الخلاف حول الجزر الثلاث.. معركة السيادة بين التاريخ والجغرافيا

نادية مبروك 

فيما لا تظهر أي عواصف طبيعية على مياه مضيق هرمز، تندلع عاصفة أخرى قد تحدد مصير المضيق لكنها عاصفة دبلوماسية، تندلع بين الجارتين الإمارات وإيران، في واحد من أحدث وأقدم الصراعات السياسية بين البلدين على الجزر الثلاث: طنب الكبرى، وطنب الصغرى، ورفيقتهما أبو موسى، التى عادت إلى صدارة الخلافات بين إيران والإمارات، حقوق تتلاقى مع رمزية، وخرائط تاريخية تتقاطع مع بيانات دبلوماسية معاصرة. 

.

حرب البيانات

كان آخر التحركات الإماراتية البيان المشترك للاجتماع الوزاري المشترك بين دول مجلس التعاون الخليجي والإتحاد الأوروبي الذي دعا إلى إنهاء ما سماه  احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث، معتبرا هذا انتهاكا لسيادة الإمارات ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.

وأعرب البيان عن قلقه البالغ إزاء عدم إحراز تقدم في حل النزاع بين الإمارات وإيران على الجزر الثلاث، مؤكدًا  دعمه للتسوية السلمية لهذا النزاع من خلال المفاوضات الثنائية أو إحالة الأمر إلى محكمة العدل الدولية وفقًا للقانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.

وقبل ذلك بأيام في أواخر سبتمبر/أيلول 2025 صدر بيان عن الاجتماع المشترك لوزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي ووزيرة خارجية المملكة المتحدة أعرب فيه المجتمعون عن دعمهم لدعوة دولة الإمارات العربية المتحدة للتوصل إلى حل سلمي للنزاع حول الجزر الثلاث، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، من خلال المفاوضات الثنائية أو محكمة العدل الدولية، وفقاً لقواعد القانون الدولي بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة.
في المقابل ردت طهران بشدة بأن “الاستيلاء على الجزر ليس ممكنًا عبر الضغط أو التصريحات”  وهو جوهر التصعيد الجديد.
لكن وراء الجدل الإعلامي تتكشف آليات الصراع التي تتم في الخلفية، بين مواقف روسيا، والمناورات الأوروبية، والمحاولات الإيرانية للحفاظ على الرواية التاريخية والشرعية.

جذور النزاع: من الخرائط إلى المراسلات

تعود الجزر الثلاث إلى سجل طويل من التنازع يمتد منذ القرون الماضية، لكن جوهر الخلاف الحديث يعود إلى ما قبل استقلال دولة الإمارات عام 1971.

في ذلك الوقت، كانت الجزر تحت سيطرة بريطانية مؤقتة، ومع انسحاب بريطانيا من الخليج، أعادت إيران بسط سلطتها الإدارية والعسكرية عليها استنادًا إلى وثائق وخرائط تاريخية تؤكد تبعيتها لها. وتستند إيران في موقفها إلى أدلة تاريخية متراكمة. 

فبحسب دراسة منشورة في موقع ParsSea البحثي، فإن الجزر كانت ضمن حدود الإمبراطوريات الفارسية منذ العهد الساساني، وتظهر بأسماء إيرانية في خرائط عثمانية وفرنسية تعود للقرن التاسع عشر.

كما تؤكد صحيفة تسنيم في تحقيق نشر مؤخرًا بعنوان “ملكية إيران للجزر الثلاث كما ترويها الوثائق والتحقيقات التاريخية” أن إيران مارست “إدارة فعلية” على الجزر قبل الوجود البريطاني، وأن الاحتلال البريطاني لم يُلغِ السيادة القانونية لطهران بل كان “احتلالًا مؤقتًا تمهيدًا لعودة السيطرة الأصلية”.

أما وكالة إيسنا فقد نشرت بدورها تقريرًا بعنوان “السيادة الإيرانية على الجزر الثلاث مثبتة بوثائق تاريخية دامغة”، أوضحت فيه أن الجزر كانت تدار إداريًا من بندر لنكه الإيرانية قبل قيام الاتحاد الإماراتي، ما يجعلها – وفق القانون الدولي – جزءًا من الأراضي الإيرانية.

Image

وفي عام 1971، وقبل استقلال الإمارات بيومين، أعلنت إيران بسط سيطرتها على الجزر الثلاث، معتبرة ذلك “تصحيحًا لوضع تاريخي”، بينما رأت الإمارات أن ما حدث “احتلال بالقوة”.

منذ ذلك التاريخ، بقيت الجزر الثلاث  التي لا تتجاوز مساحتها بضعة كيلومترات مربعة واحدة من أكثر النقاط سخونة في الخليج العربي الفارسي.

من جانبها، تؤكد الإمارات أن الجزر كانت تابعة لإمارات الشارقة ورأس الخيمة قبل الاستقلال، وتطالب منذ عقود بإحالة القضية إلى التحكيم الدولي أو محكمة العدل الدولية، وهو المطلب الذي يساندها فيه مجلس التعاون الخليجي، وهو ما ترفضه طهران بحجة أن القضية” سيادية غير قابلة للتفاوض”. 

موقف إيران: سيادة غير قابلة للتفاوض

في الخطاب الإيراني الرسمي، تعتبر الجزر الثلاث جزءًا لا يتجزأ من الأراضي الوطنية، وهو ما ظهر في بيان وزارة الخارجية الإيرانية، وتصريحات محافظ أبو موسي الذي قال “لا يمكن لدولة لها نصف قرن فقط أن تطالب بالجزر الإيرانية التي كانت تابعة لإيران منذ آلاف السنين”. 

أما وزارة الخارجية الإيرانية فقد أصدرت بيانا رفضت فيه رفضا تاما الادعاءات الواردة في بيان مجلس التعاون الخليجي.

وعلى لسان علي أكبر ولايتي مستشار المرشد الأعلى الإيراني للشئون الدولية، أكدت طهران أنها لا ترى في الموضوع نزاعًا قانونيًا، بل قضية سيادة مغلقة، شأنها شأن أي محافظة أو مدينة داخل الحدود الإيرانية.

وأدان علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى للشؤون الدولية، بيان الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، واصفا هذه المزاعم بأنها لا أساس لها من الصحة، مؤكدا ملكية إيران للجزر الثلاث، مضيفا أن الجزر الإيرانية الثلاث جزء لا يتجزأ من أراضي إيران الإسلامية، وأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا تسمح لأي طرف أجنبي بالتدخل في شؤونها الداخلية.

الخبراء الإيرانيون يؤكدون أن السيادة الفعلية لإيران لم تنقطع أبدًا، وأن الاحتلال البريطاني لم يكن سوى مرحلة انتقالية مؤقتة، لذلك، تعتبر إيران أن أي اقتراح بالتحكيم الدولي يعني الاعتراف بوجود نزاع على السيادة، وهو ما ترفضه بالمطلق.

الموقف الإماراتي.. دعوات دولية مستمرة

لا تفوت الدبلوماسية الإماراتية موقفًا إلا وتكرر مطالبتها بالتحكيم الدولي في قضية الجزر الثلاث، مستندة إلى ادعاء أن الجزر كانت خاضعة لسلطات إماراتية محلية قبل استقلالها، ففي 2021 كرر اجتماع وزراء خارجية الجامعة العربية المطالبة بالتحكيم الدولي، وإنهاء الصراع حول قضية الجزر الثلاث، وأيد البيان الختامي للاجتماع الـ 155 لجامعة الدول العربية، الذي عقد في القاهرة في مارس/آذار 2021 مطالبة الإمارات بالسيادة على جزر إيران الثلاث، ووفقا لوزراء خارجية جامعة الدول العربية، فإن استمرار وجود إيران في الجزر يعد انتهاكا للسيادة المزعومة للإمارات ويستهدف استقرار وأمن المنطقة.

Image

وهو المطلب الذي تكرر في عدة مناسبات دولية كان آخرها اجتماع أكتوبر/تشرين الأول الماضي للمجلس الوزاري المشترك لدول مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي.

ورغم هذه المطالبات، إلا أن الامارات حتى الآن لم تحاول التصعيد ضد إيران، حيث تتخذ ما وصفته الصحف الإيرانية بنهج “نصر بلا حرب”. 

الموقف الدولي.. بين الضغط والحياد

رغم تحالفها الاستراتيجي مع إيران في بعض الملفات، تبدو روسيا في هذا النزاع وكأنها تميل إلى الحياد أو أقرب للموقف الإماراتي.
الصحف الإيرانية انتقدت هذا الموقف، معتبرة أن موسكو تحاول تحقيق التوازن بين علاقاتها مع إيران وشركائها الخليجيين. 

الموقف الأبرز الذي أثار غضب طهران من موسكو توقيع سيرغي لافروف وزير الشئون الخارجية بروسيا على بيان مشترك في القمة العربية بالمغرب في ديسمبر/كانون الأول 2023 يدعم حق الإمارات في إقامة دعوى دولية ضد إيران بشأن الجزر الثلاث، وهو ما اعتبرته طهران نفاقا وخيانة طبقًا لصحيفة “كيهان” الإيرانية. 

Image

ويعتقد بعض المحللين في طهران  أن روسيا تحاول موازنة علاقاتها بين إيران من جهة، وشركا

ئها الخليجيين من جهة أخرى، في ظل مصالح اقتصادية متزايدة مع الإمارات والسعودية، حيث وصفت بأنها الحليف الرمادي.

 ورغم الانتقادات، لا يبدو أن هذا الفتور سيؤدي إلى قطيعة، لكنه يعكس حقيقة أن المصالح في الخليج أحيانًا تتقدم على التحالفات.

لم تكن أوروبا بعيدة عن مشهد الجزر، بل يمكن القول بأنه رغم مطالبة الإمارات مرارًا بالجزر الثلاث، إلا أن اللحظة الفاصلة لهذه المطالبة لم تكن في اجتماع أكتوبر/تشرين الأول الحالي، الذي عقد بالكويت، وإنما قبل ذلك بعام في بروكسيل، حيث صدر بيان مشترك بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون في أكتوبر/تشرين الأول 2024، حيث وصف البيان سيطرة الجمهورية الإسلامية على الجزر بأنه احتلال، ووصفت صحيفة تسنيم الإيرانية بأنه الحدث الذي استغلته الإمارات لطرح قضيتها على الساحة الدولية.

في المقابل يري محللون إيرانيون أن التدخل الأوروبي وتوقيته ليس بريئًا، وإنما يستخدم كورقة ضغط ضد إيران في ملف المفاوضات النووية.

الداخل الإيراني

اللافت في الداخل الإيراني أن الخطاب الإعلامي حول الجزر الثلاث يكاد يكون موحدًا، رغم الانقسام السياسي بين المحافظين والإصلاحيين.

على سبيل المثال  نشرت صحيفة كيهان المحافظة عدة مقالات حول القضية واصفة أنها قضية سيادة لا يمكن المساس بها، أما صحيفة اعتماد الإصلاحية رغم دعواتها إلى إدارة الملف بعقلانية، إلا أنها في نفس الوقت ترفض في مقالاتها المساس بالسيادة الإيرانية على الجزر الثلاث.

Image

ويتم تسويق القضية في الداخل الإيراني محملة بثلاث رسائل أساسية هي: الهوية الوطنية بأن الجزر الثلاث هي من تاريخ إيران وحضارتها، والاستقلال والسيادة، فلا تفاوض على الأرض، والتحدي الخارجي لمواجهة ما يعتبر تدخلًا في الشأن الإيراني ومحاولة لابتزازها.

السياسة والاقتصاد

بعيدًا عن السياسة تكمن أهمية الجزر في موقعها الاستراتيجي الذي يتحكم جزئيًا بمدخل مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو 20% من تجارة النفط في العالم، وهو ما يعني أن أي توتر عسكري أو دبلوماسي حول هذه المنطقة كفيل بهز أسواق الطاقة العالمية أو على الأقل رفع منسوب القلق بها.

وفي السنوات الأخيرة، عززت إيران وجودها العسكري في الجزر الثلاث، مع إقامة مراكز مراقبة وموانئ صغيرة لتأمين الملاحة.

 وتشير تقارير صحفية إلى أن طهران تستثمر أيضًا في مشاريع مدنية، من مدارس ومستشفيات وموانئ صيد، لتثبيت الوجود السكاني والإداري في الجزر. 

Image

على الصعيد السياسي، ترى طهران أن الخلاف حول الجزر الثلاث تجاوز البعد الجغرافي، وأصبح مرآة لعلاقات إيران مع العالم ومعيارا لمدى احترام الآخرين لسيادتها، وهو ما زاده دخول الاتحاد الأوروبي في الأزمة ببياناته المستمرة، لتتحول الجزر الثلاث لمسرح دبلوماسي كبير، فيما تعمل الإمارات على خطة مفادها إبقاء القضية سياسيًا دون تصعيد لضمان استمرار التذكير بما تراه حقها.

السكان المحليون

رغم الضجيج السياسي المحيط بالقضية، يعيش سكان الجزر الثلاث حياةً بسيطة قوامها الصيد والتجارة الصغيرة، وتختلط اللهجات العربية والفارسية في الأسواق القريبة من الميناء، وتبدو الصراعات السياسية بعيدة عن تفاصيل الحياة اليومية، لكن يدرك السكان أن جزرهم الصغيرة تقع في قلب معادلة دولية معقدة، فكلما ارتفع صوت السياسيين في طهران أو أبو ظبي يخشي الناس هناك من إغلاق السماء والبحر، وتظهر تفاصيل الصراع في التواجد العسكري الإيراني الكثيف، أو في مشروعات البنية التحتية التى تقام في الجزر لتعزيز التواجد السكاني، وفي مناهج المدارس التي تعتبر الجزر بوابة إيران الجنوبية. 

.

قد تستمر أزمة الجزر الثلاث لسنوات طويلة في وضع حرب البيانات، تحاول الأمارات فيه عدم المساس بالتوازن الاقتصادي في سوق النفط بأي تدخل عسكري، لأن ذلك يمثل ضررا مباشرا بمصالح دول مجلس التعاون الخليجي، بينما تعتبر إيران أزمة الجزر انعكاسا للطريقة التى يتعامل بها المجتمع الدولي مع سيادتها مستقبلاً، إلا أنه في النهاية تظل أزمة الجزر الثلاث واحدا من أعقد الصراعات العربية الإيرانية.

.