- زاد إيران - المحرر
- 619 Views
أجرت صحيفة “آرمان ملي” الإيرانية، السبت 2 أغسطس/آب 2025، حوارا مع حسين آخاني، الأستاذ الجامعي والناشط البارز في مجال البيئة والمياه، تناول أبعاد الأزمة البيئية المتفاقمة بالبلاد، وفي مقدمتها شحّ المياه وتداعيات تغيّر المناخ، إلى جانب نقده الحاد للسياسات البيئية والإدارية التي أوصلت إيران إلى حافة الانهيار البيئي.
وفي ما يلي نص الحوار:
لطالما حذّر الخبراء من خطر الجفاف في إيران، لكننا اليوم نواجه واقعا أشد قسوة مما توقعناه، فما الذي أوصلنا إلى هذا الحال؟
نعم، لقد حذر الخبراء على مدى سنوات من الوضع القائم والسياسات البيئية غير المدروسة، لكن في النهاية وصلنا إلى النقطة ذاتها التي سبق أن تنبأ بها هؤلاء الخبراء، وها هم اليوم نفس أولئك الساسة يتساءلون: ماذا ينبغي أن نفعل؟ في حين أنهم لا يعرفون سوى السياسات السابقة، ولا يملكون علما أو إدراكا بما يجب فعله!
ومهما نبلغهم بضرورة اتخاذ إجراء معين، فلن يفلحوا في تنفيذه، من يقود سيارة «برايد» لا يمكنه أن يصبح طيارا ابتداء من صباح الغد.

هل يعني ذلك أنه لا يمكن التعويل على صناع السياسات الحاليين لإيقاف هذا المسار التخريبي على الأقل؟
لا يمكن توقع حدوث تغيير في الوضع الراهن مع وجود المديرين الذين أسهموا في صنع هذا الواقع، لا بد من أن يتولى أفراد آخرون مهمة وضع السياسات وتنفيذها لوقف هذا المسار التخريبي، لكن يبدو أن بعض أجزاء البنية الحاكمة لا تقبل التغيير، وهي غير قابلة للتغيير من الأساس.
الهيكل الذي أوصلنا إلى هذه المرحلة لا يرغب في استقبال أشخاص أو أفكار جديدة، وإذا كان ثمة تغيير، فيجب أن يتم على مستوى البرلمان، حتى لو تغيّرت الحكومات، فلن يكون لذلك أثر كبير على تعديل المسار، لأن أي سياسة جديدة يجب أن يوافق عليها البرلمان في نهاية المطاف.
لقد أظهر البرلمان في دورة أو دورتين فقط أنه قادر على تعديل بنية اتخاذ القرار، ومن بينها الدورة السادسة التي ظهرت آثار قراراتها لاحقا.
حاليا، حتى لو شهد البرلمان بعض التغييرات الإيجابية، فليس من السهل تمرير قانون جديد، لأن هناك جهات أخرى لا تتماشى مع هذه التغييرات، ولذلك، فإن الحديث عن ضرورة تغيير السياسات في قطاعات مثل الطاقة والمياه لتحسين الأوضاع ليس حديثا يؤخذ على محمل الجد.
لكنّ الوضع حاليا بلغ حدّ الأزمة فعلا، في مثل هذه الظروف، ما الذي يجب فعله؟ ألا يمكن تغيير السياسات في ظل هذا الوضع؟
من الممكن إجراء بعض التغييرات العاجلة في الأوضاع الحرجة، لكن بما أن هذا النوع من التغييرات يتم بصورة طارئة ودون دراسات مسبقة، فقد يترتب عليه آثار سلبية أخرى على المجتمع بسبب التسرع، التغيير صعب للغاية.
دعني أضرب مثالا: هل تستطيع الحكومة حاليا أن تغيّر منظومة تبريد المنازل؟ هل من الممكن إصلاح النظام الذي يُدخل المياه إلى منظومات التدفئة والتبريد في المنازل، مع أن جزءا كبيرا من هذه المياه يُهدَر؟ من الواضح أنه ليس من السهل تنفيذ إصلاحات في مثل هذه المجالات.

لماذا لا يمكن القيام بخطوات صغيرة، مثل معالجة مسألة المياه التي تُستهلك في أجهزة التبريد المنزلية والتي تُهدر نسبة كبيرة من المياه في فصل الصيف؟
لأن التحرك نحو إصلاح هذا النظام المختل يتطلب ميزانية، الميزانيات المخصصة لتحسين أداء أجهزة التبريد والتكييف تم تخصيصها لمجالات أخرى، الميزانيات عموما تُرصد لأهداف مختلفة.
إلى جانب ذلك، فإن الأزمة الأكبر حاليا تتعلق بالسياسة الخارجية والعلاقات الدولية للبلاد، وطالما أن الأزمة في هذا المجال لم تُحل، ولم تُصلح علاقاتنا مع العالم، ولم تتغير التوجهات الاقتصادية، فستظل نفس السياسات السابقة تُتبع في إدارة شؤون البلاد، الدولة التي تعيش في وضع أشبه بالحرب، لا يمكن لمسؤوليها أن يتخذوا خطوات لتحسين وضع المياه أو ترشيد استهلاكها.
وماذا لو استمرّ هذا النهج؟ إذا لم تتم الاستفادة من تجارب الآخرين، ألا يُحتمل أن يزداد الوضع سوءا مما هو عليه الآن؟
بلى، سيصبح الوضع بلا شك أسوأ مما هو عليه اليوم، في السابق، وبفعل السياسات الحالية في مجال المياه، خسرنا الأراضي الرطبة، ثم جفّت البحيرات، واليوم بدأت الأنهار بالاختفاء.
كما أننا فقدنا الطبقات الحاملة للمياه الجوفية، وقد وصلنا الآن إلى كارثتين كبيرتين: الأولى هي العواصف الترابية التي سبّبت تلوث الهواء، والثانية هي مسألة الهبوط الأرضي.
هاتان الأزمتان الكبيرتان هما نتيجة السياسات والأداء السابق في مجال المياه. لقد كانت هناك ممارسات خاطئة، ونتيجة لها وصلنا إلى أزمة داخل المنازل.
الآن السدود والطبقات الحاملة للمياه فارغة، وقد بلغنا مرحلة لا يتدفق فيها الماء في الأنابيب لساعات طويلة، إذا لم يساعدنا المناخ، وواجهنا سنوات مقبلة من الجفاف، فسيكون كل شيء قد انتهى، وقد لا نتمكن حتى من إيصال المياه إلى العاصمة أو إلى الصناعات الحيوية في البلاد، وما الذي سيحدث حينها؟ هذا ما يجب أن يجيب عليه خبراء الشؤون الاجتماعية.
هل بلغنا بالفعل “مرحلة نفاد مصادر المياه تماما” الذي حذّر منه الخبراء بشأن طهران، أم أننا سنصل إليه خلال الأشهر المقبلة؟
مفهوم ” نفاد مصادر المياه” برأيي مصطلح غير مفهوم، في بعض المناطق بلغنا هذه المرحلة منذ سنوات عديدة، في العقود الماضية، عندما فقدنا الطبقات الحاملة للمياه الجوفية، تجاوزنا اليوم صفر ووصلنا إلى ما دونه.
لذا، ما يجري الآن هو فقط اتساع نطاق الأزمة، أما القول إننا وصلنا إلى هذه النقطة في المدن بالنسبة لمياه الشرب أم لا؟ فهذا ما يجب أن يجيب عنه المسؤولون: هل يمكنهم تأمين المياه للأسابيع والأشهر القادمة أم لا؟ أعتقد أننا مع استمرار هذا النهج سنبلغ مرحلة الصفر في مجالات أخرى أيضا، ولن نعود قادرين على معالجة بعض الأزمات.
في مجال الطاقة والكهرباء، لم تحصل الصناعات على كهرباء لعدة أيام، وقد تخطت عمليا ما يمكن تسميته بمرحلة الصفر، ولا تُزوَّد بالكهرباء إلا بنسبة ضئيلة في الأسبوع.
هذا إلى جانب أزمة أخرى نواجهها، ستكون أكبر بكثير من الأزمات الحالية، وستؤثر بشدة في الشرق الأوسط وإيران، الأثر الناتج عن ارتفاع حرارة الأرض يتمثل في أن الموارد المتبقية لدينا قد تُفقد بسبب الحرارة والتبخر المفرط، وهو ما سيزيد من تعقيد المشاكل.

إذا كانت السياسات الخاطئة قد أوصلتنا إلى هذا الطريق، وظاهرة تغيّر المناخ كما تذكر ستزيد الطين بلة، فما الذي يمكن فعله الآن؟
يبدو أن إحداث تغيير وتحول في هذا المجال يتطلب اتخاذ قرارات على المستوى السياسي، علينا أولا أن نحلّ مشاكلنا مع العالم، لا يمكن أن نبقى على خلاف مع أجزاء من العالم ولا نقيم علاقات طبيعية معها، ثم نتوقع أن تتحسن أوضاعنا، في نهاية المطاف، نحن لا نخوض حربا فقط مع “إسرائيل الصغيرة”.
من السذاجة أن نقول إن إسرائيل هاجمتنا، فخلف إسرائيل تقف الناتو وأمريكا، أليس من المفترض أن يتغير هذا الوضع الحربي القائم؟ إذا لم تُحل هذه الحالة من الحرب، وإذا لم نتمكن من الاستفادة من الإمكانيات الاقتصادية التي لا يمكن استخدامها في ظلّ الحرب، فلن نخرج من الأزمة الراهنة.
الناس لم يعملوا في البلاد نحو شهر تقريبا، ونحن كأكاديميين تعطّلنا فعليا عن العمل، ولم نتمكن حتى الآن من استعادة السيطرة على شؤون الجامعات.
هذا الضغط يطال أيضا المنتجين، والوظائف، ومشروعات البناء، في وقت نواجه فيه شحّا في المياه، لذلك، لا بد أولا من السعي للخروج من هذا الوضع، وإقامة علاقات مع العالم، والنظر في الإمكانيات المتاحة، وتغيير المسارات.
على سبيل المثال، يجب تغيير الطرق الاقتصادية، وبدلا من تحقيق دخل من تصدير المنتجات الزراعية، علينا أن نهيّئ الظروف لجذب السياح إلى إيران، وبعبارة أوضح: يجب تغيير مصادر الدخل.
وماذا عن قطاع الزراعة؟ ما الذي يجب فعله في هذا المجال؟
علينا أن نتحرك في اتجاه التوقف عن زراعة كثير من الأراضي، يجب إصلاح تكنولوجيا المياه بطريقة تمكّننا من إعادة تدوير المياه واستخدامها للشرب، لا يصح أن نستمر في سحب المياه الجارية والجوفية ونستخدمها في الزراعة.
ينبغي أن نركّب نوافذ مناسبة في جميع المنازل حتى لا نهدر الطاقة، كما يجب تغيير كامل منظومة التبريد في البلاد، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري والاتجاه نحو استخدام الطاقة الشمسية.
صحيح أن هناك حديثا بهذا الشأن، لكن من المستبعد أن يحدث تحول كبير على المدى القصير، يجب أيضا أن نوجّه جميع شركات صناعة السيارات نحو تطوير منظومة النقل العام.
إذا استطعنا أن ننشئ نظام نقل عام فعّال في البلاد، فسنوفّر سنويا ما يصل إلى 40 مليار دولار من الطاقة، هذه الـ40 مليار دولار نمنحها اليوم مجانا للناس، في وقت تعاني فيه الدولة حتى من تأمين الخبز. لماذا؟ لأننا لم نرد ولم نستطع تحسين نظام النقل العام، ولو كان لدينا هذا النظام، لكان بإمكاننا اليوم بيع البنزين بسعر لا يقل عن دولار للّتر.
يجب على الدولة أن تتمكن من الاستفادة من جبل الثروات الموجود، لكن البنزين يُستهلك الآن، ويؤدي إلى الأمراض والتلوث، ثم تضطر الدولة إلى دفع تكاليف علاج هذه الأمراض الناتجة عن استهلاك البنزين.
لكن المافيات لا تسمح للحكومة بأن تفعل شيئا، اليوم، يعمل في البلاد نحو 8 ملايين شخص عبر تطبيق “سناب”، هل تستطيع الحكومة الآن رفع سعر البنزين؟ لا، لا تستطيع، لأن هؤلاء الثمانية ملايين سينتفضون ضد الدولة، أيا كان المجال الذي نلمسه، نجد نفس المشكلة: الفشل، والأخطاء، والقصور أوصلت الأمور إلى درجة لا يستطيع فيها أحد أن يحرّك ساكنا.

