- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 735 Views
تحقيق: ربيع السعدني
انفوجراف: عاصم مسعد
تُعد علاقة إيران بالوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) واحدة من أكثر العلاقات تعقيدا في تاريخ الطاقة النووية العالمية، بدأت هذه العلاقة في الخمسينيات كشراكة تعاونية تحت مظلة برنامج “الذرات من أجل السلام” الأمريكي، لكنها تحولت تدريجيا إلى مصدر نزاع دولي حاد، يتضمن تفتيشات، وتقارير، وقرارات أممية، وعقوبات وطرد من إيران ثم عودة مشروطة. وفي هذا التحقيق الخاص نرصد أهم الأحداث الرئيسية، والتفتيشات، والتقارير الأممية، والقرارات، والنزاعات، والطرد ثم العودة المشروطة للمفتشين، مع ترتيب زمني من الخمسينيات حتى أغسطس/آب 2025.
بدأ برنامج إيران النووي في الخمسينيات بدعم أمريكي، وانضمت إيران إلى الوكالة في عام 1958، بعد الثورة عام 1979، أصبح البرنامج مصدر شكوك دولية، خاصة مع كشف منشآت سرية في 2002، أدت النزاعات إلى إحالة الملف إلى مجلس الأمن، وعقوبات، ثم اتفاق نووي في 2015، قبل أن يتصاعد التوتر مرة أخرى مع انسحاب أمريكا في 2018، بحلول 2025، شهدت العلاقة طردا للمفتشين بعد هجمات على منشآت نووية، تلتها عودة مشروطة محدودة.
الخمسينيات: بدايات التعاون
بدأت علاقة إيران بالطاقة النووية في عام 1957، عندما وقعت اتفاقية تعاون نووي مدني مع الولايات المتحدة كجزء من برنامج “الذرات من أجل السلام” الذي أطلقه الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور، في خطاب ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أعلن الرئيس أيزنهاور أن الدول الأخرى لها الحق في امتلاك برامج لاستخدام الطاقة الذرية لأغراض سلمية، مثل إنشاء محطات طاقة وتأسيس أقسام للفيزياء النووية في جامعاتها، وتعهد بتوفير مفاعل تدريبي.
واستند أيزنهاور إلى خبرته العسكرية ليؤكد أن الأسلحة الذرية ستمنع نشوب حرب عالمية جديدة مماثلة للحربين العالميتين الأولى والثانية، وبعد فترة وجيزة، زودت الولايات المتحدة الجامعات الأمريكية بالمعدات والمعلومات اللازمة لتدريس العلوم والتكنولوجيا النووية، وكانت إيران وباكستان أول دولتين أجنبيتين تسلمتا هذه المعدات، بما في ذلك مفاعل تدريبي، من الولايات المتحدة.
سمحت الاتفاقية ببناء مفاعل بحثي في جامعة طهران، وتزويد إيران بـ يورانيوم مخصب بنسبة 5%. وفي عام 1958، انضمت إيران إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية كعضو مؤسس، ووقعت اتفاقية ضمانات نووية في عام 1970، تتيح للوكالة تفتيش المنشآت النووية لضمان عدم تحويلها إلى أغراض عسكرية، كانت التفتيشات الأولى روتينية وتعاونية، تركز على المفاعل البحثي في طهران.
لم تكن هناك نزاعات كبيرة، حيث كان البرنامج مدعوما من الغرب، بحلول نهاية الخمسينات، أنشئت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية (AEOI) لإدارة البرنامج، مع خطط لبناء محطات نووية وعُيّن أكبر اعتماد، المعروف بـ”أبو التكنولوجيا النووية الإيرانية”، عام 1968 أول رئيس لمعهد البحوث والتخطيط العلمي والتعليمي، وهو المعادل الإيراني للمركز الوطني للبحث العلمي في فرنسا، وفي عام 1974 تولى رئاسة منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، التي أسسها وترأسها حتى عام 1978.
الستينيات والسبعينيات: التوسع تحت حكم الشاه

في الستينيات، توسع البرنامج مع مساعدة أمريكية وأوروبية، في عام 1967، بدأ بناء مفاعل طهران البحثي، ومع بدء تشغيل المفاعل البحثي الذي قدمته الولايات المتحدة لإيران في عام 1967، وقعت إيران، مثل 50 دولة أخرى، على معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT) في عام 1968، والتي تعهدت بموجبها بعدم السعي إلى امتلاك قنبلة نووية أبدا، ملتزمة بضمانات الوكالة التفتيشات كانت منتظمة، وأصدرت الوكالة تقارير إيجابية عن الامتثال.
في السبعينيات، خطط الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي لبناء 20 محطة نووية بحلول 2000، مع عقود مع ألمانيا (بوشهر) وفرنسا (دارخوين)، التفتيشات استمرت دون مشاكل، لكن بعض التقارير الأمريكية السرية أعربت عن مخاوف من طموحات نووية عسكرية محتملة وفي العام 1974، وقعت إيران اتفاقية ضمانات شاملة مع الوكالة الدولية، تسمح بتفتيش أي منشأة نووية، لم تكن هناك نزاعات كبيرة، لكن الثورة عام 1979 غيرت كل شيء.
الثمانينيات والتسعينيات: ما بعد الثورة والعزلة

بعد الثورة، أوقفت إيران البرنامج مؤقتا، لكنها استأنفته في الثمانينيات وسط الحرب مع العراق، رفض الغرب المساعدة، فلجأت إيران إلى السوق السوداء، وضمن ذلك شبكة عبد القادر خان الباكستانية، التفتيشات استمرت، لكن الوكالة لم تكتشف أنشطة سرية، وفي التسعينيات، بدأت إيران بناء منشآت مثل نتانز وأراك سرا وفي عام 1991، أجرت الوكالة تفتيشا خاصا بعد مزاعم أمريكية، لكنها لم تجد دليلا على أي انتهاكات، التقارير كانت إيجابية، لكن الشكوك نمت، بحلول 2000، كانت إيران قد طورت قدرات تخصيب يورانيوم دون إبلاغ الوكالة، مما أدى إلى أزمة كبرى.
العقد الأول من الألفية الثالثة: الكشف والنزاعات

في أغسطس/آب 2002، كشفت منظمة معارضة إيرانية (مجاهدي خلق) عن منشآت نووية سرية في نتانز وأراك، ومن المثير للاهتمام أنه في ذلك الوقت كانت هذه المنظمة مدرجة رسميا على قائمة الولايات المتحدة للجماعات الإرهابية، لكن ممثل تلك المنظمة في الولايات المتحدة- تحت اسم المجلس الوطني للمقاومة أو NCR- ظهر في فندق ويلارد في واشنطن وقدم وثائق ادعى أن تلك المنظمة حصلت عليها إلى وسائل الإعلام، مما دفع الوكالة إلى إجراء تفتيشات فورية، وفي فبراير/شباط 2003، أكدت الوكالة وجود تخصيب يورانيوم غير معلن، وأصدرت تقريرا يتهم إيران بعدم الامتثال الكامل.
بدأت سلسلة من النزاعات: في يونيو/حزيران 2003، أصدرت الوكالة تقريرا يطالب إيران بوقف التخصيب، وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2003، وقعت إيران اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي (E3: بريطانيا، فرنسا، ألمانيا) لتعليق التخصيب مؤقتا، التفتيشات كشفت عن تجارب سابقة على البلوتونيوم وبولونيوم-210، مما أثار مخاوف عسكرية.
وفي عام 2005، استأنفت إيران تخصيب اليورانيوم، مما دفع الوكالة إلى إحالة الملف إلى مجلس الأمن في فبراير/شباط 2006، أصدرت الوكالة تقارير متكررة (مثل GOV/2006/14) تؤكد عدم التعاون الكامل، القرارات الأممية بدأت:
• قرار 1696 (يوليو/تموز 2006) يطالب بوقف التخصيب ثم تلاه
• عقوبات في قرار 1737 (ديسمبر/كانون الأول 2006).
بين عامي 2007-2008، كشفت تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن “أبعاد عسكرية محتملة” (PMD) في البرنامج الإيراني، بناء على وثائق استخباراتية، إيران نفت، لكن النزاع تصاعد مع قرارات مثل 1803 (2008)، بحلول 2009، كشفت إيران عن منشأة فوردو السرية، حيث حصلت بريطانيا على معلومات سرية حول منشأة لتخصيب اليورانيوم في مجمع عسكري تحت الأرض يُسمى فوردو، في إطار جهود إيران لبناء قنبلة نووية، وأطلعت عليها وكالات استخبارات غربية وإسرائيلية، غيّر اكتشاف موقع فوردو فهم العالم للبرنامج النووي الإيراني، ودفع إسرائيل والغرب إلى وضع خطط عسكرية وسيبرانية جديدة لمواجهته، مما أدى إلى تفتيش فوري وصدور تقرير سلبي من الطاقة الذرية ضد طهران.
العقد الثاني: الاتفاق النووي والانسحاب

في 2010-2012، فُرضت عقوبات إضافية (قرارات 1929، 1984)، وأجرت الوكالة تفتيشات مكثفة، في نوفمبر/تشرين الثاني 2011، أصدرت الوكالة تقرير (GOV/2011/65) التقييم النهائي الذي تقدمه للقضايا السابقة، المعروفة باسم “PMDs” بما في ذلك تجارب تفجيرية، وفي هذا التقرير، زعمت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران أجرت بعض أنشطة البحث والتطوير في مجال الأسلحة النووية قبل عام 2003، ولكن بعد عام 2009، لم تكن هناك أي دلائل على وجود أنشطة نووية مشبوهة من جانب إيران، ويجب على الدول الأعضاء في مجموعة 5+1.
وفقا للمادة 14 من الاتفاق النووي، تقديم قرار إلى مجلس المحافظين بهدف إغلاق قضية PMD، ويجب على مجلس المحافظين أيضا الموافقة على هذا القرار وإغلاق الملف، وهو ما سيحدث خلال الأسبوعين المقبلين.
إيران سمحت بتفتيش موقع بارشين العسكري في 2015، بعد سنوات من الرفض.
في يوليو/تموز 2015، وقعت إيران اتفاق الإجراء الشامل المشترك (JCPOA) مع P5+1 (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا)، حدد الاتفاق التخصيب إلى 3.67%، وسمح بتفتيشات واسعة، بما في ذلك بروتوكول إضافي، أصدرت الوكالة تقارير إيجابية عن الامتثال حتى 2018، خاصة بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في مايو/أيار 2018 تحت إدارة ترامب الأولى، مما دفع إيران إلى تقليل التزاماتها تدريجيا من 2019، وستلتزم دول مجموعة 5+1 أيضا بالإجراءات التالية:
1- لا تفرضوا عقوبات جديدة على إيران
2- يجب رفع بعض العقوبات في أبعاد مختلفة
3- يجب الحد من وصول إيران إلى الموارد المصرفية
4- يجب إصدار ترخيص لتصدير النفط بحوالي مليون برميل يوميا
5- خلال هذه الأشهر الستة، يُسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم إلى 5% دون قلق من قرارات العقوبات الأربعة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة
6- إذا نفذت إيران التزاماتها، فيمكنها مواصلة مسار تخصيب اليورانيوم حتى نهاية المراحل الثلاث، أعتقد أنه إذا لم تُمنح إيران أي تنازلات أخرى، فسيكون هذا التنازل مساويا لجميعها، لأنه بهذه الطريقة، يمكن لإيران مواصلة أنشطتها النووية السلمية دون عقوبات ودون تهديد الحرب العسكرية.
وبعد عام واحد فقط في 2020، أوقفت إيران تنفيذ البروتوكول الإضافي، مما حد من التفتيشات، التقارير أصبحت سلبية، مثل GOV/2020/26، الذي يتهم إيران بإخفاء مواد نووية.
العقد الثالث: التصعيد والطرد والعودة المشروطة

في 2021-2022، تصاعد التوتر: في فبراير/شباط 2021، حدت إيران من كاميرات الوكالة، وفي يونيو/حزيران 2022، أزالت 27 كاميرا بعد قرار الوكالة GOV/2022/26 الذي ينتقد عدم التعاون.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2022، أصدرت الوكالة قرارا يطالب بتوضيحات عن آثار يورانيوم في مواقع غير معلنة.
في سبتمبر/أيلول 2023، طردت إيران ثمانية مفتشين أوروبيين، متهمة إياهم بالتحيز، جاء هذا القرار من جانب طهران بعد أن فشلت الدول الأوروبية الثلاث الأعضاء في الاتفاق النووي (بريطانيا، فرنسا، وألمانيا)، على الرغم من تعاون إيران البناء مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في الوفاء بالتزاماتها بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق، بل قدمت أيضا وسائل مختلفة للضغط على طهران، وحاولت من خلال إصدار بيانات غير بناءة تعطيل عملية التعاون بين إيران والوكالة، مما أثار غضب الوكالة، أصدرت تقريرا (GOV/2023/60) يؤكد انخفاض الرقابة بنسبة 30%، النزاع استمر مع تخصيب يورانيوم إلى 60%، قريبا من المستوى العسكري.
في العام 2025 بعد هجمات إسرائيلية/أمريكية على منشآت نووية، أوقفت إيران التعاون الكامل، وطردت المفتشين في يوليو/تموز 2025 بعد قرار الوكالة GOV/2025/38 الذي يدين إيران، حيث أصدرت تقريرا سريا في الأول من يونيو/حزيران 2025، كررت فيه مزاعم قيام إيران بتجميع يورانيوم مُخصب “صالح للاستخدام في صنع الأسلحة”، ودعت طهران إلى التعاون الكامل والفعال مع الوكالة، جاء التقرير في مرحلة حرجة، تزامنا مع المفاوضات بين طهران وواشنطن بشأن البرنامج النووي الإيراني.

وكتبت الوكالة الدولية للطاقة الذرية رسالة على منصة “X” أن “فريق مفتشي الوكالة، بعد إقامته في طهران خلال الصراع العسكري الأخير، غادر إيران بسلام اليوم للعودة إلى مقر الوكالة في فيينا”، كما كشفت تقارير عن صفقة مزعومة بين E3 ورئيس الوكالة رافائيل غروسي، يعدونه بمنصب أمين عام الأمم المتحدة مقابل تقارير سلبية.
اتهامات بالتجسس
أقرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ضمن تقريرها الفصلي، بأن إيران قامت بطرد مفتشين اثنين وإلغاء تكليفهما، بعد أن نقلا وثائق سرية من إيران إلى فيينا، في خطوة أثارت الجدل، ونقل موقع فوردو عن صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية أن التقرير، الذي صدر مؤخرًا، كشف عن إلغاء إيران تعيين “مفتشين متمرسين” من الوكالة في أغسطس/ آب 2025، وأوضحت الوكالة أن هذا القرار جاء كرد فعل على خطأ ارتكبه المفتشان، إذ نقلا وثائق إلى فيينا كان يجب أن تظل محفوظة في مقر الوكالة بموقع فوردو النووي ومع ذلك، وصفت الوكالة قرار إيران بأنه “غير مبرر”، مما أضفى مزيدًا من التوتر على الموقف.
فيما قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إنه “لا اتفاق نهائيا”، وسط تهديدات E3 بـ”snapback” sanctions، وأصدر رافائيل غروسي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية بيانا في 16 يونيو/حزيران 2025 يعبر عن قلق من الوضع، بينما احتج نواب إيرانيون على العودة، كما أفاد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، خلال مؤتمر صحفي ونقله موقع “دنيا اقتصادي” الإلكتروني، بأن المباحثات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تسفر بعد عن قرارات نهائية، رغم جولتين من الحوار، وأوضح بقائي أن إيران خالية حاليا من أي مفتشي الوكالة، مشيرا إلى أن العمل على وضع إطار للتعامل معها لا يزال قيد الدراسة ولم يُحسم بعد.
وأضاف بقائي، في سياق حديثه عن مسار المفاوضات مع الوكالة، أن القرار بشأن استمرار الحوار لم يُتخذ حتى الآن، مُبقيا الأمور معلقة في انتظار تطورات جديدة، وعن تصرفات الدول الأوروبية الثلاث، شدد بقائي على أنها تفتقر إلى أي سند قانوني، محذرا من أنها ستلقي بظلالها على مجالات أخرى، مما قد يُعقّد الأوضاع أكثر.
من أونسكوم إلى فوردو.. تجسس المفتشين على المواقع النووية الإيرانية
أعربت إيران عن مخاوفها من أن المعلومات التي تقدمها للوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تُستخدم لاستهداف منشآتها النووية، مستحضرة شبح تجربة العراق مع برنامج “أونسكوم”، هذا البرنامج، الذي أطلقته الأمم المتحدة عام 1991 بعد حرب الخليج، كان يهدف إلى نزع أسلحة العراق ومراقبة برامجه الكيميائية والبيولوجية والصاروخية حتى عام 1999.
لكن وثائق مسربة كشفت لاحقًا أن بيانات التفتيش الحساسة التي جمعها مفتشو “أونسكوم” حول المنشآت والبنية التحتية العراقية وصلت إلى أجهزة الاستخبارات الأمريكية والبريطانية، استُغلت هذه المعلومات لتخطيط ضربات “ثعلب الصحراء” عام 1998، التي استهدفت مواقع عسكرية بدعوى عدم تعاون العراق، ومع هذا التاريخ المقلق، تحذر إيران من تكرار السيناريو، خشية أن تُحوّل بيانات الوكالة إلى أداة بيد الولايات المتحدة أو إسرائيل لضرب بنيتها النووية، وفي وقت سابق، نُشرت وثائق سرية تكشف عن تعاون وثيق بين رافائيل غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومسؤولين إسرائيليين ضد البرنامج النووي الإيراني، حيث نفّذ غروسي أوامر إسرائيلية في إعداد تقارير الوكالة ضد البرنامج النووي الإيراني.
تعليق التعاون مع الوكالة
في جلسة علنية عُقدت يوم الأربعاء 24 يوليو/تموز 2025، أقرّ البرلمان الإيراني خطة جريئة لتعليق تعاون إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في خطوة تعكس موقفا حازما لحماية السيادة الوطنية. حظيت الخطة، التي تضم مادة واحدة، بتأييد ساحق بـ222 صوتا من أصل 223 نائبا، دون أي معارضة، مع امتناع نائب واحد عن التصويت.
تنص المادة على تعليق فوري للتعاون مع الوكالة استنادا إلى المادة 60 من اتفاقية فيينا لعام 1969، ردا على انتهاكات السيادة الإيرانية من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، التي هددت أمن المنشآت النووية السلمية والمصالح العليا للبلاد، ويستمر التعليق حتى تحقيق شرطين أساسيين: الأول، ضمان احترام السيادة الوطنية وسلامة الأراضي والمنشآت النووية والعلماء، بما يتماشى مع ميثاق الأمم المتحدة وموافقة المجلس الأعلى للأمن القومي، والثاني، تأمين حقوق إيران الكاملة بموجب المادة الرابعة من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، خاصة في تخصيب اليورانيوم داخليا.

وأُرفقت بالقانون ملاحظة تلزم الحكومة بتقديم تقارير ربع سنوية إلى البرلمان والمجلس الأعلى للأمن القومي حول تنفيذ الشروط، مع التحقق من تحقيقها عبر تقرير منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، كما اقترح النواب إضافة ملاحظة ثانية لضمان التنفيذ، تحدد عقوبات لمن يخالف القانون، وأُقرّت هذه الإضافة بأغلبية 190 صوتا مقابل 23 معارضا و5 ممتنعين.
تنص الملاحظة على أن أي إخلال بالقانون يُعد جريمة تعاقب بالتعزير من الدرجة السادسة وفق قانون العقوبات الإسلامي لعام 2013، وأكد علي رضا سليمي، عضو هيئة رئاسة البرلمان، أن دخول مفتشي الوكالة إلى إيران ممنوع حتى تُضمن سلامة المنشآت النووية، وفق موافقة المجلس الأعلى للأمن القومي، وبهذا القرار، يرسخ البرلمان موقفا صلبا يحمي الحقوق النووية الإيرانية، مع وضع ضمانات صارمة وآليات تنفيذ وعقوبات لضمان الالتزام، في خطوة تعكس إصرار طهران على حماية سيادتها ومصالحها الاستراتيجية، وفي أغسطس/آب 2025، سمحت إيران بعودة مشروطة للمفتشين الدوليين لمراقبة تبديل الوقود في بوشهر، بناء على قرار المجلس الأعلى للأمن القومي، لكنها نفت استئناف التعاون الكامل.
عُقدت حتى الآن جولتان من المفاوضات مع الوكالة، ولم نتوصل إلى نتيجة واضحة ونهائية حتى الآن.
في إشارة إلى تصريحات مسؤولي الوكالة بشأن دخول مفتشيها إلى إيران، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي: “إن القانون الذي أقره البرلمان أرجأ التعاون مع الوكالة إلى قرار المجلس الأعلى للأمن القومي، وبناء على ذلك، تُحال جميع طلبات الوكالة إلى المجلس الأعلى للأمن القومي لاتخاذ قرار بشأنها، وسيكون أي تعاون في إطار قانون البرلمان الذي يخدم مصالح الأمة الإيرانية”.
لماذا دعم الغرب الشاه وعارضوا النظام الإيراني بعد الثورة؟
وفي هذا الصدد يكشف الدكتور فاضل اليونس، الباحث في العلاقات الدولية والأمن الدولي، المتخصص في السياسة الأمريكية والشرق الأوسط، في تصريحات خاصة لـ”زاد إيران” أن الموقف الأمريكي والغربي من البرنامج النووي الإيراني لم يكن متحفظًا أو عدائيًا في عهد الشاه (محمد رضا بهلوي)، بل اتسم بالتشجيع والدعم والاستثمار، رغم بروز مؤشرات مبكرة في تلك المرحلة على وجود رؤية استراتيجية بعيدة المدى قد تقود إيران مستقبلًا نحو امتلاك خيار عسكري نووي، لعدة أسباب رئيسية، من أبرزها:
1. سياق الحرب الباردة: كان نظام الشاه حليفًا استراتيجيًا للغرب في مواجهة الاتحاد السوفيتي، ما دفع واشنطن إلى دعمه بقوة لتعزيز نفوذها في المنطقة.
2. الصراع العربي–الإسرائيلي: لعب الشاه دورًا محوريًا في تعزيز التحالف الغربي–الإسرائيلي في مواجهة الدول العربية، إذ قدّم دعمًا اقتصاديًا لإسرائيل عبر الاستثمارات، كما أسهم عسكريًا في إضعاف الجبهة العربية من خلال فتح جبهة شمالية في العراق بدعم تمرد الأكراد، بهدف إلهاء أحد الجيوش العربية التي كانت تخوض حربها ضد إسرائيل.
3. محدودية البرنامج وخضوعه للرقابة: في تلك المرحلة كان البرنامج النووي الإيراني لا يزال في بداياته، وتحت مراقبة دقيقة من الاستخبارات الأمريكية واللجان الدولية، ما جعل الغرب مطمئنًا نسبيًا إلى أنه لا يشكل تهديدًا مباشرًا ولا يسير بخطوات سريعة نحو امتلاك سلاح نووي.
4. غياب القدرة التقنية على التخصيب داخل إيران: كانت عمليات تخصيب اليورانيوم تتم بالكامل خارج الأراضي الإيرانية، الأمر الذي حال دون تمكّن طهران من الحصول على اليورانيوم عالي التخصيب الضروري لصناعة السلاح النووي، وبفضل هذه العوامل الأربعة، لم يُنظر إلى التعاون النووي بين إيران والغرب آنذاك كمصدر تهديد، بل على العكس، شجّعت واشنطن شركاتها الكبرى على الاستثمار في بناء المفاعلات النووية، معتبرة ذلك فرصة اقتصادية مربحة للطرفين، ومع ذلك، ولو كان هناك أي توجّه حقيقي في ذلك الوقت نحو امتلاك سلاح نووي، لكان قد قوبل بحزم وحسم شديدين، تمامًا كما يُقابَل البرنامج النووي الإيراني اليوم من قوى الغرب الكبرى.
مستقبل العلاقة بين الطرفين
وفي حال قررت إيران المضيّ قدمًا في نهج التصعيد، بحسب “اليونس” فإنها ستفتح الباب أمام مواجهة شاملة، ليس فقط مع واشنطن وتل أبيب، بل مع المجتمع الدولي بأسره، فاستمرارها في طرد المفتشين ورفع مستويات التخصيب سيُنظر إليه كخروجٍ صريح عن التوافقات الدولية، ما سيؤدي إلى فرض عقوبات اقتصادية غير مسبوقة، مع احتمال توجيه ضربات عسكرية دقيقة تستهدف منشآتها النووية والصاروخية وقياداتها الدينية والسياسية والعسكرية.
ولكن إن حاولت طهران إعادة بناء قدراتها بعد أي استهداف أوروبي أو أمريكي أو إسرائيلي، فستجد نفسها أمام عمليات عسكرية استباقية متكرّرة تهدف إلى شلّ برنامجها النووي بالكامل، وفي حال رضخت طهران وسمحت بعودة فرق التفتيش، فإن تلك الفرق التفتيشية ستتحول فعليًا إلى أدوات استخباراتية، تتمثل مهمتها الأساسية في تقييم حجم الأضرار ورفع تقارير تفصيلية إلى واشنطن وحلفائها، لكن اليوم، وفقا لـ “اليونس” يقف النظام الإيراني أمام معادلة شديدة التعقيد، تشبه إلى حدّ كبير ما واجهه نظام صدام حسين بعد حرب الخليج الثانية عام 1991، حين أُجبر على تفكيك برنامجه الكيميائي والصاروخي تحت رقابة دولية صارمة، قبل أن ينتهي الأمر بإسقاطه في عام 2003.
وأكد اليونس لـ”زاد إيران”، أن طهران تدرك أن أي تعاون مع المفتشين الدوليين للوكالة سيجعلهم أشبه بأذرع استخباراتية لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما تعتبره تهديدا مباشرا لسيادتها، أما الاستمرار في نهج التحدي، فسيقود حتما إلى تشكيل تحالف دولي واسع النطاق، لن يقتصر على واشنطن وتل أبيب فحسب، بل قد يشمل أيضا قوى كبرى مثل فرنسا وبريطانيا ودول أخرى لطالما احتفظت بعلاقات مع طهران، إذا ما رأت أن سلوكها النووي يهدد استقرار المنطقة بأسرها.
في النهاية عكست علاقة إيران بالوكالة الذرية تحولا من التعاون إلى النزاع، مدفوعا بشكوك دولية وتصعيد سياسي منذ الخمسينيات، أجرت الوكالة آلاف التفتيشات، أصدرت مئات التقارير، وأدت إلى قرارات أممية، الطرد في 2023-2025 كان ذروة التصعيد، تلته عودة مشروطة محدودة بحلول أغسطس/آب 2025، وسط مخاوف من عقوبات جديدة.
لكن يبقى المستقبل غامضا، مع إمكانية إعادة المفاوضات أو تصعيد أكبر.

