- زاد إيران - المحرر
- 944 Views
كتب: قاسم محب علي
المدير العام السابق لشؤون الشرق الأوسط بوزارة الخارجية الإيرانية
شهدت العلاقات بين إيران ومصر قطيعة شبه تامة منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وتحديدا بعد اغتيال الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات، حيث توقفت العلاقات الرسمية بين البلدين بالكامل.
وعلى الرغم من بعض المحاولات والاتصالات الدبلوماسية المتفرقة خلال العقود الماضية، لم تُفلح هذه الجهود في إعادة العلاقات إلى مسارها الطبيعي، وظلّت الخلافات بين الجانبين تحمل طابعا رمزيا وسياسيا، مثل إطلاق اسم “خالد الإسلامبولي” على أحد شوارع طهران، وكذلك التوتر حول مسجد الرفاعي بالقاهرة الذي يرقد فيه شاه إيران المخلوع محمد رضا بهلوي، فضلا عن الانتقادات المصرية المتكررة لبعض السياسات الإقليمية الإيرانية.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل حقيقة أن مصر تمثل إحدى أهم الدول العربية في شمال إفريقيا، صحيح أن دورها القيادي في العالم العربي ربما تراجع نسبيا في السنوات الأخيرة، إلا أنها ما زالت لاعبا محوريا في ملفات حساسة مثل عملية السلام في الشرق الأوسط، والقضية الفلسطينية، وأزمة غزة، فضلا عن موقعها كحلقة وصل بين العالم العربي والدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
كما أن مصر تُعد حليفا عسكريا وثيقا لواشنطن، وهو ما يُضفي بُعدا استراتيجيا على موقفها من إيران. في المقابل، تحتفظ القاهرة بعلاقات وثيقة وتنسيق سياسي مستمر مع دول الخليج، خصوصا السعودية والإمارات، ما يجعل أي تقارب مع طهران مرهونا بحسابات دقيقة تتجاوز العلاقات الثنائية إلى توازنات أوسع على الساحة الإقليمية.
فرص التعاون وتحديات التقارب
في ظل المعطيات الراهنة، يبرز سؤال جوهري: في حال إعادة تحسين العلاقات بين إيران ومصر، ما هي المجالات التي يمكن أن تشكل أرضية للتعاون؟ وهل يصب هذا التعاون في صالح الأمن القومي الإيراني؟
من منظور الأمن الإقليمي، والاعتبارات الاقتصادية والدبلوماسية، فإن إعادة العلاقات مع مصر قد تفتح آفاقا استراتيجية واعدة، فمصر، التي يتجاوز عدد سكانها 100 مليون نسمة وتمتلك سوقا نامية، يمكن أن تمثّل شريكا اقتصاديا مهما لإيران، خاصة أن هناك سوابق لتعاون اقتصادي سابق، في مجالات مثل الاستثمار المشترك والنقل البحري.
لكن أحد أبرز العوائق تمثّل دوما في حساسية القاهرة تجاه سياسة إيران الخارجية، لا سيما في ما يتعلق بالولايات المتحدة وإسرائيل، كما أن مصر تنظر بعناية إلى تداعيات إقامة علاقات مع طهران على علاقاتها الاستراتيجية مع كل من واشنطن والرياض، ومع ذلك، فإن التحسن النسبي في العلاقات الإيرانية-السعودية قد يوفر مناخا أكثر ملاءمة لإعادة تقييم هذه العلاقة من الجانب المصري.
رغم ذلك، لا تزال هناك عوائق مستمرة مثل العقوبات الدولية المفروضة على إيران، وتصاعد التوترات مع إسرائيل، والهواجس الأمنية، وهي كلها عوامل تؤثر في الحسابات الاستراتيجية المصرية.
الواقع اليوم أن العلاقات بين طهران والقاهرة لا تتجاوز مستوى مكتب رعاية المصالح، ومنذ عهد الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني، بُذلت جهود متفرقة لإعادة التواصل، وبلغت ذروتها خلال فترة رئاسة محمد خاتمي، حين شهدت العلاقات لقاءات رسمية على مستوى وزراء الخارجية، إلا أن أيا من هذه المحاولات لم تؤدِ إلى استئناف العلاقات الدبلوماسية الكاملة، والسبب في ذلك يعود إلى العوامل الرمزية العالقة، بالإضافة إلى مخاوف مصر الاستراتيجية من تداعيات أي تقارب مع إيران.

بين الإرث الثوري والمصالح الراهنة: من الذي يبادر أولا؟
من الضروري التذكير بأن قرار قطع العلاقات بين إيران ومصر جاء بتوجيه مباشر من الإمام الخميني، كرد فعل على توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين القاهرة وتل أبيب، وبناء عليه، فإن أي مساعٍ لإحياء العلاقات، من حيث البروتوكول الدبلوماسي، تتطلب مبادرة واضحة من الجانب الإيراني، فبما أن القطيعة كانت بمبادرة من طهران، فإن من المتوقع أن تأتي خطوة استئناف العلاقات رسميا من الطرف نفسه.
في المقابل، كانت مصر قد طرحت في الماضي شروطا محددة لعودة العلاقات، من أبرزها مطالبة إيران بالتوقف عن تهديد الدول العربية مثل السعودية، والإمارات، والبحرين، واليوم، ومع تراجع حدة التوتر بين طهران والرياض، تبدو بعض هذه العوائق قد تراجعت إلى حدّ ما، لكن يبقى السؤال: كيف ستتجاوب القاهرة فعليا مع هذا المناخ الجديد؟

الرهان المصري في معادلة النفوذ الإيراني
بصورة عامة، فإن إقامة علاقات طبيعية مع دولة بحجم وثقل مصر، باتت ضرورة سياسية ودبلوماسية في عالم اليوم. فمصر لا تزال تشكّل لاعبا محوريا في التفاعلات الإقليمية، وغياب العلاقة معها يمثل ثغرة حقيقية في استراتيجية إيران الدبلوماسية داخل العالم العربي، كما أن استئناف هذه العلاقة قد يحمل فوائد متعددة، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياحي أو الثقافي، فضلا عن أنه قد يعزّز موقع إيران في سعيها لتحقيق توازن سياسي جديد في علاقاتها مع الدول العربية.
في الوقت الراهن، تقتصر علاقات إيران مع العالم العربي بشكل رئيسي على دول الخليج والعراق، في ظل خروج سوريا عمليا من دائرة التأثير، وتعرض لبنان لأزمات داخلية عميقة، لذلك، يكتسب تعزيز العلاقات مع مصر، بوصفها دولة ذات تأثير واسع وتاريخ عريق في العالم العربي، أهمية بالغة في إعادة ترسيخ مكانة إيران الإقليمية.
وعلى ضوء الجهود التي تبذلها السعودية لتشكيل تحالف دولي يدعم حل الدولتين والاعتراف بالدولة الفلسطينية، والتي لاقت انضماما من عدد من الدول الأوروبية، يمكن لإيران أن تحقق خطوة بارزة بالانخراط في هذا المسار عبر تحسين علاقاتها مع مصر، مما قد يسهم بشكل فعال في تقليل النزاعات وتعزيز الاستقرار في المنطقة والعالم الغربي.

