- زاد إيران - المحرر
- 287 Views
كتب: الترجمان
لم تكن العاصمة اللبنانية بيروت، التي اعتادت على تلاطم أمواج الأزمات، تتوقع أن يشهد ربيع عام 2026 تحولا دراماتيكياً يعيد رسم خارطة علاقاتها الإقليمية من الجذور. في خطوة وُصفت بأنها “انتحار دبلوماسي” من قبل خصومها، و”صحوة سيادية” من قبل مؤيديها، أقدمت الحكومة اللبنانية على طرد السفير الإيراني المعين، محمد رضا رئوف شيباني، معلنة إياه “شخصا غير مرغوب فيه”.
هذا القرار الذي صدر في أعقاب اتهامات رسمية للحرس الثوري الإيراني بإدارة العمليات العسكرية لحزب الله، لا يمثل مجرد أزمة عابرة بين دولتين، بل هو “بتر” سياسي لمحاولة طهران إعادة هندسة الواقع اللبناني عسكريا.
تفاصيل “الثلاثاء الأسود” في أروقة الخارجية
في يوم الثلاثاء، 24 مارس/آذار 2026، خرج الدخان الأبيض من مبنى وزارة الخارجية والمغتربين اللبنانية، لكنه لم يكن يحمل بشائر سلام، بل نذير قطيعة. أعلنت الوزارة رسميا إلغاء الموافقة على استقرار السفير الإيراني الجديد، وأبلغت القائم بالأعمال الإيراني، توفيق صمدي خوشخو، بضرورة مغادرة السفير للأراضي اللبنانية في موعد أقصاه الأحد، 29 مارس/آذار الجاري.
البيان اللبناني كان حادا ومباشرا، إذ استند إلى المادتين 9 و41 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، متهماً طهران بانتهاك السيادة الوطنية من خلال “تصرفات تتجاوز العرف الدبلوماسي”.
الحيثيات لم تتوقف عند حدود الكلام البروتوكولي، بل غاصت في عمق الأزمة حيث اتهمت السلطات اللبنانية السفير بعقد لقاءات مع “أطراف غير رسمية” (في إشارة لحزب الله) دون إخطار الدولة، والتدخل في توجيه مسار الحرب مع إسرائيل.

ما وراء الطرد: الحرس الثوري و”خلايا النحل” العسكرية
لفهم الدوافع الحقيقية خلف هذا القرار، يجب النظر إلى ما وراء الستار الدبلوماسي. تشير التقارير الاستخباراتية المسربة، والتي تقاطعت مع توجهات الحكومة اللبنانية الحالية برئاسة “نواف سلام”، إلى أن إيران لم تكتفِ بالدعم اللوجستي لحزب الله، بل تحولت إلى “المشغل المباشر” للماكينة العسكرية للحزب.
بعد الضربة القاصمة التي تعرض لها حزب الله في عام 2024، والتي أدت إلى تصفية قيادات الصف الأول وعلى رأسهم الأمين العام حسن نصر الله، واجه الحزب خطر التحلل التنظيمي.
هنا دخل الحرس الثوري الإيراني بثقله. وتكشف المعلومات أن طهران أرسلت ما بين 100 إلى 150 ضابطا من “فيلق القدس” فور إعلان وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، ليس للتشاور، بل لإعادة بناء الهيكل العسكري.
بأوامر مباشرة من هؤلاء الضباط، تم التخلي عن الهيكلية الهرمية التقليدية التي سهلت للاحتلال الإسرائيلي اختراق الحزب. استبدل الحرس الثوري هذا النظام بنموذج “الخلايا اللامركزية” أو “دفاع الموزاييك”.
هذا التكتيك يعتمد على وحدات صغيرة مستقلة، لا تعرف الواحدة عن الأخرى شيئاً، وتدار مباشرة عبر خطوط اتصال مرتبطة بغرفة عمليات يشرف عليها مستشارون إيرانيون. هذا التدخل المباشر هو ما اعتبرته الدولة اللبنانية “احتلالا مقنعا” لقرار الحرب والسلم.

ردود الفعل: انقسام “البيت اللبناني” على نفسه
كما كان متوقعا، أحدث القرار شقا طوليا في الجسد السياسي اللبناني:
- جبهة الرفض: أصدر حزب الله بياناً شديد اللهجة، وصف فيه القرار بأنه “غناه وطنية كبرى” و”تسليم كامل للإرادة الأمريكية والإسرائيلية”. واتهم الحزب وزير الخارجية، يوسف رجي، بأنه يتصرف بمنطق “حزبي كيدي” يفتقر للحكمة الوطنية.
- الموقف التشريعي: دخل رئيس مجلس النواب، نبيه بري، على الخط بقوة، متحدياً قرار الحكومة. وصرح بلهجة حاسمة للسفير الإيراني: “لا تترك بيروت”، مؤكداً أن قرار الإخراج “لن ينفذ”، مما وضع البلاد أمام صراع دستوري بين السلطة التنفيذية والبرلمان.
- الموقف الإيراني: حاولت طهران في البداية امتصاص الصدمة، حيث زعم السفير شيباني أن العمل في السفارة يسير كالمعتاد، وأن مغادرة عائلات الدبلوماسيين كانت مجرد “إجراء وقائي” بسبب القصف، محاولاً تجاهل الصفعة الدبلوماسية الرسمية.

العلاقة العضوية: الحرس الثوري كـ “عمود فقري” للحزب
إن علاقة الحرس الثوري بحزب الله في عام 2026 لم تعد مجرد تحالف استراتيجي، بل أصبحت اندماجا عضويا. الحرس الثوري هو من يضع الآن جداول إطلاق الصواريخ المتزامنة بين لبنان وإيران، وهو من يدير ميزانية إعادة الإعمار العسكري.
لقد بات ضباط الحرس الثوري هم “الجنرالات الحقيقيين” في الميدان اللبناني، وهو ما أثبتته وقائع ميدانية؛ حيث قُتل ما لا يقل عن 12 عضوا من الحرس الثوري في غارات إسرائيلية استهدفت فنادق ومراكز قيادة في قلب بيروت خلال شهر مارس/آذار الحالي.
هذا الوجود الكثيف هو ما دفع الحكومة اللبنانية لاتخاذ قرار “منع أي نشاط أمني إيراني”، وهو القرار الذي شكل الشرارة الأولى لطرد السفير.

لبنان بين ضغوط الخارج ومعادلات الردع السيادي
إن الحديث المتداول حول تقليص التمثيل الدبلوماسي الإيراني في بيروت ليس مجرد إجراء إداري، بل يراه مراقبون كخطوة تتماشى مع ضغوط خارجية تهدف إلى فك الارتباط الاستراتيجي بين لبنان وعمقه الإقليمي الداعم للمقاومة.
تسعى بعض الأطراف لتصوير هذه الخطوة كـ “بيان استقلال”، بينما يراها آخرون محاولة لضرب التنسيق بين طهران وحلفائها الذين يشكلون ركيزة الدفاع الأساسية في الجنوب اللبناني.
لبنان اليوم يقف أمام خيارات مصيرية:
أولا: إذا انصاعت الحكومة للضغوط التي تستهدف الحضور الإيراني، فقد يؤدي ذلك إلى انكشاف لبنان استراتيجيا وتراجع القدرة التحليلية والسياسية لمحور المقاومة داخل الدولة، مما يفتح الباب أمام إملاءات دولية تهدف في نهايتها إلى تجريد المقاومة من سلاحها، وهو السلاح الذي يشكل الضمانة الوحيدة لحماية السيادة أمام الأطماع الإسرائيلية.
ثانيا: في المقابل، فإن تمسك القوى الوطنية (وعلى رأسها حزب الله وحركة أمل بقيادة رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري) بالحفاظ على توازن العلاقات الخارجية، ينبع من الحرص على عدم تحويل لبنان إلى ساحة لتنفيذ أجندات معادية للمقاومة. ويرى هذا الفريق أن القرارات الحكومية المتسرعة هي التي تهدد استقرار الدولة وتجعلها مرتهنة للخارج، بينما يمثل الارتباط بمحور المقاومة صمام أمان في وجه التهديدات المستمرة.
الخلاصة أن الجدل القائم حول الدور الإيراني هو جوهر الصراع على تعريف “الهوية” اللبنانية. هل يكون لبنان دولة تنسق مع حلفائها الصادقين لتعزيز قوتها؟ أم يتحول إلى كيان ضعيف يسهل اختراقه؟
الأيام القادمة، وتحديدا مهلة “الأحد 29 مارس/آذار”، ستكشف ما إذا كان لبنان سيحافظ على معادلة “الجيش والشعب والمقاومة”، أم سينجر خلف وعود دبلوماسية قد تتركه وحيدا في مواجهة الاحتلال. إنها معركة الحفاظ على خيار المقاومة، وهو الخيار الذي أثبتت فيه بيروت عبر العقود أنها لا تتخلى عن حلفائها الذين ساندوها في أحلك الظروف.

