من “ميرجاوه” إلى طريق الحرير.. كيف تُعزز إيران وباكستان التكامل الاقتصادي بـ10 مليارات دولار؟

كتب: ربيع السعدني 

في خطوة تاريخية تُعزز الروابط الاقتصادية بين إيران وباكستان، وقّعت حكومة البلدين اتفاقية طموحة لإنشاء بوابة حدودية جمركية مشتركة تهدف إلى إحداث نقلة نوعية في التجارة الثنائية، وتسريع وتيرة التبادل التجاري، وتعزيز الشفافية عبر الحدود. 

هذا المشروع التاريخي، الذي أُعلن عنه خلال زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى باكستان، التي استمرت يومين لا يقتصر على تسهيل حركة البضائع بين البلدين الجارين.

بل يُعدّ بوابة إيران الاستراتيجية للعب دور محوري في المشاريع الإقليمية الضخمة، مثل الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني ومبادرة العبور الأوراسي، في وقتٍ يقترب فيه البلدان من 78 عامًا من العلاقات الدبلوماسية، وهي علاقاتٌ بدأت بالاعتراف المتبادل وفي حوار ودي أكد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف: “لقد اتفقنا على تعزيز أواصر التعاون بين إيران وباكستان في التجارة، التواصل، والتبادل الثقافي، مع طموح مشترك لرفع حجم تجارتنا الثنائية إلى 10 مليارات دولار”.

وأضاف رئيس الوزراء الباكستاني بحماس: “توقيع مذكرات التفاهم والاتفاقيات اليوم يمثل خطوة تاريخية نحو مستقبل مزدهر يجمع شعبينا”.

قلب التجارة النابض

اختيرت نقطتا ميرجاوه في إيران وتفتان في باكستان كمركزين رئيسيين لتنفيذ هذه البوابة الجمركية المشتركة، تقع هاتان النقطتان في محافظة سيستان وبلوشستان، التي تُعدّ شريان التجارة بين البلدين، حيث تُجرى عبرهما أكثر من 70% من التبادلات التجارية الرسمية، ومع ذلك، ظلّت التحديات اللوجستية، مثل نقص البنية التحتية وتأخر العمليات الجمركية، عائقًا أمام تحقيق الإمكانات الكاملة لهذه المنطقة الحدودية.

وأوضح نائب وزير الاقتصاد الإيراني والمدير العام للجمارك، فرود عسكري، الذي كان ضمن الوفد المرافق للرئيس: “هذه الاتفاقية تُمثل نقلة نوعية في التعاون الاقتصادي، حيث ستُسهم في تقليص طوابير الشاحنات، تسريع العمليات الجمركية، وتقليل المخالفات مثل التهريب، من خلال تبادل البيانات الإلكترونية وتطبيق ضوابط جمركية موحدة”.

وأضاف أن “هذا القرار من شأنه تسهيل التجارة وتقليل وقت بقاء البضائع في جمركي ميرجاوه وتفتان”. وبحسب عسكري، يُعدّ تسهيل حركة الركاب والبضائع والمركبات أحد نتائج هذه الاتفاقية، كما تتضمن هذه الوثيقة التعاون الإداري المتبادل والشفافية في التجارة بين البلدين، وأوضح: “في هذه الاتفاقية تم تأكيد عقد دورات تدريبية مشتركة وزيارة المكاتب الجمركية للأطراف لجعل هذه الاتفاقية فعالة”.

ركائز المشروع الجديد

تتجاوز الاتفاقية مجرد إنشاء بوابة حدودية، إذ تُركز على تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد عبر إدخال أنظمة تكنولوجية متطورة لتبادل البيانات الجمركية، كما تشمل الوثيقة إجراءات لتوحيد المعايير الجمركية، تنظيم دورات تدريبية مشتركة، وتبادل الزيارات بين المسؤولين الجمركيين لضمان تنفيذ المشروع بكفاءة عالية. 

هذه الخطوات تهدف إلى تحويل الحدود من نقطة عبور تقليدية إلى مركز لوجستي ذكي يعزز التكامل الاقتصادي.

وأشار محمد سعيد أربابي، المدير التنفيذي لمنظمة منطقة تشابهار الحرة، في مقابلة مع وكالة أنباء الطلبة الإيرانية، إلى أهمية هذه الاتفاقية وقال: “إن إنشاء منطقة ريمدان – غاباد الحرة المشتركة يعد فرصة ذهبية لتطوير التجارة عبر الحدود وجذب الاستثمارات، ويمكن أن يلعب دورا رئيسيا في توسيع التعاون الاقتصادي والثقافي بين البلدين الجارين”.

وأضاف: “تُعرف منطقة ريمدان الحدودية بأنها من أهم النقاط التي تربط إيران بباكستان وأسواق جنوب غرب آسيا، وبفضل موقعها الاستراتيجي، تُتيح الوصول إلى نحو 37% من سكان العالم. ومع تطوير البنية التحتية للمنطقة الحرة، ستُتاح مساحات واسعة للتبادل التجاري والاستثمار المشترك والتنمية الاقتصادية”.

من التحديات إلى الفرص

رغم أهمية محافظة سيستان وبلوشستان كمركز تجاري، فإنها عانت لسنوات من نقص التمويل والبنية التحتية، الاتفاقية الجديدة تأتي كجزء من رؤية شاملة لتحديث المرافق الجمركية واللوجستية في المنطقة، مما سيُسهم في تحسين كفاءة النقل البري ودعم القطاع الخاص في كلا البلدين، ويُتوقع أن تُساعد هذه البوابة في تقليل زمن الانتظار للشاحنات من أيام إلى ساعات، مما يعزز القدرة التنافسية للمنتجات الإيرانية والباكستانية في الأسواق الإقليمية.

تاريخ من التعاون وطموحات المستقبل

تشترك إيران وباكستان في حدود تمتد لأكثر من 900 كيلومتر، وهي حدود شهدت على مدار عقود جهودا مستمرة لتعزيز التعاون الاقتصادي. من إنشاء أسواق حدودية إلى توقيع اتفاقيات تجارية تفضيلية، سعى البلدان إلى تعميق شراكتهما. في عام 2023، بلغ حجم التجارة الثنائية نحو 2.3 مليار دولار، مع تصدير إيران لمواد البناء، الأغذية، والوقود، واستيرادها للفواكه، الأرز، والأدوية من باكستان، ومع إنشاء البوابة الجمركية المشتركة، يُتوقع أن يرتفع هذا الرقم بشكل كبير خلال السنوات القادمة.

توطيد الجوار بأواصر الثقافة والاقتصاد

في خطوة دبلوماسية ذات بُعد استراتيجي، أكد النائب الأول لرئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، إبراهيم مقتدى، أن الزيارة الأخيرة للرئيس الإيراني إلى باكستان تُجسد رؤية طهران، لتعزيز التعاون مع جيرانها.

هذه الزيارة، التي جاءت في توقيت دقيق بعد حرب الاثني عشر يوما، تُعدّ انعكاسا لسياسة إيران الطموحة لتفعيل الإمكانات الإقليمية وتعميق الشراكات الاقتصادية والثقافية مع باكستان، الجارة التي تربطها بإيران روابط دينية وتاريخية عميقة، وأوضح مقتدى أن باكستان، بفضل موقعها الجغرافي المميز ودورها المحوري في التجارة البحرية وشبكات النقل البري، تُمثل شريكا استراتيجيا لا غنى عنه.

“إن باكستان، بإمكاناتها في ربط دول الجوار الشرقي لإيران، تُتيح فرصا استثنائية لتطوير التعاون الاقتصادي وتبادل الموارد بما يخدم تقدم البلدين معا”، هكذا أشار مقتدى، مُبرزا كيف يمكن لهذه الشراكة أن تُحقق قفزات نوعية في العلاقات الثنائية.

وأضاف أن الرئيس الإيراني يدرك تماما الدور المحوري الذي تلعبه باكستان في تعزيز الاتصال الإقليمي، سواء عبر الطرق البرية أو الممرات البحرية، مما يجعلها شريكًا مثاليا لتحقيق طموحات إيران في بناء جسور اقتصادية ولوجستية مع دول المنطقة، هذا التعاون لا يقتصر على البلدين فحسب، بل يمتد ليُسهم في استقرار وازدهار المنطقة بأكملها.

ووصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي زيارة الرئيس لباكستان بأنها فرصة لإعادة التفكير في إمكانات التعاون بين البلدين، مشيرا إلى أن طهران وإسلام آباد يمكن أن تنموا معا كمهندسين لمستقبل سلمي وتعددي ومتكامل في المنطقة.

وأضاف: “بصفتهما دولتين مستقلتين تقعان على الطريق السريع الحيوي في آسيا، يمكن لإيران وباكستان أن تستفيدا كثيرا من التعاون المستدام، بل وأكثر من ذلك، أن تُسهما في مستقبل منطقتنا، والزيارة الرسمية المقبلة للرئيس مسعود بزشكيان إلى باكستان دليل على هذا التوجه المتنامي”.

طريق الحرير الجديد: إيران بوابة الشرق والغرب

تتزامن هذه الاتفاقية مع الجهود العالمية لتطوير شبكات النقل الإقليمية، خاصةً مبادرة الحزام والطريق الصينية، يُعدّ ميناء جوادر الباكستاني نقطة انطلاق رئيسية في هذا المشروع، ويمكن لإيران، من خلال بوابتها الحدودية مع باكستان، أن تصبح حلقة وصل حيوية بين آسيا الوسطى، الشرق الأوسط، وأوروبا.

كما تتيح هذه البوابة لإيران فرصة تعزيز التعاون مع ميناء تشابهار، الذي يُعدّ مركزا لوجستيا رئيسيا في المنطقة، ومن خلال ربط تشابهار بجوادر عبر البوابة الحدودية، يمكن للبلدين إنشاء ممر تجاري متكامل يعزز التجارة البحرية والبرية على حد سواء.

تحديات التنفيذ

على الرغم من الإمكانات الهائلة لهذا المشروع، فإن تنفيذه يواجه تحديات عديدة، منها:

▪︎ تحديث البنية التحتية: تتطلب سيستان وبلوشستان استثمارات كبيرة لتطوير الطرق، المستودعات، وأنظمة الجمارك الذكية.

▪︎ توحيد المعايير: يجب على البلدين مواءمة اللوائح الجمركية والإجراءات الإدارية لضمان سلاسة العمليات.

▪︎ التمويل: يتطلب المشروع تخصيص موارد مالية كافية، بما في ذلك دعم القطاع الخاص.

▪︎ التحديات المصرفية: لا تزال العقبات المرتبطة بتسوية العملات الأجنبية تشكل تحديا رئيسيا يتطلب حلولا مبتكرة.

تُعدّ هذه الاتفاقية إنجازا بارزا في الدبلوماسية الاقتصادية لكلا البلدين، حيث تُعزز ليس فقط التجارة الثنائية، بل تُمهد الطريق أيضًا لدور أكبر لإيران في المشاريع الإقليمية الطموحة، من خلال الاستفادة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي، يمكن لإيران أن تصبح مركزا لوجستيا يربط بين قارتي آسيا وأوروبا، مما يعزز مكانتها كلاعب رئيسي في الاقتصاد العالمي.

خطوة نحو التكامل الإقليمي

تُمثل البوابة الحدودية المشتركة بين إيران وباكستان أكثر من مجرد مشروع تجاري؛ إنها رؤية طموحة لتعزيز التعاون الإقليمي وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، مع استمرار الجهود لتذليل التحديات وتنفيذ الالتزامات المشتركة، يبدو المستقبل واعدا لشراكة اقتصادية أقوى بين البلدين، مما يفتح آفاقا جديدة للنمو والازدهار في المنطقة.

وفي هذا السياق أشار الرئيس مسعود بزشكيان إلى أن “إيران مستعدة لتكون جزءا لا يتجزأ من طريق الحرير الجديد، مستفيدة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي لربط الصين بأوروبا عبر باكستان”.

خبراء يرون أن هذا المسار، رغم أنه ليس بجديد، قد يُثمر نتائج مغايرة لما شهدته التجارب السابقة، شريطة الالتزام بتنفيذه بإصرار وتكامل ورغم مرور أكثر من عقد على انطلاق مبادرة الحزام والطريق الصينية، المعروفة بـ”طريق الحرير الجديد”، ظلت إيران بعيدة عن صدارة الدول المستفيدة من هذا المشروع العالمي الطموح.. واليوم، مع إعلان الرئيس عن إمكانية ربط إيران بهذا الطريق عبر باكستان والممر الجنوبي الشرقي، يبرز تساؤل حاسم: هل سيتمكن هذا المسار من تعويض الفرص الضائعة في تجارب مثل سرخس وبندر عباس والممر الشمالي الجنوبي، أم ستبقى آماله معلقة في طيات الغموض؟

ربط إيران بطريق الحرير عبر باكستان قد يكون مفتاحا لتحقيق قفزة نوعية، إذا ما تم دعمه بخطوات منسجمة تأخذ بعين الاعتبار الديناميكيات الجيوسياسية، وتتماشى مع المبادرات الإقليمية، مع التركيز على تطوير البنية التحتية في المناطق الشرقية بسرعة وكفاءة، ومع تجدد اهتمام الحكومة بهذا المسار، بات من المُلح أن تستعيد إيران دورها المحوري في شبكة التجارة العالمية. 

ذلك يتطلب خطة تنفيذية واضحة المعالم، وتعاونا وثيقا مع القطاع الخاص والمؤسسات الإقليمية، لتحويل هذا الحلم الاستراتيجي إلى واقع ملموس.