- زاد إيران - المحرر
- 574 Views
كتب: سيد نيما موسوي
ترجمة: دنيا ياسر نور الدين
الموسيقى لغة عالمية مفهومة للجميع، ولديها القدرة على تجاوز التأثيرات السياسية والوطنية والثقافية، لتكون لغة مشتركة بين الشعوب في تبادل الأحاسيس. فإلى جانب الجانب الجمالي للموسيقى الذي يعكس الذوق الفني والمشاعر الإنسانية، فإن وظيفتها الثقافية كأداة للتواصل وتبادل المشاعر بين البشر لا يمكن إنكارها.
فالموسيقى من جهة، نابعة من أصوات الطبيعة، وهي نتيجة لتفاعل الإنسان مع العناصر الطبيعية وتأثير الجغرافيا، ومن جهة أخرى، ترتكز على المشاعر الإنسانية، ما يمنحها بُعدا عاطفيا وثقافيا يتجاوز اللغات المتداولة. وكما يقول الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور، فإن الموسيقى أسمى الفنون؛ لأنها أكثر تحررا من الأهداف غير الفنية والسياسية مقارنة بالفنون الأخرى، ومن ثم فهي أقدر على نقل المشاعر الإنسانية بشكل نقي.
إلى جانب ذلك، فإن الوظيفة الثقافية للموسيقى تجعلها ميدانا لتفاعل الثقافات المختلفة، رغم اختلاف اللغات بينها. ومن أبرز الأمثلة المثيرة للاهتمام على هذا التعاون الثقافي في عالمنا المعاصر، أعمال الموسيقار اليوناني “ياني” التي تمثل تجسيدا حقيقيا لحوار الحضارات.
فقد شارك في أوركستراه موسيقيون من جنسيات وثقافات متعددة، وتضمنت عروضه ألحانا محلية مختلفة، ما جعل من هذه الفرقة نموذجا لتفاعل ثقافي على المستوى العالمي. وفي هذا السياق، كانت الموسيقى الإيرانية والعربية، خصوصا بعد ظهور الإسلام، ساحة بارزة لمثل هذه التفاعلات الثقافية، نتيجة التقارب الديني ووجود نظام الخلافة.
نظريا، تناول العديد من الفلاسفة الإيرانيين مسائل الموسيقى ضمن مباحث الرياضيات، وقد جاء ذلك في ظل انتشار الموسيقى في عصر الخلافة الأموية ثم العباسية؛ فالفارابي كتب “الموسيقى الكبير”، وتحدث ابن سينا عن الموسيقى في “الشفاء” ضمن قسم الإلهيات، كما ألّف صفیالدین الأرموي “الرسالة الشريفة” في علم الموسيقى، وتناول قطب الدين الشيرازي أيضا الموسيقى في كتابه “دُرّة التاج”.
ونظرا إلى كون هذه الأعمال ظهرت في ظل الخلافة التي وحّدت أراضي العالم الإسلامي، فإنها شكلت أرضية لتلاقح التجارب الثقافية للشعوب المختلفة كالفرس والترك والعرب والروم، ولم تكن الموسيقى بمنأى عن هذا التفاعل.
ومن أبرز مجالات هذا التفاعل الثقافي ما يُعرف بـ”مقام العراق” في الموسيقى الإيرانية. ومع تطور الموسيقى الإيرانية، أصبح هذا المقام جزءا من “دستگاه ماهور” الإيراني. ويبدو أن مقام العراق نشأ تاريخيا في عهد الخلافة العباسية، ولم يقتصر تأثيره على الموسيقى الإيرانية؛ بل امتد ليشمل الموسيقى الأويغورية والهندية، ومن ثم دخل إيران في العصر التيموري عبر المنطقة الثقافية لهراة.

كما حظي مقام العراق بشعبية في شمال أفريقيا، حيث نُظر إلى موسيقى “النوبة” بوصفها فرعا من مقام العراق. ومن بين الآلات المستخدمة في هذا المقام: آلة “الجوز” الوترية (إيرانية الأصل)، والسنتور، والطبول العربية مثل النقارة والتمپو. ويُعبر مقام العراق عن الحزن والنحيب، مستندا إلى الخلفية الجغرافية لجنوب العراق ومنطقة بين النهرين. ويعود تاريخه إلى زمن هارون الرشيد، حين كانت بغداد مركزا للعالم الإسلامي.
وقد قام أبو الحسن زرياب، مخترع آلة الغيتار، بنقل مقام العراق إلى شمال أفريقيا بعد أن لم يحظَ باهتمام هارون الرشيد، فرحل إلى الأندلس. كما برز في العهد العثماني “رحمة الله شيلتق”، وفي القرن العشرين “محمد القبنجي”، بوصفهما من أعظم مؤدي المقام العراقي.
ومن أبرز تلامذة القبنجي: يوسف عمر، وناظم الغزالي، وهما من كبار منشدي المقام العراقي وكانا يقيمان بالعراق. ومن المنشدين المعاصرين لهذا المقام: ملا عثمان الموصلي، وأحمد زيدان، ويوسف حريش، ومحمود الخياط، وسليمان موشي. ويُؤدى مقام العراق غالبا في الزوايا الصوفية، والأسواق، والمناسبات العامة، وكذلك في الاحتفالات الدينية كمولد النبي محمد (ص).
إلى جانب مقام العراق، تُعدّ “غوشه حجاز” (غوشه: مقطع موسيقي فرعي) من المقاطع الموسيقية الإيرانية التي تندرج ضمن “دستكاه شور”، وتشكل مظهرا من مظاهر التفاعل الموسيقي الإيراني-العربي. وما يثير الاهتمام أن غوشه حجاز كانت شائعة تاريخيا من شمال أفريقيا حتى إيران وتركيا وآسيا الوسطى.
وداخل إيران، اندمج هذا النمط الموسيقي في “آواز أصفهان” وأصبح غوشة مستقلة. وقد وجدت هذه الغوشة مكانا في الموسيقى المغاربية كذلك. وتعود شعبيتها إلى ارتباط مقام الحجاز بالطقوس الدينية الإسلامية؛ حيث يعكس هذا المقام روح التضرع والدعاء، ويُؤدى خصوصا من على مآذن المساجد. وتنحدر هذه الغوشة من ألحان سكان جزيرة العرب، وتتميز بطابعها الحزين والعاطفي، ما جعلها مناسبة للقراءات القرآنية، ومن أبرز قرائها: مصطفى إسماعيل من مصر، وحامد شاکرنژاد من إيران.
أما من حيث الجذور التاريخية، فإن موسيقى الحجاز تعود إلى العصر الأموي، حين سعى معاوية بعد خلافة الراشدين إلى إحداث تغييرات ثقافية في منطقة الحجاز من خلال تشجيع الموسيقى. وقد وصل الأمر إلى أن بعض خلفاء بني أمية كانوا يعزفون ويؤلفون الموسيقى بأنفسهم. وذكر أبو الفرج الأصفهاني في كتابه “الأغاني” أن عمر بن عبد العزيز ووليد بن يزيد من الخلفاء الذين نُسبت إليهم أغانٍ خاصة بهم.
ومن أوائل المطربين في الحجاز بعد الإسلام: “طويس”، و”قند” وعبد سعد بن أبي وقاص، و”جميلة” التي كانت من أولى المغنيات في بداية العصر الأموي. وقد استُخدمت الموسيقى في بدايات العصر الأموي كأداة لصرف الشباب في مكة والمدينة عن الانضمام إلى الحركات المعارضة لبني أمية، مثل حركة عبد الله بن الزبير، عبر إشغالهم بالترف والموسيقى.
ومن جهة أخرى، أدى تراكم الثروات في مكة والمدينة بعد الفتوحات الإسلامية إلى بروز آداب ثقافية جديدة في هذين المركزين. وقد ساهم الوضع الاقتصادي الجديد إلى جانب سياسة معاوية الترفيهية، في ترسيخ الموسيقى بمنطقة الحجاز.
ومن أبرز الموسيقيين الذين ظهروا في هذا السياق: “أبو عثمان سعيد بن مسحج” و”مسلم بن محرز”، اللذان استلهما ألحانا من عمال البناء الإيرانيين الذين شاركوا في إعادة إعمار الكعبة في عهد الزبيريين خلال القرن الأول الهجري. ومن اللافت أيضا أن “عزة الميلاء” كانت أول مغنية تظهر في الحجاز بعد الإسلام.
إن ما يُعرف اليوم بـ”آواز حجاز” في الموسيقى العربية لا يمكن فصله عن تأثير الألحان العربية التقليدية، وكذلك تأثير العمال الإيرانيين الذين قدموا إلى مكة في القرن الأول الهجري للمساهمة في إعمارها بعد حادثة الحرة.
ولا شك في أن الموسيقى العربية تُعد من أعرق أنواع الموسيقى التي أثرت في العديد من الثقافات حول العالم. فنجد غوشة حجاز وآواز أبو عطا في الموسيقى الإيرانية، والموسيقى الأرابيسك في تركيا، والفلمنكو في إسبانيا (وهو فرع من موسيقى الأندلس)، بل حتى موسيقى الراب الأمريكية تأثرت جزئيا بالموسيقى العربية.
وهكذا، فإن فن الموسيقى يمثل ميدانا مهما للتفاعل الثقافي، وتجسيدا فعليا لمشاركة الحضارات. ووجود مقاطع موسيقية مثل حجاز، والعراق، وآواز أبو عطا في الأنظمة الموسيقية الإيرانية يؤكد أن الثقافة،خصوصا الموسيقى، تتشكل من خلال التفاعل الثقافي بين الشعوب.

