلى أن فريق ترامب يبحث عن “شريك من داخل النظام” يمتلك القدرة على التنفيذ. هنا برز اسم قالیباف كخيار جدي، حيث يرى بعض المسؤولين الأمريكيين فيه نموذجا مشابها للمسؤولة الفنزويلية دلسي رودريغيز، أي الشخصية التي تظل داخل هيكل السلطة لكنها مستعدة لتقديم تنازلات جوهرية، خاصة في ملفات الطاقة وتأمين الممرات المائية مثل مضيق هرمز، مقابل ضمان بقاء النظام واستقراره.
هذا التوجه يعكس رغبة ترامب في الانتقال من “الضغط العسكري الأقصى” إلى “نهاية تفاوضية” تضمن مصالح أمريكا النفطية وتجنب الأسواق العالمية صدمات كارثية.
بروباغندا أم حقيقة؟ جدار الإنكار في طهران
على الجانب الآخر، واجهت طهران هذه التقارير بجدار صلب من الإنكار والتحذير. المتحدث باسم الخارجية، إسماعيل بقائي، كان حاسما في تصريحاته لوسائل الإعلام الدولية، مؤكدا أن عباس عراقجي هو المسؤول الوحيد عن الدبلوماسية، وأن قالیباف يعمل ضمن صلاحياته الدستورية كرئيس للبرلمان.
هذا الإنكار لم يقتصر على الصبغة الرسمية، بل امتد لوسائل الإعلام المقربة من مراكز القوى التي اعتبرت الزج باسم قالیباف “مشروعا لزرع الفتنة”.
يرى هؤلاء أن واشنطن تهدف من خلال هذه التسريبات إلى إيجاد شرخ بين قوى التيار الثوري، وتصوير النظام ككتل متصارعة تتفاوض سرا بعيدا عن الأطر الرسمية، مما يضعف الروح المعنوية في لحظة مواجهة عسكرية حساسة.

لعبة التوازنات: لماذا قالیباف وليس غيره؟
تحليل المشهد الداخلي الإيراني يكشف عن أسباب أعمق لاختيار اسم قالیباف كبطل لهذه الدراما السياسية. فبعد غياب وجوه بارزة مثل علي لاريجاني عن الساحة، بات قالیباف يجمع في يده خيوطا متعددة، فهو يحظى بثقة الحرس الثوري، وله صلات قوية بالمرشد الجديد مجتبى خامنئي، ويمتلك لغة “عسكرية-سياسية” تمكنه من مخاطبة الداخل والخارج دون أن يُتهم بالضعف.
في الثقافة السياسية الإيرانية، التفاوض من قبل تيار “إصلاحي” يُنظر إليه غالبا كخيانة أو تنازل، بينما التفاوض الذي يقوده “أصولي” بوزن قالیباف يُفسر على أنه “مرونة بطولية” أو تفاوض من موقع القوة.
لذا، فإن قالیباف يمثل الجسر الوحيد الممكن بين راديكالية الميدان وضرورات الدبلوماسية، وهو ما يجعله هدفا سهلا للشائعات ومحاولات الاستقطاب في آن واحد.
سلاح “الاغتيال السياسي” والتهديد الوجودي
لا تتوقف الضغوط عند حدود التسريبات الدبلوماسية، بل تمتد إلى التهديد الجسدي المباشر. تصريحات النائب محمد رشيدي حول تعرض قالیباف لعدة محاولات اغتيال فاشلة تسلط الضوء على الخطورة التي يمثلها الرجل في حسابات أعداء إيران.
وفقاً لهذه الرؤية، فإن محاولة “حرق” اسمه سياسيا عبر ادعاءات التفاوض السري ليست إلا وجها آخر لمحاولة تغييبه جسدياً. ففي ظل “حرب رمضان” الجارية، يصبح قالیباف بمثابة “عقل مدبر” للعمليات الدفاعية، وتشويه صورته كمتفاوض “منفرد” يهدف إلى تجريده من حاضنته الثورية وجعل استهدافه أمرا مستساغا أو مبرراً في سياق تصفية حسابات داخلية.

تحذير من فوق السحاب: رسائل “إكس” النارية
وسط هذا الضجيج، اختار قالیباف أن يرد بأسلوبه الخاص، بعيدا عن لغة الدبلوماسيين الناعمة. عبر منصة “إكس”، باللغتين الفارسية والعربية، أطلق تحذيرا شديد اللهجة لأي دولة إقليمية تفكر في دعم عمليات عسكرية ضد الجزر الإيرانية، مهدداً بضرب “البنية التحتية الحيوية” لتلك الدول بلا قيود.
هذه الرسالة لم تكن موجهة للجيران فقط، بل كانت “برقية عاجلة” لواشنطن مفادها أن الشخص الذي تصفونه بـ “القابل للتعامل” هو نفسه الذي يقود لغة الردع العسكري، وأن أي رهان على شق صف القيادة الإيرانية سيصطدم بجبهة موحدة تضع الدفاع عن السيادة فوق أي اعتبار تفاوضي.

هل نحن أمام صفقة كبرى أم انفجار شامل؟
يبقى التساؤل الجوهري: هل تنجح وساطات باكستان ومصر وتركيا في تحويل هذه “الرسائل المتقاطعة” إلى طاولة مفاوضات حقيقية؟ ترامب يتحدث عن “تقدم ملموس” وفترة هدوء لخمسة أيام، بينما طهران تصر على أن ما يصلها ليس إلا رسائل عبر وسطاء تفتقر للمصداقية في ظل استمرار القصف.
في هذه المنطقة الرمادية، يظل اسم محمد باقر قالیباف يراوح بين كونه “مشروع منقذ” في نظر الغرب، و”رأس حربة للدفاع” في نظر الداخل. إن نجاح قالیباف في المناورة بين هذه الألغام سيحدد ليس فقط مستقبله السياسي، بل مسار المواجهة الكبرى في الشرق الأوسط.
في نهاية المطاف، تعكس “قضية قالیباف” أزمة الثقة العميقة وصراع الإرادات بين طهران وواشنطن. إن محاولة تصوير رئيس البرلمان كقناة خلفية للتفاوض هي استراتيجية مزدوجة الأهداف، فهي إما محاولة جادة لفتح باب موارب في جدار الأزمة، أو مناورة استخباراتية لزعزعة تماسك “نظام الميدان”.
وبينما تستمر الآلة الإعلامية الدولية في نسج السيناريوهات، يبقى اليقين الوحيد هو أن إيران، بكل أجنحتها، تدرك أن أي تفاوض مستقبلي لن يكون “بصك على بياض”، وأن رجالا بوزن قالیباف هم من سيرسمون حدود هذا التفاوض، سواء كان ذلك عبر فوهات المدافع أو من خلف الستائر الدبلوماسية الكثيفة.
إن الأيام القادمة، وتحديداً مهلة الخمسة أيام التي أعلنها ترامب، ستكون المختبر الحقيقي لمعرفة ما إذا كان “البُمب السياسي” سيؤدي إلى انفراجة تاريخية أم سيكون مجرد شرارة لاشتعال أكبر.

