- زاد إيران - المحرر
- 953 Views
▪︎ الحرب الإسرائيلية كشفت هشاشة النظام الإيراني وأصابت هيبته في الصميم
▪︎ الترويكا الأوروبية تواجه تحديات كبيرة في إعادة بناء الثقة مع طهران
▪︎ إيران تسعى لإطالة صراع غزة لكسب الوقت وتعزيز نفوذها الدبلوماسي
حوار: ربيع السعدني
عن تداعيات الحرب الإسرائيلية على الاستقرار السياسي والأمني في إيران، وتأثيرها على نفوذها الإقليمي، إضافة إلى مستقبل البرنامج النووي الإيراني بعد استهداف منشآت حيوية مثل نطنز وفوردو، أبرز ما طُرح في حوار “زاد إيران”، مع الدكتور فاضل اليونس، الباحث في العلاقات الدولية والأمن الدولي والمتخصص في السياسة الأمريكية وشؤون الشرق الأوسط، ويتضمن تحليلا عميقا للتحديات الراهنة التي تواجه إيران في ظل التوترات الإقليمية والدولية المتفاقمة.
يسلط اليونس الضوء أكثر على محاولة الاغتيال الفاشلة التي استهدفت قادة إيرانيين بارزين في 16 يونيو/حزيران 2025، وانعكاساتها على استقرار النظام وسياساته الداخلية والخارجية، ويناقش آفاق المفاوضات النووية مع الولايات المتحدة ودور الترويكا الأوروبية في إعادة بناء الثقة مع طهران، إلى جانب تحليل دور دول الخليج، مثل قطر وعُمان، في الوساطة الدبلوماسية، كما يستعرض التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجه إسرائيل من جراء الصراع مع إيران، وكيفية تأثير ذلك على ديناميكيات المنطقة في رؤية شاملة تربط بين الأبعاد الأمنية، السياسية والاقتصادية، مما يجعل هذا الحوار مرجعا أساسيا لفهم تعقيدات المشهد الإقليمي الراهن..
فإلى نص الحوار:
▪︎ كيف أثرت الحرب الإسرائيلية على الاستقرار السياسي الداخلي في إيران وقدرتها على بسط نفوذها إقليميا؟
يكمن تأثير الحرب الإسرائيلية على إيران في مستويين رئيسيين هما:-
المستوى الأمني والسياسي.. الحرب وجهت ضربة مباشرة للبنية الأمنية للنظام الإيراني، عبر تصفية قيادات محورية كانت تمثل أعمدة الهرم الأمني. ورغم الإسراع في تعيين بدائل، فإن هذه الخطوة جاءت اضطرارا تحت ضغط المتغيرات الخارجية، لا نتيجة مراجعة استراتيجية داخلية.
الأخطر أن الحرب كشفت اختراقات أمنية حساسة، ما أدخل القيادة الإيرانية في حالة ارتياب من ولاءات بعض الشخصيات المقربة، ودفعها إلى التفكير في عزل أو تحييد عناصر تحوم حولها الشبهات.
المستوى الشعبي
على المستوى، تعرضت صورة النظام لهزة واضحة؛ فلم يعد يُنظر إليه كقوة منيعة لا تُهزم، ليس فقط في أوساط المعارضة، بل حتى بين شرائح من قواعده التقليدية، هذا التآكل في الثقة قد ينعكس على استعداد هذه القواعد للانخراط في أي صراع مستقبلي لا يضمن النصر فيه، ما يضعف قدرة النظام على حشد الدعم الشعبي عند الحاجة
▪︎ بشأن البرنامج النووي الإيراني.. بعد تدمير منشآت نووية مثل نطنز وفوردو، هل ستزيد إيران من تخصيب اليورانيوم إلى مستويات أعلى، وما التبعات الاستراتيجية لذلك؟
بالطبع، ستسعى إيران إلى تسريع وتيرة تخصيب اليورانيوم، لكن السؤال الجوهري ليس “هل ستفعل؟” بل “متى ستفعل؟” في هذه المرحلة، من غير المرجح أن تُقدِم طهران على أي خطوة استفزازية مباشرة، مثل استئناف التخصيب بمستويات عالية، أو إعادة بناء منشآت تم استهدافها، أو حتى استخراج اليورانيوم المخصب المدفون عقب القصف الأمريكي.

بدلا من ذلك، ستُركّز إيران أولا على إعادة ترتيب أوراقها الداخلية، عبر ملء الفراغات الأمنية التي خلّفتها عمليات الاغتيال والتصفية، ومعالجة الثغرات الاستخباراتية التي مكّنت الموساد من اختراق العمق الإيراني، وبالتوازي مع ذلك، ستراقب طهران المشهدين الإقليمي والدولي، بانتظار ظروف مواتية تجعل من أي عملية عسكرية ضدها مخاطرة غير محسوبة وعديمة الجدوى، بمعنى آخر، إيران لن تتحرّك إلا حين تكون جاهزة داخليا، ومتيقّنة من أن الردّ الخارجي سيكون مكلفا لمن يهاجمها.
أما على صعيد النفوذ الإقليمي، فقد تلقت إيران ضربة واضحة، لكنها لا تزال تحتفظ بقدر من التأثير في مناطق لم تُستهدف بضربات مباشرة مثل العراق أو حاسمة ومؤثرة مثل اليمن، ومع ذلك، فإن هذا النفوذ بدأ يتآكل تدريجيا بفعل تراجع الثقة التي كانت تحظى بها طهران، ويُعزى هذا التراجع أيضا إلى عجز طهران عن حماية قياداتها من عمليات اغتيال دقيقة نُفذت من الداخل، أو عبر ضربات عسكرية مباشرة استهدفت شخصيات بارزة، ما أضعف هيبتها وأثار شكوكا حول قدرتها على توفير الحماية حتى لأقرب حلفائها.
في العراق تحديدا، بدأت الفصائل المسلحة الموالية لإيران بإعادة تقييم مواقفها، مبديةً ترددا متزايدا في الانخراط في مغامرات إقليمية تقودها طهران، وقد عكس هذا التغير تصريح رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، الذي أكد أن القوات الأمنية أحبطت 29 محاولة هجوم خططت لها فصائل مدعومة من إيران، من داخل الأراضي العراقية لاستهداف إسرائيل والمصالح الأميركية في دلالة واضحة على موقف بغداد الحذر من الانزلاق وراء الأجندة الإيرانية.
▪︎ ما التداعيات السياسية والأمنية لمحاولة الاغتيال الإسرائيلية الفاشلة التي استهدفت الرئيس الإيراني ومسؤولين بارزين مثل قاليباف وشمخاني وعراقجي خلال الهجوم الإسرائيلي على اجتماع المجلس الأعلى للأمن القومي في 16 يونيو/حزيران 2025؟
رغم أن النظام الإيراني يتمتع بطبيعة استبدادية تجعل مركز القرار متمحورا حول المرشد الأعلى علي خامنئي، فإن الانهيار الأمني المفاجئ الذي ضرب بنية النظام الاستخباراتية خلال ليلة واحدة كشف عن هشاشة عميقة لم تكن تُرى من الخارج، فقد سقطت فجأة عقود من السياسات الأمنية التي اعتُمد عليها لضمان بقاء النظام، مما زرع الشك والارتياب في رأس الهرم، وسيدفع خامنئي إلى إطلاق مراجعة شاملة تطال جميع المستويات الأمنية والسياسية.
▪︎ كيف أثرت هذه الحادثة على استقرار النظام الإيراني داخليا، والعلاقات الإقليمية مع إسرائيل والدول الداعمة لها، والتحقيقات الجارية حول احتمال وجود اختراقات استخباراتية؟
هذه الحالة من الذعر داخل النظام ستؤدي إلى استبعاد شخصيات قد تكون فعليا كفوءة لمجرد الاشتباه بولائها أو احتمال اختراقها، حتى دون أدلة دامغة وبالمقابل، سيتم الدفع بشخصيات ذات ولاء أعمى إلى مواقع حساسة، ما سيقوّض كفاءة الأداء التنفيذي والعسكري، ويحدّ من قدرة النظام على اتخاذ قرارات مصيرية في لحظات الأزمات، أما على مستوى الإقليم، فقد تلقت دول المنطقة مثل تركيا ودول الخليج ومصر، رسالة تحذيرية صادمة، دفعتها إلى إعادة تقييم وسائل حماية أنظمتها من الاختراق الخارجي، حيث بدأت بعض هذه الدول بفرض قيود على استخدام تطبيقات التواصل لدى مسؤوليها ومنتسبيها، وراجعت علاقاتها الاستخباراتية، خاصة مع دول ترتبط بعلاقات أمنية وثيقة مع إسرائيل مثل الهند؛ في محاولة لسد الثغرات التي قد تستغلها أجهزة كالموساد.
ما حدث في إيران لم يكن مجرد اختراق أمني، بل كان صفعة استخباراتية هائلة، قد تكون الأبلغ في تاريخ المنطقة الحديث، كشفت حجم التفوق العملياتي للموساد الإسرائيلي، وأظهرت هشاشة البنى الأمنية حتى داخل أكثر الأنظمة قمعًا وتحصينًا
▪︎ المفاوضات مع أمريكا: ما الأطر المحتملة لمفاوضات نووية مستقبلية بين إيران والولايات المتحدة، وكيف يمكن لأمريكا موازنة دعمها لإسرائيل مع الانخراط الدبلوماسي مع طهران؟ وهل هناك فرصة واقعية لاستئناف المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة مع واشنطن؟
بالنظر إلى المعطيات الراهنة، تبدو آفاق المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة محاطة بتعقيدات بنيوية تحول دون إحراز أي اختراق حقيقي، فطهران لا تزال متمسكة بحقها في تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها، باعتباره مسألة سيادية غير قابلة للمساومة.

في المقابل، تواصل واشنطن تحت ضغط إسرائيلي مباشر الإصرار على سياسة “صفر تخصيب”، إلى جانب فرض آليات رقابة صارمة ودائمة على البرنامج النووي الإيراني، وتتجاوز المعضلة الإطار النووي لتشمل ملفات أكثر تعقيدا، مثل برنامج الصواريخ الباليستية، ودعم إيران للفصائل الحليفة لها في اليمن والعراق ولبنان، فضلا عن علاقاتها الوثيقة بحركة “حماس”، وهو ما يزيد من صعوبة التوصل إلى أرضية تفاهم مشترك.
وفي ظل غياب إرادة سياسية حقيقية لإطلاق مفاوضات مباشرة أو حتى غير مباشرة، ومع استمرار تمترس كل طرف خلف شروطه، فإن أي اختراق تفاوضي سيبقى رهنا بتحولات إقليمية كبرى تفرض واقعا جديدا على الطرفين. أما دون ذلك، فإن واشنطن وتل أبيب قد تذهبان نحو جولة ثانية من التصعيد العسكري، بهدف استكمال بنك الأهداف المحدد سلفاً، سواء تعلق الأمر بالمنشآت النووية أو بالقيادات السياسية والدينية والعسكرية في طهران.
▪︎ كيف يمكن لدول الترويكا الأوروبية (ألمانيا، فرنسا، بريطانيا) إعادة بناء الثقة مع إيران بعد فشل الدبلوماسية، وما العقبات التي تواجهها؟ أم ستنجح في تنفيذ آلية الزناد قبل نهاية العام؟
عقب الاتصال الذي أجراه وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي الأمريكي، ماركو روبيو، بنظرائه في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا منتصف يوليو/تموز 2025، برز توافق غربي واضح على فرض مهلة نهائية لإيران بغية التوصل إلى اتفاق نووي، حُدد أجلها بنهاية أغسطس/آب 2025 وتندرج هذه الخطوة ضمن جهود تهدف إلى دفع طهران للعودة إلى طاولة المفاوضات والالتزام ببنود الاتفاق النووي لعام 2015.
غير أن اللقاء الأخير الذي جمع إيران بثلاثي أوروبا بريطانيا وفرنسا وألمانيا في القنصلية العامة الإيرانية بمدينة إسطنبول، لم يُفضِ إلى أي اختراق ملموس، واقتصر على مشاورات أولية لتبادل وجهات النظر حول سبل استئناف المفاوضات، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وسط بيئة إقليمية ودولية معقدة ومشحونة، وفي ظل هذه المعطيات، تبدو قدرة الأوروبيين على ترميم الثقة بين طهران وواشنطن محدودة للغاية، خصوصا بعد الاستهداف العسكري للمنشآت النووية الإيرانية من قِبل واشنطن وتل أبيب في ذروة المسار التفاوضي.
وهو ما يُعزز الانطباع بأن الخيار العسكري لا يزال حاضراً على الطاولة، في غياب أي ضمانات دولية لردعه، ولا سيما إذا ما قررت إسرائيل تنفيذ ضربة استباقية تحت ذريعة حماية أمنها القومي لذلك، فإن الحديث عن إمكانية بناء ثقة متبادلة في هذه المرحلة لا يتجاوز إطار الأمنيات، في ظل فجوة الثقة العميقة، وتباين الأجندات، وتصاعد منسوب التوتر الميداني والسياسي بين الأطراف المعنية وبالتالي فإن لجوء الأوروبيين إلى تفعيل آلية “سناب باك” يبدو خيارا واردا، لكنه يظل محدود التأثير.
نظرا إلى أن الصين المستفيد الأول من النفط والسوق الإيرانيين قد تتجاهل هذه القيود وتواصل تعاملها مع طهران.
ما لم تُدرج العقوبات الاقتصادية ضد إيران ضمن الإطار الأوسع للاتفاق الثنائي بين الولايات المتحدة والصين، فلن يكون هناك ما يُلزم بكين بالامتثال، مما يفرغ العقوبات من فعاليتها.
أما إذا تم فرض هذه العقوبات ضمن اتفاق شامل يُلزم الصين بعدم التعامل الاقتصادي مع إيران، فإن تداعياتها على النظام الإيراني ستكون كارثية، وقد تدفعه نحو انهيار اقتصادي واسع النطاق
▪︎ ما هو دور دول الخليج، خاصةً قطر وعُمان، في الوساطة بين إيران وأطراف أخرى، وكيف يمكن أن يؤثر ذلك على المفاوضات؟
لا تلعب دول الخليج مثل قطر وسلطنة عُمان دورا كبيرا أو فاعلا في مسار المفاوضات بين طهران وواشنطن، إذ يقتصر دورها على توفير منبر للحوار دون امتلاك أدوات ضغط حقيقية على أيّ من الطرفين.

فاعتمادها الكبير على الولايات المتحدة في ضمان أمنها واستقرارها السياسي وبغياب أوراق ضغط حقيقية تمتلكها دول الخليج ضد طهران، تبدو قدرتها على التأثير في السلوك الإيراني محدودة للغاية ويُفقدها هامش المناورة، ويجعلها أقرب إلى أن تكون مجرد ساحات محايدة تُعقد فيها اللقاءات، لا أطرافا مؤثرة في توجيه مسار التفاوض أو مخرجاته.
▪︎ كيف أثرت الحرب على علاقات إيران بدول الخليج المشاركة في الاتفاق الإبراهيمي، وهل يمكن لهذه الدول رأب الصدع بين إيران وإسرائيل؟
رغم ما يُروَّج عن وجود تقارب في العلاقات بين إيران ودول الخليج، فإن الواقع يعكس توترا مستمرا تغذّيه عوامل سياسية واقتصادية وطائفية. وفي هذا السياق، فإن استهداف إيران لقطر دون غيرها من دول الخليج يمكن قراءته كرسالة غاضبة موجّهة إلى جهة محددة في سوريا.
على خلفية دور قطري ساهم في تقويض نظام بشار الأسد الحليف التاريخيّ لطهران، وتأتي الضربات الصاروخية الإيرانية لتؤكد أن الخلاف السياسي بين طهران وعواصم الخليج ما زال قائما ويتصاعد، مع احتمالات واقعية لامتداد هذا التوتر إلى دول أخرى كالسعودية والإمارات والبحرين في ظل تضارب المصالح الإقليمية وتزايد حدة الصراع غير المعلن.
▪︎ ما مدى أهمية دور إيران في مفاوضات هدنة غزة بالدوحة، وكيف يمكن أن يعزز ذلك من نفوذها الدبلوماسي؟
تراجع الدور الإيراني بشكل كبير في ما يتعلق بحركة حماس في غزة، خاصة بعد سقوط حليفها بشار الأسد وتراجع نفوذ حزب الله في لبنان، ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن طهران ما زالت تحتفظ بقدر من التأثير في هذا الملف، لا سيما من خلال تقديم المشورة لـ”حماس” بشأن كيفية إدارة المفاوضات مع إسرائيل لوقف الحرب.
وتسعى إيران، من خلال هذا الدور، إلى إطالة أمد الصراع بهدف كسب الوقت للمناورة، وتشتيت الجهود السياسية والعسكرية لكل من إسرائيل وواشنطن.
▪︎ ما المطالب الرئيسية لإيران بشأن رفع العقوبات في المفاوضات المستقبلية، ومدى إمكانية تلبية الغرب لهذه المطالب؟
المطالب الإيرانية برفع العقوبات الاقتصادية تمثل سقفا تفاوضيا مرتفعا، تدرك طهران جيدا أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية لن تستجيب له بشكل كامل أو حتى بشكل كبير، فالقضية لا تقتصر على البرنامج النووي فقط، بل تشمل أيضا السلوك الإقليمي لإيران، الذي يتجلى في دعمها للفصائل المسلحة وتوظيفها للأذرع التابعة لها لفرض نفوذها وزعزعة استقرار دول المنطقة.
كما أن هناك مخاوف غربية جدّية من استخدام إيران للخلايا النائمة داخل أوروبا والولايات المتحدة كأدوات تهديد غير تقليدية وعليه، فإن أي رفع واسع للعقوبات دون ضمانات صارمة سيُفسّر في الغرب على أنه تمكين إضافي لطهران في دعم ميليشياتها وتوسيع نشاط خلاياها، مما يجعل هذا السيناريو مرفوضا ضمن الحسابات الأمنية والاستراتيجية للدول الغربية
▪︎ كيف يمكن أن تبدو صفقة نووية “رابح-رابح” لإيران ومجموعة 5+1، مع مراعاة حق إيران في برنامج نووي سلمي؟
الحديث عن صفقة نووية “رابح-رابح”، التي تطالب بها طهران وتدعو من خلالها إلى الاعتراف بحقها السيادي في تطوير الطاقة النووية السلمية مقابل ضمانات بعدم انزلاق برنامجها نحو الأغراض العسكرية، لا يعدو كونه محاولة مكشوفة للمناورة وتخفيف الضغوط الدولية المتصاعدة.
في الواقع، تسعى إيران من خلال هذا الطرح إلى كسب الوقت، لا لحل الأزمة، بل لتأجيلها، ريثما تتغير موازين القوى الدولية. طهران لا تزال تسعى إلى امتلاك السلاح النووي، لكنها تعتبر أن الظروف الراهنة، رغم صعوبتها، قد تمثل فرصة استراتيجية لمراكمة القدرة التقنية والبشرية التي تقرّبها من العتبة النووية.
ويقوم الرهان الإيراني على فرضية أن متغيرات دولية مستقبلية، كأزمة اقتصادية تضرب الولايات المتحدة، أو اندلاع صراع واسع النطاق بين واشنطن وبكين، قد تدفع الغرب إلى تخفيض أولويته في منع إيران من امتلاك السلاح النووي، أو حتى تجميد أدوات الردع العسكري والسياسي بذلك، تتحول الصفقة “المتوازنة” في ظاهرها إلى غطاء مرحلي لمشروع استراتيجي طويل المدى.
▪︎ ما مدى سرعة إيران في إعادة بناء منشآتها النووية المتضررة، وما دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية في ذلك؟
على الرغم من غياب مؤشرات واضحة حول قدرة إيران على استعادة جاهزيتها التخصيبية بعد الضربات التي استهدفت منشآتها النووية وأسفرت عن دفن اليورانيوم المخصب و تدمير البنية التحتية ذات الصلة، إلا أن التقديرات الاستخباراتية، سواء الإسرائيلية أو الأمريكية، تشير إلى أن طهران قادرة في حال قررت ذلك على إعادة بناء قدراتها خلال فترة تتراوح بين عام وعامين، بشرط عدم تعرضها لهجمات جديدة تعرقل هذه الجهود.

ولا يمكن إغفال احتمال أن تكون إيران قد عمدت إلى نقل أو إخفاء جزء من أجهزة الطرد المركزي في مواقع سرية لم تُستهدف أو يُكشف عنها حتى الآن، ما يُبقي هامشا من الغموض قائما حول مدى الضرر الفعلي الذي طال برنامجها النووي.
▪︎ كيف أدت الحرب مع إيران إلى شلل اقتصاد النظام الإسرائيلي؟
لم تكن الحرب مع إيران مجرّد مواجهة عسكرية تقليدية، بل شكّلت ضربة استراتيجية عميقة أصابت قلب البنية الاقتصادية الإسرائيلية، وهددت الأسس التي قامت عليها قوة تل أبيب: الاستقرار، الثقة، والقدرة على جذب رأس المال البشري والمالي من الأسواق العالمية وقد خلّفت المواجهة خسائر فادحة على المستويات السياسية والاقتصادية، وفاقمت من حالة عدم الاستقرار في الداخل الإسرائيلي.
ورغم ذلك، قوبلت الحرب داخل إسرائيل بحالة من الارتياح السياسي والشعبي، وروّج لها كـ”معركة كسر الهيبة” مع عدو يُعدّ أكبر تهديد للأمن القومي الإسرائيلي. ورغم الضربات الإيرانية التي استهدفت منشآت عسكرية و اقتصادية حساسة، فإن القيادة الإسرائيلية اعتبرتها ثمنا مقبولا ضمن معركة استراتيجية أشمل تهدف إلى تقويض القدرات الإيرانية.
وبينما دفعت إسرائيل ثمنا عسكريا وأمنيا لا يُستهان به، فإنها سعت إلى توظيف نتائج المواجهة لتعزيز صورة مؤسساتها الأمنية والاستخباراتية، وتأكيد جاهزيتها في مواجهة التهديدات الإقليمية المعقدة.

