انتقادات لغياب الحكومة الإيرانية عن السوق وخطط جديدة لمواجهة الغلاء

نشر موقع مشرق نيوز الإيراني يوم الثلاثاء 9 سبتمبر/أيلول 2025 في تقرير له، أن المرشد الأعلى علي خامنئي حذر، خلال لقائه الأخير مع أعضاء الحكومة، من ترك الأسواق دون رقابة، مؤكدا أن ما يُعرف بـ”الغلاء الاعتباطي” يمثل نتيجة مباشرة لغياب الدولة عن السوق، وأضاف التقرير أن حكومة مسعود بزشكيان أعلنت بدء مواجهة المحتكرين بعد عام من الامتناع عن التدخل.

غياب الدولة عن السوق

ذكر الموقع الإيراني أن المرشد الأعلى بإيران علي خامنئي، خلال لقائه الأخير مع أعضاء مجلس الوزراء، شدد على ضرورة انضباط السوق، محذرا في الوقت نفسه من ترك الأسواق دون رقابة، مشيرا إلى مسألة مهمة تُعرف باسم “الغلاء الاعتباطي”.

Image

وتابع أن المرشد أوضح في هذا السياق، أنَّ توافر السلع الأساسية في البلاد يجب أن يكون مضمونا بالكامل، مؤكدا أنه متى ما توافرت هذه السلع في الوقت المناسب، فإن ذلك سينعكس مباشرة على موائد الناس، بحيث لن يكون هناك غلاء طارئ أو اعتباطي في السوق، ولن تُهدَّد الأمن الغذائي للبلاد.

وأضاف أن ما يُعرف بالغلاء الاعتباطي هو ذاته “الغلاء غير المنضبط”، أي ارتفاع الأسعار غير الاقتصادي، الذي لا يستند إلى أي قاعدة مرتبطة بالسوق أو الدولار أو العقوبات أو التضخم، لافتا إلى أن الطريق الوحيد لإلغائه هو من خلال “إشراف فاعل من الدولة على الأسواق والأسعار”.

وأشار الموقع إلى أنه كما ظهر في التجربة الأخيرة، فإن حكومة مسعود بزشکیان وبعد عام كامل من الامتناع عن التدخل في السوق، أعلنت رسميا أنها تخلت عن النصائح وانتقلت إلى مرحلة مواجهة المحتكرين ومتسببي الغلاء.

وذكر أن اللافت هو أن المرشد أيضا انتقد مسألة ترك الأسواق أو ما يُعرف بـ”ظاهرة غياب الدولة عن الاقتصاد”، منبها الحكومة إلى ضرورة تجنّب هذه الحالة.

وأوضح التقرير أن الغلاء غير المنضبط يجب فهمه على أنه نتيجة مباشرة لغياب الدولة عن السوق، حيث يستغل الطامعون والساعون وراء الربح هذا الغياب ليخرجوا بالأسعار من القنوات التنافسية المتأثرة بالسوق والدولار والعقوبات والتضخم، ويدفعوا بها نحو قنوات تؤمّن مصالحهم الخاصة.

وختم الموقع بتأكيد أنه رغم أن المنظرين لموضوع “الغلاء غير المنضبط” وسبل معالجته كانوا حتى الآن قلة، فإنه بعد أن تبيّن أن هذه الظاهرة قضية جديدة وتحظى باهتمام على المستوى السيادي، فإن المتوقع أن يدخل باقي الاقتصاديين والعارفين بأوضاع السوق والمعيشة إلى هذا النقاش ويقدّموا رؤاهم.

تنظيم السوق

ذكر الموقع أن محمدرضا عارف، النائب الأول لرئيس الجمهورية، وخلال اجتماع لجنة تنظيم السوق، أشار إلى اللقاء الأخير لأعضاء الحكومة مع المرشد، معربا عن شكره لدعم وتوجيهات المرشد للحكومة الحالية، مؤكدا أن لجنة تضم وزراء الصناعة والتجارة والمناجم، والجهاد الزراعي، والاقتصاد والمالية، إلى جانب رؤساء منظمة التخطيط والموازنة والبنك المركزي، ستضع خلال أسبوعين الآليات والخطط الاستراتيجية اللازمة لتنفيذ توجيهات المرشد الأعلى بإيران بشأن الاهتمام بمعيشة المواطنين، وخاصة تثبيت الأسعار وتأمين السلع الأساسية.

Image

وأضاف أن عارف أوضح أن المرشد شدد في هذا اللقاء، على أن انضباط سوق السلع أمر في غاية الأهمية، ولا ينبغي أن يشعر المواطنون بأن السوق متروك، داعيا النقابات والهيئات الرقابية والتفتيشية إلى تعزيز إشرافها، ومؤكدا أن الحكومة وضعت على جدول أعمالها مواجهة الغلاء والاحتكار بجدية في ضوء الظروف الخاصة التي تمر بها البلاد.

وتابع أن عارف لفت إلى أن لجنة تنظيم السوق حققت نتائج جيدة في مجال الرقابة على الأسواق، كما أحرزت تقدما ملحوظا من خلال آلية الرقابة المشتركة بين النقابات وقوات التعبئة، مشددا على أن الإجراءات والاستراتيجيات الفعالة للجنة يجب أن تتواصل بقوة في “الحرب الاقتصادية ذات لإيران وإسرائيل”.

وذكر أن النائب الأول للرئيس شدد على أن زعزعة استقرار الأسواق تمثل أحد أهم محاور استراتيجية الأعداء بعد فشلهم في الحرب الاقتصادية الأخيرة، مشيرا إلى تقرير وزارة الجهاد الزراعي حول خفض أسعار لحوم الدجاج، ومؤكدا أن هذه الوزارة ملزمة باستخدام كل الآليات الممكنة والاستفادة من قدرات ودعم الاتحادات لتصحيح أسعار هذه السلعة.

وأشار الموقع إلى أنه ورغم وجوب الترحيب بخطوة الحكومة في الرقابة على الأسواق ومكافحة الغلاء، ورغم ضرورة تقدير جهودها في هذا المجال، إلا أنه لا بد من التذكير، تعقيبا على رضا عارف بأداء لجنة تنظيم السوق، بأن آثار هذه الإجراءات لم تُلمس بعد على أرض الواقع.

وأوضح أن المواطنين ما زالوا لا يشعرون بأن الأسواق قد خرجت من حالة الفوضى والإهمال، وأن هناك انضباطا تنافسيا أو سعريا، فيما ما زالت الأسعار بعيدة عن الرقابة الفعلية للدولة.

وتابع أن مثالا صارخا على ذلك هو قضية استيراد الأرز الحكومي بسعر 70 ألف تومان وبيعه للمواطنين بسعر مضاعف، وهي القضية التي ما زالت محل نقاش واسع، دون وضوح لمصيرها.

وتابع التقرير بتأكيد أن الحكومة، خاصة بعد توجيهات قائد المرشد الأخيرة بشأن السوق والغلاء الاعتباطي ومعيشة المواطنين، ملزمة بمتابعة نتائج إجراءاتها في الميدان، وأن تدرك أن كل القرارات والاجتماعات يجب أن تكون آثارها ملموسة للمواطنين في الواقع.

 كما شدد على ضرورة أن تراجع حكومة الدكتور مسعود بزشکیان مكامن الخلل في عمل لجنة تنظيم السوق على مدى العام الماضي، وهو ما أدى إلى تحذير المرشد، وأن تدرك أن هذه اللجنة تحتاج اليوم إلى مراجعة جادة خلال أسبوعين لتنفيذ توجيهات المرشد.

دعم المشاريع الصغيرة

ذكر الموقع أن أحمد ميدري، وزير العمل والتعاون، أعلن في كلمة له خلال مراسم افتتاح عبر الفيديو، أن الوزارة ركزت خلال عام 2024 على صناعة الملابس، موضحا أنه تم إطلاق مشروع بالتعاون مع بنكي التجارة والتنمية التعاونية، حيث تم إعداد استمارة لجميع العاملين في المشاغل الصغيرة والمنزلية الخاصة بالملابس، وسيتم بدء تنفيذ خطة اعتبارا من مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2025 تتيح لهؤلاء شراء الخيوط مباشرة من المصانع، مع تخصيص خط ائتماني بقيمة 500 مليون تومان لكل منتج بضمان بنك التنمية التعاونية، دون الحاجة إلى مراجعة حضورية، والاكتفاء بامتلاك حساب مصرفي، بما يسهم في تقليص دور الوسطاء، على أن يتم في المرحلة التالية تسهيل عملية بيع منتجاتهم.

Image

وأضاف الموقع أن الوزير شدد أيضا على أن الحكومة ينبغي أن تدعم المشاريع الصغيرة لتتمكن من النمو، مبينا أن الوزارة بدأت منذ انطلاق حكومة مسعود بزشكيان بدعم المشاغل المنزلية، خصوصا في مجال إنتاج الملابس، إلا أن هذه المشاغل الصغيرة، التي يعمل كل منها بشكل منفرد، أدت إلى فقدان السوق المحلي لصالح الدول الأجنبية. 

وأوضح أن الوزارة بحثت السبل الكفيلة بدفع هذه المشاغل نحو العمل الجماعي والتحول إلى “تشكل تنظيمي” يجمعها في إطار موحد.

وتابع ميدري قائلا: “إن الخطوة الأولى تتمثل في معرفة حجم هذه المشاغل وعدد العاملين فيها”، لافتا إلى أن وزارة العمل لا تملك إحصاء دقيقا بعدد الورشات المنزلية في البلاد، ولذلك أعدت استمارة لتعبئتها من جانب منتجي الملابس المنزليين، كما تم الاتفاق مع بنكي التجارة والتنمية التعاونية لمنحهم تسهيلات، والتفاوض مع البنك المركزي لمنح الشركات التعاونية للمشاغل المنزلية في قطاع الملابس إمكانية الحصول على “شيكات موردية” تصدر لعملية محددة، دون اشتراط حساب جارٍ أو حركة مالية مسبقة.

وذكر أن الوزير أوضح أن تجمع هذه المشاغل في إطار واحد سيمكنها من القيام بالتسويق والسيطرة على أسواق المدن الكبرى، لكن بدلا من ذلك يُكتفى بتقديم قروض وتحفيزات مالية تولّد مشكلات قانونية.

 وضرب مثالا بما كان يحدث في الماضي حين كان يعلن أن رئيس الجمهورية سيفتتح مشروع تشجير في منطقة ما، فيتم جلب أشجار من مدينة أخرى، لكن بعد أسبوعين تجف الأشجار، مؤكدا أن مثل هذا النهج لا يعد عملا حقيقيا.

وأشار التقرير إلى أنه مع الإشادة بتوجه الحكومة ووزارة العمل لدعم المشاغل الصغيرة المنزلية والتعاونيات، وتأكيد أن المجتمع والاقتصاد الإيرانيين يمتلكان أرضية خصبة لنمو هذه المشاغل في مختلف المجالات، إلا أنه ينبغي التنبيه إلى مسألة أساسية، وهي ضرورة مراعاة العدالة و”الاهتمام الحقيقي بالمشاغل الصغيرة”.

وتابع أن ذلك يعني وجوب شمول أصغر المشاغل في أبعد البيوت بالاهتمام، بحيث تتمكن التعاونيات من استيعاب جميع أصحاب هذه الأنشطة.

وتابع الموقع بتأكيد أن هذا الأمر يجب أن يتم مع مراعاة الهدف النهائي المتمثل في إنشاء سوق قائم على العدالة، إذ أن وجود سوق من هذا النوع سيمنح فلسفة تشكيل التعاونيات معنى أوسع، مشددا على أن دور الحكومة ينبغي أن يكون في تيسير عمليات البيع وتهيئة بيئة اقتصادية عادلة لتسويق هذه المنتجات.

وذكب الموقع أن إنتاج المشاغل المنزلية في إيران يُباع اليوم غالبا عبر المنصات الافتراضية والفضاءات الإلكترونية، وهو ما يؤدي- بفعل خصوصيات هذه البيئة– إلى نشوء حالات من التمييز.

وتابع أن المنتج المنزلي إذا لم يستعن بمؤثرين، ولم يمتلك مالا للإعلانات، ولم يتقن الأساليب الصعبة والمتقلبة لشبكات التواصل والمنصات، فإنه لن يتمكن أبدا من بيع منتجه بشكل جيد، حتى لو كان يعرض سلعة بأعلى جودة وأقل سعر.

وأضاف أن “المؤسف في الأمر أن التعاونيات لا وجود يُذكر لها في مجمل هذه العملية”، لافتا إلى أنه ربما لا يكون غياب التعاونيات بحد ذاته إشكالا كبيرا، لكن غياب سوق عادل للشراء والبيع يمثل مشكلة خطيرة.

وأشار التقرير إلى أن الحاجة تقتضي وجود سلطة خارجية وحاكمة تتدخل لتؤسس سوقا يتيح لجميع أصحاب المشاغل عرض منتجاتهم مباشرة ومن دون وسطاء وبلا تمييز، كما يجب أن يتمكن المستهلكون من الدخول إلى هذا السوق بحرية، وأن يُتاح لهم اختيار أفضل الأسعار وأعلى جودة ورؤية جميع المنتجات التي يرغبون بها.

وذكر أن من حق بائعي المنتجات المنزلية أن يسوقوا سلعهم بالاستعانة بالمؤثرين وبأي حجم من الإعلانات، لكن هذا الحق لا يلغي حق الآخرين في التواجد بسوق يضمن عدالة البيع للجميع، ويكون بعيدا عن تأثير المؤثرين والمدونين.

وأوضح التقرير أن تشكيل مثل هذا السوق ليس بوسع أحد سوى الدولة وسلطتها الحاكمة، ذلك أن المدونين والدوائر الإعلانية لا يرغبون بطبيعة الحال في فقدان هيمنتهم على مجال المبيعات.

وتابع أن الوزير المعنيَّ ووزارة العمل إذا كانوا يعتقدون أن التعاونيات يمكن أن تساعد المنتجين الصغار في الوصول إلى هذا السوق العادل، فلا مانع من الاهتمام بها، لكن هذا الاهتمام لا يعفي الوزارة من مسؤوليتها الجوهرية في تأسيس السوق المنشود.

وختم الموقع بتأكيد أن هذه هي الحاجة الأبرز للمشاغل الصغيرة والمنزلية في إيران، وهي حاجة مرتبطة كليا بوجود الدولة وقراراتها. 

فإذا كانت هناك حكومة بمسؤولين يسعون للعدالة وبعيدين عن المظاهر الشكلية، فإن بإمكانهم أن يقدموا عملا حقيقيا لهذه المشاغل، وأشار إلى أنه في سائر المجالات قد لا يترتب على غياب الحكومة أثر كبير، لكن غياب سوق عادل لمنتجات المشاغل الصغيرة يعني أن هذه الأنشطة ستفقد مبرر وجودها بسهولة، ما يؤدي إلى تراجع جزء مهم من اقتصاد البلاد.