انكشاف الظلال.. كيف دمرت إيران شبكات التجسس في صراع يمتد من 1953 إلى 2025؟ (تحقيق خاص)

تحقيق: ربيع السعدني 

انفوجراف: عاصم مسعد 

في زمن يتسارع فيه نبض الصراعات الخفية، تكشف إيران عن انتصار تاريخي يهز أركان الاستخبارات العالمية، لم تكن مجرد معركة عابرة، بل ثورة معلوماتية أطاحت بشبكات تجسس أمريكية-إسرائيلية امتدت جذورها إلى عقود مضت.

منذ انقلاب أغسطس/آب 1953 الشهير باسم عملية “أجاكس” (Operation Ajax) الذي أطاح بحكومة محمد مصدق، بعد تأميمه لصناعة النفط الإيرانية، وذلك بقيادة وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) وجهاز الاستخبارات البريطانية (MI6)، مرورا بحرب 13 يونيو/حزيران 2025 التي دامت 12 يوما يبرز نمط مدروس من المداخلات السرية، لكن هذه المرة، انقلبت الطاولة! 

استنادا إلى وثائق سرية مسربة، وشهادات شهود عيان، وتحليلات استخباراتية حديثة، يكشف هذا التحقيق الخاص كيف تحولت إيران من هدف وفريسة سهلة إلى صياد ماهر، مفككة شبكات التجسس بذكاء استراتيجي، وكيف نجحت الاستخبارات الإيرانية في تفكيك هذه “الشبكات الجزيرية” المترابطة، رغم محاولات الاختراق الإسرائيلي المتواصلة؟

Whatsapp image 2025 08 30 at 12.22.07 am

كيف أشعلت الـCIA حربا نفسية ضد حكومة مصدق؟

في أوائل الخمسينيات، كانت طهران ملعبا للعمليات السرية الأمريكية-البريطانية، تحت قيادة دونالد ويلبر، خبير الحروب النفسية في الـCIA، أطلقت الوكالة شبكة “TPBEDAMN” لشن حملة إعلامية شرسة ضد حكومة الدكتور محمد مصدق، لم تقتصر العملية على الدعاية والحرب النفسية؛ بل شملت توظيف كتاب ورسامي كاريكاتير محليين لنشر رسوم مسيئة تصور رئيس الوزراء الإيراني آنذاك كعميل شيوعي.

إضافة إلى اختلاق وثائق مزيفة تربطه بحزب تودة، تفاصيل جديدة من أرشيفات الـCIA المفرج عنها في 2017 تكشف كيف تم تمويل مظاهرات مزيفة بملايين الدولارات، مستخدمين مجموعات مأجورة لإثارة الفوضى في شوارع طهران، كان الهدف واضحا: تآكل الثقة الشعبية وإضعاف الدعم السياسي لمصدق، الذي كان يسعى لتأميم النفط الإيراني.

Whatsapp image 2025 08 30 at 12.22.34 am

بالتعاون مع (MI6) البريطاني، صممت الـCIA عملية “أجاكس” التي نفذت في 19 أغسطس/آب 1953 قادها حفيد الرئيس الأمريكي الأسبق تيودور روزفلت، كيرميت روزفلت، رئيس قسم الشرق الأوسط في الـCIA مع دعم من لوي هندرسون، سفير الولايات المتحدة في طهران، وفقا للوثائق، تم إرسال الخطة النهائية في 19 يونيو/حزيران 1953 إلى وزارة الخارجية البريطانية، وتمت الموافقة عليها في منتصف العام.

وكانت العملية تتويجا لمسيرة مدير وكالة المخابرات المركزية آنذاك ألين دالاس، بتسلله إلى إيران، ودفعه رشاوى لبعض الإيرانيين، وزرعه مثيري الشغب بين السكان، نجح روزفلت في تحريض الشعب ضد مصدق، مما أتاح الفرصة للشاه وأنصاره لاعتقال مصدق والإطاحة بحكومته.

وفي يونيو/حزيران ويوليو/تموز 1953، تصاعدت الهجمات النفسية: تظاهرات يومية، رسائل تهديد للزعماء الدينيين، وحتى قنابل مزيفة وفي 19 يوليو/تموز 1953، أغرقت الشبكة طهران بآلاف المنشورات الدعائية، نشرت في 20 صحيفة، تتهم مصدق بـ”عقاب بربري” للعلماء الدينيين وتدعي أصولا يهودية له! هذه الحملة مهدت للانقلاب، الذي نجح في إسقاط مصدق، لكنها زرعت بذور مقاومة طويلة الأمد.

تحالف الشياطين.. الـCIA والموساد في حرب الـ12 يوما

في فجر 13 يونيو/حزيران 2025، شنت إسرائيل هجمات جوية مكثفة على مراكز نووية وصاروخية إيرانية، مدعومة بذكاء استخباراتي من الـCIA، لم تكن مجرد غارات؛ بل عملية هجينة تجمع بين التجسس، الهجمات السيبرانية، والحرب النفسية، مخططة لأشهر من قبل شبكات الموساد داخل إيران. 

ديفيد بارنيا، رئيس الموساد، أشاد علنا بدعم الـCIA في مقطع فيديو، مشيرا إلى “جواسيس” داخليين ساعدوا في جمع بيانات عن برامج إيران النووية والعسكرية، تفاصيل جديدة من تقارير مسربة تكشف كيف استخدمت الـCIA أقمارا صناعية وأدوات مراقبة لتحديث الأهداف لحظيا، محاولة تكرار نجاح “أجاكس” في عصر الذكاء الاصطناعي.

لكن حرب الـ12 يوما انتهت بفشل ذريع، أعلنت إيران تفكيك أكثر من 700 جاسوس موسادي، مستخدمة تقنيات مضادة للتجسس وتعاون شعبي، وباعتراف الموساد بأن التعاون مع الـCIA مستمر، لكن الضربة الصاروخية الإيرانية كشفت عن عملاء مزدوجين داخل تل أبيب، بما في ذلك مواطنين إسرائيليين متهمين بزرع كاميرات في منزل وزير الحرب في حكومة تل أبيب يسرائيل كاتس.

Whatsapp image 2025 08 30 at 12.22.34 am (1)

ووفقا لتقارير وسائل الإعلام الإيرانية، فإن هؤلاء الأفراد متهمون بتنفيذ تدابير أمنية مناهضة للأمن مثل توجيه الطائرات الصغيرة والطائرات المسيرة الانتحارية والتحكم فيها، وصنع القنابل محلية الصنع، وتصوير المراكز العسكرية الحساسة، وإرسال المعلومات إلى جيش النظام الإسرائيلي.

لماذا فشل التحالف الأمريكي-الإسرائيلي في 2025؟

في تحليل استطلاعي عميق، كشف تقرير لوكالة تسنيم للأنباء أربعة أخطاء قاتلة أدت إلى سقوط هذه الشبكات:

Whatsapp image 2025 08 30 at 12.22.36 am

التقليل من رد الفعل الإيراني السريع: أحد أبرز الأخطاء التي وقع فيها الموساد والـ(CIA) كان سوء تقديرهما لمدى استعداد إيران وقوتها في التصدي للهجمات المباغتة، حيث توقّع العدو أن ضربة أولية مدوية ستُعطّل مؤقتا هيكلية القيادة الإيرانية وشبكات اتصالاتها، مما سيجعل استعادتها شبه مستحيلة في وقت قصير، لكن الواقع جاء مغايرا تماما، فخلال ساعات معدودة من الهجوم، نجحت إيران في تفعيل قنوات اتصال احتياطية بسرعة فائقة، واستطاعت، بفضل أنظمة دفاعية متقدمة.

Whatsapp image 2025 08 30 at 12.22.35 am

تفكيك الشبكات السرية: بفضل معلومات من عملاء مزدوجين، ألقت إيران القبض على مئات الجواسيس، مما شكل انتكاسة كبرى لقنوات جمع المعلومات التابعة للعدو، هذا الإنجاز لم يقتصر على قطع شرايين تدفق المعلومات إلى النظام الإسرائيلي فحسب، بل ألحق أيضا ضررا بالغا بسمعة الموساد ومصداقيته في عالم العمليات السرية والتسلل الاستخباراتي.

Whatsapp image 2025 08 30 at 12.22.37 am

تجاهل الوحدة الوطنية: بدلا من إثارة الانقسامات في صفوف الشعب الإيراني، أدت الهجمات إلى موجة تضامن شعبي، تحولت إلى قوة ردع، خطط الموساد والـCIA لضرب البنية التحتية الإيرانية وإثارة الفوضى لإضعاف دعم الشعب للحكومة وزعزعة الوحدة الاجتماعية، لكن الهجمات على المنشآت النووية والمدنيين جاءت بنتيجة عكسية! فقد توحد الشعب خلف حكومته، وازداد التأييد للدفاع والرد الحكومي، مما أفشل مخططات العدو وشكل حاجزا قويا ضدهم، استطلاعات داخلية جديدة تظهر ارتفاع الدعم للحكومة بنسبة 25% خلال الحرب.

Whatsapp image 2025 08 30 at 12.22.38 am

فقدان السيطرة على السرد الإعلامي: حاول الموساد ووكالة الاستخبارات المركزية (CIA) توجيه الرأي العام عبر الإعلام والدبلوماسية لتصوير إيران كتهديد للسلام العالمي. 

لكن صور تدمير المنشآت المدنية واستهداف المدنيين قلب الموازين، فعكست الرواية ضدهم، تقارير إعلامية عالمية وانتقادات حادة من حكومات ومنظمات دولية زادت الضغط على إسرائيل وحلفائها، بدلا من السيطرة على السرد الإعلامي، واجه النظام الإسرائيلي والولايات المتحدة موقفا دفاعيا، عاجزين عن تبرير أفعالهم.. في النهاية، لم يجدوا في استمرار الصراع مصلحة، فطلبوا وقف إطلاق النار مع تنازل لصالح إيران.

الكنز المخفي: كيف سرقت إيران أسرارا نووية إسرائيلية؟

قبل اندلاع الحرب، أعلنت وزارة الاستخبارات الإيرانية الاستيلاء على أرشيف هائل من وثائق نووية إسرائيلية، تشمل تفاصيل عن منشآت سرية، علماء، وروابط مع شركات أمريكية. 

Whatsapp image 2025 08 30 at 12.22.36 am (1)

تفاصيل جديدة من تقارير إعلامية إسرائيلية (مثل قناة 12) تؤكد نقل آلاف الوثائق من داخل فلسطين المحتلة عبر عملاء نفوذيين، هذا الإنجاز، الذي شمل اعتقال إسرائيليين متهمين بالتجسس، يُعتبر “ضربة قاضية” لأمن إسرائيل، مع توقعات بأن التحليل سيستغرق شهورا.

وفقا لبيان صادر عن وزارة الاستخبارات الإيرانية، تم الكشف عن وثائق سرية تكشف تفاصيل برامج الأسلحة النووية غير القانونية لإسرائيل. 

تشمل هذه الوثائق معلومات عن المنشآت النووية، الأبحاث العلمية، الاتصالات السرية مع جهات أمريكية وأوروبية، والخطط النووية الحالية والمستقبلية، كما تحتوي على ملفات شخصية لعلماء وخبراء شاركوا في هذه البرامج، إضافة إلى بيانات عن باحثين من دول أخرى. وتتهم الوثائق إسرائيل بتقديم تقارير كاذبة لتشويه سمعة البرنامج النووي الإيراني السلمي أمام المؤسسات الدولية.

ردا على ذلك، أكدت وسائل إعلام إسرائيلية، مثل القناة 12 و”والا نيوز” و”معاريف”، نجاح إيران في الحصول على آلاف الوثائق السرية من داخل إسرائيل وأشارت إلى أن العملية نفّذها متسللون، “روي مزراحي وإلموغ أتياس”، وهما إسرائيليان يبلغان من العمر 25 عاما، اعتُقلا مؤخرا بتهمة التجسس لصالح إيران، متهمان بالتجسس لصالح إيران، وقد زُعم أنهما زرعا كاميرات مراقبة في البلدة التي يسكن فيها وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، ووصف خبراء أمنيون هذا الاختراق بأنه ضربة قوية لأمن إسرائيل، مشيرين إلى أن تحليل هذه الوثائق سيستغرق وقتا طويلا، فيما تُراجع إيران هذه المعلومات حتى الآن.

جواسيس من تل أبيب

في أعقاب الحرب، كشفت تقارير NBC الأمريكية عن “وباء جاسوسي” داخل إسرائيل، حيث يجند الإيرانيون مواطنين عاديين باستخدام العملات الرقمية أو لدوافع شخصية، دان رافيو، مؤلف كتاب “جواسيس ضد هرمجدون”، يربط ذلك بانخفاض الروح المعنوية بسبب حرب غزة حتى الآن، تمت محاكمة 60 شخصا، و50 في السجون، مع مخاوف من مئات آخرين، وأفاد الصحفي الأمريكي خلال مشاركته كخبير في برنامج تلفزيوني، أن السبب الرئيسي لظاهرة التجسس لصالح إيران في إسرائيل يعود إلى “مشكلة معنوية”. 

Whatsapp image 2025 08 30 at 12.22.37 am (1)

وأوضح أن إرهاق المجتمع الإسرائيلي من حرب غزة وتراجع الروح الوطنية ساهما في خلق بيئة مواتية للنفوذ الإيراني، وأشار إلى أن إيران تستغل هذا الوضع من خلال تقديم أموال، غالبا عبر العملات المشفرة، مقابل خدمات صغيرة وحساسة مثل تصوير منتجع رئيس الوزراء أو قواعد عسكرية ووفقا للتقرير، تمت مقاضاة 60 شخصا وسُجن 50 منهم بتهمة التجسس. 

وأعرب رافيو عن دهشة وإحباط مسؤولي الأمن الإسرائيليين من هذه الظاهرة، حيث طالبوا الجمهور بالتعاون لمواجهتها، وفي سياق مناقشة تأثير عدم الرضا عن حرب غزة ورئيس الوزراء، أكد رافيو أن هذين العاملين مترابطان، مشيرا إلى أن تراجع الانتماء دفع بعض جنود الاحتياط إلى رفض الخدمة العسكرية، معتبرين أن التجسس أصبح بالنسبة لبعضهم وسيلة للاحتجاج تخدم أهداف إيران، مما يعكس تحولا في استراتيجية إيران نحو التجنيد الرقمي.

رواية علي لاريجاني

في تصريح يُشبه الزلزال السياسي، أكد علي لاريجاني، أمين مجلس الأمن القومي الجديد، أن “مسألة النفوذ في إيران أمر جدي للغاية”، وقد أظهرت حوادث مثل اغتيال العلماء النوويين أن التسلل قد حدث، ليكشف كيف أن النفوذيين ليسوا بين المواطنين العاديين أو الصحفيين الناقدين أو المحللين السياسيين المعارضين، وحتى لا بين أولئك الذين يرسلون فيديوهات إلى وسائل إعلام فارسية خارجية، بل هم مختبئون في الأجهزة والمؤسسات التي تتعامل مع معلومات حاسمة وحساسة.

Whatsapp image 2025 08 30 at 12.22.40 am

وفي مقابلة مع وكالة أنباء “خبر أونلاين” العام الماضي (2024)، قال لاريجاني: “بشكل عام، اتسمت قضية التسلل في إيران بخطورة بالغة في السنوات الأخيرة. برأيي، كانت هناك بعض التقصيرات على مدى سنوات، ورغم أن الأجهزة الأمنية في البلاد استهدفت هذه الظاهرة أيضا، إلا أنها لم تتمكن من منعها ومع ذلك، فهي نقطة مهمة يتابعونها الآن ويدرسون اتخاذ إجراءات بشأنها”.

من هم النفوذيون؟

Whatsapp image 2025 08 30 at 12.22.39 am

النفوذيون، أو المتسللون أو المندسون في هذا السياق، هم أفراد أو شبكات داخل المؤسسات الحكومية أو الأمنية الإيرانية تُقدّم معلوماتٍ مُضلّلة، وتحليلاتٍ مُضلّلة، وتُشتّت عقول المسؤولين، وتُورّط المواطنين في أزماتٍ مُصطنعةٍ ونقاشاتٍ لا تنتهي، إنهم يُروّجون للشعارات أكثر من كونهم مُتخصّصين، لديهم رؤيةٌ آنيةٌ وسطحيةٌ لكلّ قضية، دون أيّ عمقٍ أو التزامٍ بالواقع.

يرتدي المتسللون أقنعة دائما، أحيانا في هيئة خبيرٍ مُلِمٍّ، وأحيانا في هيئة مديرٍ مُهتم، وأحيانا حتى خلف منابر رسمية. يشترون الثقة بوجوهٍ مألوفةٍ وكلماتٍ تبدو ثورية، لكنهم يطعنون في موضع الألم، تماما مثل مسعود كشميري، الذي صلى خلفه حتى الشهيد رجائي، لكنه كان ينخر في ركائز الثقة بصمتٍ بمربيةٍ أرحم من أمٍّ للحكومة والشعب، كالنمل الأبيض، يُشتبه في تعاونهم مع جهات أجنبية، مثل أجهزة استخبارات معادية مثل الموساد الإسرائيلي أو وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، بهدف تقويض الأمن القومي الإيراني.

Whatsapp image 2025 08 30 at 12.22.41 am

المتسلل ليس مجرد عميل رسمي للعدو؛ قد يكون موظفا حكوميا، أو مستشارا كبيرا لمسؤول مهم، أو حتى قائدا عسكريا وأمنيا، أو قاضيا رفيع المستوى، أو أي شخص يشغل منصبا وطنيا، ولذلك؛ ليس من السهل دائما تحديد المتسللين، فهم يأتون تحت لواء الرحمة، ويتحدثون بتعاطف، ويتظاهرون بأنهم “صانعو سلام رحماء”، لكن مهمتهم واضحة: تمكين العدو من الاستعداد للتسلل إلى قلب النظام.

يقول عباس عبدي، ناشط سياسي إصلاحي: “للنفوذ سببان، أولهما بُعد الحكومة عن الشعب؛ فعندما يزداد هذا البعد، يشعر البعض بالغربة، ويفقدون انتماءهم، وينشأ لديهم حافزٌ للرشوة والخيانة، وهذه مسألة طبيعية، وعلى الحكومة ألا تسمح بظهور مثل هذه الحوافز، السبب الثاني هو ضعف كفاءة جهاز الاستخبارات”. 

Whatsapp image 2025 08 30 at 12.22.42 am

وأضاف: “فبدلا من التركيز على النفوذ، هاجموا السياسيين والصحفيين والنساء والحجاب وأنماط حياة الناس ونتيجة لذلك، تجاهلوا القضايا الرئيسية، وحدثت أمورٌ سيئة، لو أُجريت إصلاحاتٌ وتحسنت العلاقة بين الحكومة والشعب، لما وجد أحدٌ دافعا للخيانة وحتى لو بقي بعض الأشخاص، فسيكون عددهم قليلا جدا، ويجب أن يتمتع جهاز الاستخبارات باستقلالية مهنية ليتمكن من أداء وظيفته الحقيقية”.

كيف كشفت إيران الخيانة؟

في مسلسل Homeland، كانت إحدى الاستراتيجيات الماكرة لتجنيد الجواسيس- سواء من وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، الموساد، أو جهاز المخابرات الروسي- تعتمد على استغلال هفوات أو ثغرات في شخصيات الأفراد، سواء كانوا جواسيس، دبلوماسيين، أو حتى شخصيات من دول أخرى، لتحويلهم إلى أدوات في لعبة التجسس الدولية.

في حدث يشبه أفلام الجاسوسية، تعرض اجتماع أمني سري للغاية في غرب طهران لهجوم إسرائيلي في 25 يونيو/حزيران 2025، كان الاجتماع يجمع رؤساء السلطات الثلاث، وزراء رئيسيين، وقادة عسكريين جددا، في مبنى تحت الأرض محمي بأعلى بروتوكولات الأمان، لكن الصواريخ الإسرائيلية ضربت المداخل والمخارج بدقة متناهية.

Whatsapp image 2025 08 30 at 12.22.41 am (4)

ورواية أخرى تقول إن قنبلة أخيرة فشلت في الانفجار معجزة، مما أنقذ الحاضرين مع إصابات طفيفة فقط، هذا الهجوم لم يكن ممكنا بدون “إشارة لحظية” من داخلي، لكن الجهات الأمنية الإيرانية نجحت في تفكيك الشبكة المسؤولة عن التسريب، اكتشفت التحقيقات أن “النفوذي” استخدم جهازا محمولا مزودا بتطبيق يتظاهر بأنه للتواصل الداخلي، لكن يرسل إحداثيات GPS مشفرة إلى تل أبيب، هذا الكشف أدى إلى اعتقال 12 شخصا، بما في ذلك مسؤول رفيع في الجهاز الأمني.

درس تاريخي ألهم إيران في مواجهة الجاسوسية

لنعد إلى الوراء 52 عاما: في 4 أكتوبر/تشرين الأول 1973، اتصل “أفضل جاسوس” للموساد من باريس بلندن، مطالبا بلقاء رئيسه، كان ذلك العميل أشرف مروان، صهر جمال عبد الناصر، الذي كشف خطط مصر للهجوم على إسرائيل في عيدهم “يوم كيبور”، هذه القصة التاريخية أصبحت درسا لإيران، في 13 يونيو 2025، هاجمت إسرائيل طهران بطائرات وطائرات بدون طيار، مستهدفة قادة عسكريين وبرنامج نووي، لكن إيران ردت بتفكيك شبكات تجسس واسعة، مستلهمة من مروان في إضافة جديدة، كشفت مصادر أمنية إيرانية عن استخدام “شباك العنكبوت”، نظام ذكاء اصطناعي محلي يرصد الاتصالات غير الطبيعية، مما أدى إلى كشف 5 شبكات جزيرية تعمل بشكل منفصل لكن مترابط.

في مسلسل Homeland ألقت المخابرات الروسية القبض على عميل تابع لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) أثناء تلقيه رشوة من مواطن عراقي، ونتيجة لذلك، أُكره العميل على العمل كجاسوس لصالح روسيا تحت تهديد فقدان منصبه ووظيفته في الوكالة، ورغم عدم اقتناعه بأهداف روسيا، استمر في العمل لصالحها لسنوات تحت الضغط.

حرب الـ12 يوما

في حرب الـ12 يوما مع إسرائيل، برز النفوذ بوضوح، اتصل اللواء حسين سلامي، قائد الحرس الثوري آنذاك، برئيس التلفزيون الإيراني في منتصف الليل محذرا من هجوم وشيك، لكنه اغتيل بعد ساعتين، كذلك اغتيل اللواء أمير حاجي زاده مع قادة آخرين، الروايات الغربية تتحدث عن خطوط اتصال مزيفة جذبتهم إلى فخ.

وأوضح فياض زاهد، عضو مجلس المعلومات الحكومي، أن تسعة أشخاص اجتمعوا في المقر المشترك، وتأخر أحدهم حتى بدء العملية بعد حضوره، مؤكدا أن هذا الأمر يحمل أهمية كبيرة، وأشار إلى ضرورة تعامل وزارة الاستخبارات وجهاز استخبارات الحرس الثوري مع هذه القضية بجدية ودقة وأوضح أن عدم تحديد السبب الجذري لمثل هذه الحادثة بدقة يجعل من الصعب ضمان عدم تكرارها، محذرا من أن التركيز على الجوانب الجانبية قد يترك العوامل الرئيسية قائمة، مما قد يتيح لها استكمال ما لم يكتمل في الوقت المناسب.

وأوضح فياض أنه “ليس بالأمر الهين أن يقال إن تسعة أشخاص عقدوا اجتماعا في هيئة الأركان المشتركة وأن أحدهم تأخر حتى بدأت العملية بعد حضوره”، مطالبا: “علينا معرفة من وجّه الجنرال كاظمي إلى مبنى محدد، يقول السيد جبالي، رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، إن سلامي أبلغه الساعة الواحدة والنصف صباحا بوقوع هجوم الليلة، ما يعني أن الجنرال كان متورطا في العملية، ويجب تحديد القنوات التي وصلته من خلالها هذه المعلومات”.

لكن في تحقيقنا، نكشف كيف استخدمت إيران بعد الحادث “عملية الظل”، حيث زرعت معلومات كاذبة لكشف النفوذيين، مما أدى إلى تفكيك شبكة تضم 20 عضوا، وضمن ذلك خبراء تقنيون ساعدوا في تحديد المواقع، محمد سرافراز، رئيس الإذاعة والتلفزيون السابق (صداوسيما)، أشار إلى “نفوذي أعظم” في الأعلى، مشددا على دور التضليل عبر واتساب.

أشار لاريجاني في اجتماع سري، إلى أن بعض هذه الشبكات استخدمت تقنيات “الجزيرة الرقمية”، حيث يعمل كل عضو بشكل مستقل لكن يرتبط بمركز تحكم إسرائيلي عبر خوارزميات مشفرة، مما جعل تفكيكها تحديا تقنيا هائلا، وأكد أن “مسألة التسلل في إيران خطيرة”، ورغم أن هذا ليس جديدا، بل سبق أن اتخذ لاريجاني موقفا مشابها في مقابلة مع موقع “خبر أونلاين”، لكن قوله اليوم من موقعه كأمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي يعني أن الأمر بالغ الخطورة، ولا يقتصر على مجرد قصص ومقارنات مع أشرف مروان وغيره.

انقطاع الانترنت ومشكلة تسمى الفلترة

في أعقاب أي أزمة في إيران، فإن الخطوة الأولى التي يتخذها صناع القرار والمسؤولون هي قطع الإنترنت، وقد عادت هذه الخطوة إلى جدول أعمال مسؤولي البلاد خلال الحرب الإيرانية الإسرائيلية التي استمرت 12 يوما، عندما قُطع الإنترنت بسبب ما وُصف بالتجسس واستخدام الأعداء له.

Whatsapp image 2025 08 30 at 12.22.41 am (2)

من جهة أخرى، وبينما كان بعض السياسيين مثل مصطفى ميرسليم عضو مجلس الأمن القومي يتحدثون عن التجسس على منصات أجنبية مثل واتساب وتيليجرام وإنستجرام، منذ فلترة شبكات التواصل الاجتماعي، حذر خبراء مرارا وتكرارا من تجسس كاسري الفلتر والمشاكل التي يشكلها. 

مؤخرا، صرّح العميد غلام رضا جلالي، رئيس منظمة الدفاع السلبي في البلاد، عن دور التقنيات الحديثة في الأعمال الإرهابية ضد قادة المقاومة: “لعب تطبيق واتساب دورا في تحديد موقع بعض قادة حماس واغتيالهم، كما تم تحديد موقع الشهيد هنية بالطريقة نفسها، مما يدل على استخدام الأدوات الرقمية في تحديد هوية الشخصيات البارزة واستهدافها”.

التحذيرات المهملة

قبل 4 سنوات، حذر علي يونسي، وزير الاستخبارات في حكومة محمد خاتمي، وهو شخصية أمنية بارزة من أن نفوذ الموساد عميق لدرجة تهدد حياة جميع المسؤولين، لم يؤخذ التحذير جديا حتى اغتيال أبو البرنامج النووي الإيراني محسن فخري زاده في 2020، الذي اعتمد على معلومات بشرية رغم التقنيات المتقدمة وكشفت التحقيقات أن النفوذي استخدم نمطا لرحلات نهاية الأسبوع لفخري زاده، مسربا عبر جهاز محمول. 

Whatsapp image 2025 08 30 at 12.22.41 am (3)

هذا الاغتيال كان نقطة تحوُّل، إذ أعلن الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، عن جاسوس إسرائيلي في أعلى مناصب مكافحة الجاسوسية، ومحسن رضائي عن “تلوث أمني” بعد سرقة وثائق نووية. 

إيران ردت بتفكيك 3 شبكات رئيسية، مستخدمة تقنيات بيومترية للكشف عن الاتصالات.

بدأ مصطلح “النفوذ” في 2015 مع اعتقال صحفيين متهمين بـ”مشروع النفوذ”، لكن تبين أنهم ليسوا التهديد الحقيقي. 

قصة النفوذي الحقيقي علي رضا أكبري

حسن روحاني انتقد استغلال المصطلح حزبيا اليوم، يتضح أن النفوذي الحقيقي يشبه علي رضا أكبري، نائب وزير الدفاع السابق، الذي حكم عليه بالإعدام مع وقف التنفيذ مع التزامه بعدم الاتصال بالأجهزة الأمنية مرة أخرى، بتهمة الفساد في الأرض والتجسس لبريطانيا رغم مواقفه المتشددة ضد الاتفاق النووي، في غضون ذلك، حافظ على مظهره الثوري والمناهض لبريطانيا، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: عندما يتم القبض على شخص بتهمة التجسس، كما ذكرت وكالة أنباء الطلبة الإيرانية “إيسنا”، هل يكفي تقديم وعد و”التزام” مكتوب بوقف التجسس، وهل ينطبق هذا النهج على الجميع؟

على الرغم أن أكبري حصل على أعلى راتب بين الجواسيس البريطانيين، وضمن ذلك منزل في لندن، وفرصة للدراسة، ومال للترفيه، وما إلى ذلك، في عام 2008، غادر البلاد بحجة المرض وحاول إعادة الاتصال مع ضباط الاستخبارات البريطانية في أوروبا، وزوّدهم بمعلومات حول التطورات النووية ومطالب إيران في المفاوضات، والقضايا الإقليمية والدفاعية والعسكرية والاقتصادية، بما في ذلك تحديد سبل التحايل على العقوبات، وتعاملات إيران مع دول المنطقة والصين وروسيا.

Whatsapp image 2025 08 30 at 12.22.38 am (2)

ومن بين أعماله الأخرى، تزويدهم بمعلومات عن مسؤولين وشخصيات مهمة ومؤثرة في النظام، ومن بينها، تقديم معلومات عن 160 مديرا حكوميا، بما في ذلك آرائهم وأفكارهم ومبادئهم الأخلاقية، لكن مصادر خاصة كشفت أن أكبري استخدم “شبكة جزيرية” لتسريب بيانات عن البرنامج النووي، لكن إيران فككتها باستخدام مراقبة إلكترونية متقدمة.

كيف تواجه إيران التهديد؟

في السياق الحالي، وبعد مرور أكثر من شهرين على حرب الـ 12 يوما و46 عاما على الثورة يُلاحظ أن الأفراد الذين يُنظر إليهم كمؤثرين ليسوا مؤثرين حقيقيين على غرار إيلي كوهين (جاسوس إسرائيلي يهودي من أصل سوري، عمل لصالح الموساد في سوريا بين عامي 1961 و1965 تحت اسم “كامل أمين ثابت”، وتمكن من التغلغل في الدوائر السياسية والعسكرية قبل اكتشافه وإعدامه شنقا في دمشق عام 1965)، بل هم أشخاص تخلوا عن مبادئهم السابقة، وانحرفوا عنها، ليصبحوا، إذا جاز التعبير، “مخربين سريين متغلغلين داخل النظام”.

Whatsapp image 2025 08 30 at 12.22.39 am (1)

رغم تفكيك شبكات متكرر، تستمر الاختراقات، كما في اغتيال إسماعيل هنية بعد إعلان وزير الاستخبارات تفكيك أكبر شبكة موساد، التحقيق يظهر أن الشخص النفوذي، يمتد إلى الخبراء والمسؤولين، إيران نجحت في تفكيك عشرات الشبكات بفضل مؤسسات موازية، مضيفة تفاصيل جديدة مثل استخدام “الذكاء الجماعي” لربط المعلومات المتناثرة ولذلك، النفوذيون ليسوا بين النقاد، بل في مراكز القرار، معركة إيران مستمرة، تحولها من دفاع إلى هجوم أمني.

منذ انقلاب 1953 إلى حرب 2025، تكررت أنماط الـCIA: الحروب النفسية، الشراكات السرية، والمحاولات لاستغلال الضعف الداخلي، لكن إيران، بفضل وحدتها وتقدمها التكنولوجي، قلب الطاولة، فالولايات المتحدة وإسرائيل لم يتوقفا؛ بل يعيدون بناء شبكاتهم. واليقظة الوطنية هي السلاح الأقوى ضد الظلال المتسللة، إيران ليست في 1953 بعد الآن – إنها قوة تكتب تاريخها بنفسها!

كلمات مفتاحية: