- زاد إيران - المحرر
- 572 Views
في الأسابيع الأخيرة، تسارعت وتيرة الاستجوابات داخل البرلمان الإيراني، مستهدفةً وزراء في حكومة الرئيس مسعود بزشكيان، على رأسهم وزراء الطاقة والثقافة، وسط مناخ سياسي وأمني حساس تمر به البلاد عقب الحرب الأخيرة مع إسرائيل، وبينما يؤكد النواب أن استجواباتهم تأتي في إطار الصلاحيات الدستورية والرقابة على أداء الحكومة، يرى مراقبون أن تيارا أصوليا متشددا يسعى من خلال هذه الخطوة إلى إعادة ترتيب ميزان القوى، وفرض رؤيته على إدارة المرحلة المقبلة.
أصوليون في مواجهة حكومة إصلاحية
يهيمن التيار الأصولي المتشدد، والمعروف داخل أروقة البرلمان بجبهة الصمود، على البرلمان الإيراني منذ انتخابات 2020، وقد استفاد من ضعف المشاركة الشعبية وتصفيات واسعة في صفوف الإصلاحيين، هذا التيار، حسب تقارير صحفية، يرى في الحكومة الحالية تهديدا مباشرا لمشروعه السياسي، لا سيما أن بزشكيان، الرئيس الذي جاء بدعم إصلاحي، وهزم سعيد جليلي الوجه الأصولي الأبرز في الوقت الحالي، يمثل اتجاها معتدلا أقرب إلى المصالحة الداخلية والانفتاح على الخارج.

هذا ويقول محللون إن هذا التيار المتشدد قد فقد زمام المبادرة بعد الحرب الأخيرة، خصوصا بعد أن تبين أن الرد الشعبي على تلك الحرب لم يكن منسجما مع خطابه الأيديولوجي، فعلى العكس، أظهرت الجماهير تمسكها بالوحدة الوطنية وابتعادها عن الشعارات الإقصائية، ما فتح المجال أمام عودة شخصيات معتدلة مثل علي لاريجاني، إلى دائرة القرار.
من جانبه، يرى علي شكوري راد، السياسي الإصلاحي البارز، أن صعود بزشكيان ذاته كان نتيجة طبيعية لتراجع ثقة القيادة بالتيار الأصولي، بل يذهب أبعد من ذلك حين يقول: “إن التطرف، بعد أن تمكن من توحيد مراكز السلطة، دخل في مرحلة من الطغيان، حتى إن بعضهم بدأ يتصرف بشكل غير منضبط حتى تجاه القيادة نفسها، وهو ما دفع النظام إلى إعادة تقييم خياراته”.

ويؤكد شكوري راد أن الرد الشعبي خلال الحرب الأخيرة أظهر بوضوحٍ أن “الضمان الحقيقي للأمن القومي ليس في الأجهزة، بل في وحدة الناس”، مشيرا إلى أن الحراك الشعبي دفع دوائر القرار إلى تبني خطاب جديد أكثر واقعية، كما شدد على أن بداية أي إصلاح حقيقي يجب أن تمر عبر بوابة الحوار الوطني، وترك ازدواجية الخاص والعام، واعتبار الشعب هو مصدر الشرعية الحقيقي.
بهذا الشأن، حذرت صحيفة آرمان امروز من أن استمرار الضغوط البرلمانية على حكومة بزشكيان في هذا التوقيت الحرج الذي تمر به البلاد، يهدد التماسك الداخلي ويفتح الباب أمام استغلال إقليمي ودولي لأي اضطراب داخلي. فمع دخول إيران مرحلة “السلام المسلح” أو “الهدنة الباردة”، ازدادت حاجة النظام إلى وحدة داخلية لمواجهة التحديات الخارجية، لكن في المقابل بدأت بعض التيارات السياسية المتشددة بشن هجمات متكررة على الحكومة تحت شعارات مثل “عدم الكفاءة السياسية”، مما يوحي بمحاولة لعرقلة الأداء التنفيذي لا بهدف الإصلاح، بل للإطاحة بالحكومة أو تقويضها.
وبحسب مراقبين نقلت “آرمان امروز” آراءهم، فإن هذه الحملات، التي تستند غالبا إلى اتهامات غير موثقة أو مبالغ فيها، تؤدي إلى تشتيت الحكومة عن مهامها الأساسية، وتضعف قدرتها على إدارة ملفات كبرى مثل الاقتصاد وأزمات المياه والطاقة والتواصل مع المجتمع الدولي. كما أن بعض النواب حذروا من أن هذا المسار سيخدم بشكل غير مباشرٍ أعداء إيران في المنطقة، مثل إسرائيل، من خلال إضعاف الجبهة الداخلية.
وفي السياق ذاته، دعا الناشط الإصلاحي محمد صادق جوادي حصار إلى التمييز الواضح بين النقد البناء والتحامل الهدام، وأكد أن النقد ينبغي أن يُواجه بعمل حكومي فعال واستجابة مسؤولة، وليس عبر اتهام النقّاد بالعمالة أو الخيانة، كما شدد على أن حرية التعبير داخل البرلمان يجب أن تُصان، حتى في قضايا حساسة ككفاءة الرئيس، لأن الجدل البرلماني قد يدفع الحكومة إلى تصحيح أدائها. لكنه حذر من أن توظيف مفاهيم مثل عدم الكفاءة كسلاح سياسي في هذا الظرف، قد يؤدي إلى أضرار جسيمة تمس شرعية الدولة ومصالحها العليا.

الاستجوابات كأداة ضغط وخطورته
على الجانب الآخر، فإن استجواب الوزراء في البرلمان ليس أمرا جديدا في الحياة السياسية الإيرانية، إذ لطالما استخدم النواب هذا الإجراء كأداة رقابية دستورية لمحاسبة الوزراء ومساءلتهم حول أدائهم. لكن اللافت في الفترة الأخيرة هو تحول هذه الأداة من آلية مساءلة إلى وسيلة ضغط سياسي متصاعدة، اكتسبت طابعا منهجيا ومنظما، ما يجعل المراقبين يصفونها بأنها تتجه لتكون سلاحًا بيد التيار الأصولي لتصفية الحسابات مع الحكومة الحالية.
ففي جلسة أواخر يوليو/تموز 2025، تلقى وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي عباس صالحي بطاقة صفراء من البرلمان بعد جلسة استجواب فشل فيها في إقناع النواب بإجاباته. وعلى الرغم من أن هذه البطاقة لا تعني إقالة مباشرة، فإنها مؤشر على تصعيد محتمل. بالتوازي، تتسارع التحضيرات لاستجواب وزراء آخرين، من بينهم وزير الطاقة بسبب أزمة الكهرباء، ووزير الداخلية على خلفية ملفات أمنية وشكاوى من أداء المحافظين. بل إن الحديث بدأ يتسرب عن إمكانية استدعاء رئيس الحكومة نفسه في مراحل لاحقة.

ويرى مراقبون أن الظاهر من هذه التحركات هو ممارسة البرلمان لصلاحياته الرقابية، غير أن الواقع السياسي يعكس أهدافا أعمق. فبعض التحليلات تشير إلى أن الهدف الحقيقي لا ينحصر في شخص الوزير المستجوب، بل يمتد إلى ضرب التوجه العام للحكومة، خاصةً توجهها نحو التهدئة الداخلية، والتقليل من القبضة الأمنية، والانفتاح الجزئي على المجتمع المدني، فضلا عن محاولات فتح قنوات تواصل جديدة على الصعيد الخارجي. هذا الصراع في العمق هو ما يفسر تصعيد الاستجوابات وتحولها إلى أدوات مواجهة سياسية بامتياز.
رسائل داخلية وخارجية وراء عودة لاريجاني
بالشأن نفسه، فتمثل عودة اسم علي لاريجاني، رئيس البرلمان السابق ومستشار المرشد، إلى الواجهة لتولي أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي، تأتي ضمن موجة تحولات جذرية في دوائر السلطة العليا في طهران، فبعد سنوات من الإقصاء على يد التيار الأصولي، ينظر إلى إعادة تموضع لاريجاني كإشارة سياسية قوية بأن الخط العقلاني لم ينته، بل عاد ليعيد التوازن إلى المشهد بعد أن بلغ مسار الصموديين ذروته وبدأ في الانحدار.

ترى تحليلات سياسية حديثة أن ما يجري من تغييرات داخل مفاصل الدولة ليس مجرد تدوير نخب، بل هو جزء من تحول أوسع يعكس تبدل في التوازنات داخل النظام نفسه، فبعد استقالة كاظم صديقي من إمامة جمعة طهران ورئاسة هيئة الأمر بالمعروف، تبرز معالم تراجع مستمر للتيار المتشدد عن مواقع القرار الرمزية.
كذلك، فإن التكهنات حول إزاحة جليلي من المجلس الأعلى للأمن القومي لصالح لاريجاني تعزز هذه القراءة، خاصة أن جليلي يمثل لسنوات طويلة العنوان السياسي للتشدد العقائدي داخل الدولة، فيما يرمز لاريجاني إلى التوازن، وبهذا الشأن يقول محمود واعظي، القائم بأعمال رئيس حزب الاعتدال والتنمية، أنه “شغل السيد جليلي منصب ممثل القائد في المجلس الأعلى للأمن القومي لمدة تقارب 15 عاما، وقد طُرحت ونفذت آراؤه ومواقفه خلال هذه الفترة الطويلة، لكن إن اقتضت المصلحة، يمكن أن يحدث تحول في هذا الموقع، ونظرا إلى أن السيد أحمديان لم يمضِ وقت طويل على تسلمه هذا المنصب، ولأنه من خلفية عسكرية، فإن بإمكانه- خاصة مع تشكيل مجلس الدفاع- أن يؤدي دورا أفضل في هذا المجال.

ويتابع: “وفي حال تقرر، بموجب مصلحة القائد الأعلى، أن تمنح مسؤولية تمثيل القيادة للدكتور لاريجاني، فإن ذلك يمكن أن يُعدّ مؤشرا على تعزيز مسار الاعتدال، كما أن نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة أظهرت بوضوح أن غالبية الشعب لا تؤيد التطرف والسياسات المتشددة، ولذلك فإن وقوع مثل هذا التغيير سيحظى بترحيب من شريحة واسعة وقسم معتبر من المجتمع”.
الشعب كمصدر للشرعية وتثبيت الاعتدال
إن الرسالة الواضحة من كل هذه التطورات، كما يقول واعظي، هي أن النظام استمع أخيرا إلى صوت الشعب، الذي رفض السياسات المتطرفة، وطالب بسياسات واقعية وذات نتائج، ويضيف واعظي أن النظام “لا يمكنه الحفاظ على بقائه دون تحقيق مطالب الناس ومعالجة التحديات الداخلية مثل المعيشة والحريات والعدالة”.
من جانبه، يؤكد شكوري راد أن جوهر الإصلاح يكمن في احترام حقوق المواطنة وإزالة الازدواج في التعامل مع المواطنين على أساس الولاء. ويشدد على أن أي حكومة ناجحة يجب أن تعترف بالتنوع الاجتماعي والثقافي في إيران، وتعتمد سياسة إيران لكل الإيرانيين.
وفي ظل تسارع التطورات السياسية داخل إيران، يبدو أن البلاد تقف على مفترق طرق حاسم، فالبرلمان يلوح بالاستجوابات كسلاح لإضعاف الحكومة، في حين تلوح بوادر تحول في قمة هرم السلطة نحو الاعتدال، ويبقى السؤال المطروح هل ينجح الإصلاحيون في تثبيت مسارهم؟ أم أن التيار الأصولي سيستعيد زمام المبادرة عبر أدوات البرلمان والمحاكم والدعاية؟
الرهان الآن ليس فقط على نتائج هذه المعارك السياسية، بل على قدرة النظام ككل على الإصغاء للشعب، والاعتراف بأن ما بعد الحرب ليس كما قبلها، وأن من يريد بناء المستقبل لا يستطيع أن يفعل ذلك بأدوات الماضي.

