خبير سياسي إيراني: المصالحة الوطنية تبدأ بالخروج من كهف الخطاب الضيق المظلم

نشرت وكالة أنباء خبر أونلاين الإيرانية، المحسوبة على مكتب علي لاريجاني، الأربعاء 2 يوليو/تموز 2025، حوارا أجرته مع محمد رضا طاجيك، السياسي الإصلاحي ومستشار الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي، حول آفاق وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل وأهمية تعزيز الوحدة الوطنية والمصالحة السياسية في ظل الظروف الراهنة.

وفي ما يلي نص الحوار:
ما تقييمك لوقف إطلاق النار بين طهران وتل أبيب؟

إنَّ وقف إطلاق النار مجرد نار تحت الرماد، ومن يقع في وهمها سيهلك. لقد كررت مرارا أن النظرة العاصية التي أشعلت هذه النار لن تهدأ إلا بترويض روح إيران الثائرة وإخضاعها. وبعبارة أخرى، إذا أفضت هذه النظرة إلى إخضاع إيران وفرض القيود عليها، فإن أي دور لعبته في الصفحات السابقة سيكون بلا معنى. فإن وقف إطلاق النار نوع من الحرب الصامتة، ويتطلب العقل الاستراتيجي الانتباه إلى صوت خطوات الحرب التي تقترب بصمت.

وعلى من قرأ ولو صفحة واحدة من كتاب الحرب أن يلاحظ في الكلمات التي تتحدث عن وقف إطلاق النار عبارات وألفاظا تهدف إلى دفن الواقع والحقائق، أي قتل الحقيقة وإخفائها وتجميل ما حولها بالورود والأزهار. وعليهم أن يدركوا أن هذا الكلام مجرد تمثيل، واستعارات تُستخدم لصناعة الجمال والمشاعر والعواطف الراقية، فهو يتضمن كلمات وشعارات بليغة، وصورا واستعارات بديعة.

وعليهم أن يلاحظوا قوة تسعى لتثبيت مصالحها من خلال مصالحة تكتيكية مع العدو، وحسا وهميا يحل محل العقل، وألفاظا ومعان مضللة تشير زورا إلى سلام مزعوم مع الأعداء. كما يجب عليهم أن يروا علامات استفهام وخطابات تحريفية تغيّر تركيز العالم، ونقاطا تقطع أي كلام مختلف أو ناقد قبل أن يُقال، وخطوطا فاصلة تتحول بسرعة إلى روابط تثبت رواية واحدة. وعليهم أيضا أن يتعرفوا على اقتباسات تُكرر فقط نفس الأفكار الخاصة بهم.

باختصار، ينبغي لأهل الحكمة أن لا يركزوا على الوقف الظاهر لوقف إطلاق النار، بل على التواءاته الصغيرة، وعلى ما تحمله تعابير الوجه، لا على الوجه نفسه.

بعد وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران، ما الذي يجب فعله للحفاظ على الانسجام الذي تشكّل خلال 12 يوما من الحرب وجعله مستمرا؟

شاهدنا أبهى وأجمل روح جماعية إيرانية. بلا شك، ما وحد هذه التنوعات والاختلافات هو خيط رفيع اسمه إيران. فقد تجلت إيران مرة أخرى كالمفهوم الأعظم أو المصطلح الكلي الذي تستمد منه المصطلحات الأخرى معانيها، من فارس وترك وعرب وكرد وبلوش وتازيان، ليشكلوا معا الإيراني الذي لا هو تركيا ولا عربيا ولا فارسيا ولا كرديا ولا بلوشيا ولا غير ذلك.

إن تشكيل هذه الروح الجماعية هو العامل الأساسي الذي جعل الناس يصبحون حقا شعبا. بمعنى آخر،  أن هذه الروح الجماعية كانت الإعلان الجماعي الموحد الذي عبر عنه الناس بإرادتهم لدخولهم ساحة الوجود. ومن هذا المنظور، وينبغي اعتبار تشكل هذه الروح الجماعية حدثا ذاتيا فاعلا ومشتركا بين أبناء الشعب، ولم يكن نابعا عن إرادة أي قوة أو جهة خارجية كبرى.

وأؤكد هنا أنه يجب دائما أن نكون حذرين ويقظين، فوفقا للمبدأ النفسي تتلاشى المبادئ الأخلاقية تحت الضغط، وقد تنقسم الروح الجماعية في أوقات الضغط المتزايد داخليا وخارجيا، خصوصا عندما نعلم أن داخل هذه الروح الجماعية يوجد العديد من المستائين، والمهمشين، والمقصيين، والمعاد تعريفهم. لذلك، نصيحتي لأهل السلطة هي التعامل مع الناس بود ومحبة، ومع الآخرين بحكمة وتدبير.

كيف يجب الحفاظ على هذا التماسك؟ سواء من جانب السلطة الحاكمة أو من جانب الفئات التي انضمت إلى هذا التماسك الوطني؟

أولا، يجب إعلان وقف إطلاق النار مع جميع الإيرانيين في أنحاء العالم. وإذا أردنا أن تستمر هذه الروح الجميلة من التوافق والوحدة، فعلى أصحاب السلطة أن يجرؤوا على التخلي عن ما هم عليه وعن السياسات التي يمارسونها. 

ويجب أن يسلكوا طريقا سياسيا يُنمّي المحبة بدلا من أسباب الحقد، وسياسة تدفن الأحقاد، وتطفئ النيران، وتوطد علاقة الأخوة، وتسد الفجوات الناجمة عن الخلاف، وتخلق التضامن والوئام بين الناس؛ سياسة تعتمد على الاهتمام بالآخر والصداقة.

وتتحقق هذه السياسة الصديقة، أو سياسة العلاقة مع الآخرين، من خلال علاقة صحية مع الذات. وبأسلوب الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، نحن مسؤولون تجاه الآخرين ليس لأنهم مسؤولون عنا، بل لأننا مسؤولون تجاه أنفسنا، ونحافظ على استخدام سلطتنا بطريقة صحيحة تضمن أخلاقيتنا وإنسانيتنا. لذلك، فهذه المحبة ليست مجرد لطف تجاه الآخرين، بل هي محبة تجاه الذات.

وبعبارة أخرى، المرافقة والاهتمام بالآخرين هي في الواقع مرافقة واهتمام بالنفس، فالعلاقة مع الآخر تمثل نوعا من الالتفاف حول الذات. ومن المؤكد أن لتحقيق هذه السياسة، هناك شرط ضروري هو الفضيلة التي في تعبير السكرتير الأسبق للدبلوماسية في جمهورية فلورنسا ماكيافيلي تعني الشجاعة، والحكمة، والمرونة الأخلاقية في استخدام السلطة، والتي تمكّن السلطة من الانتصار، وكسب الشرف والسمعة الطيبة. 

وربما يكون تطبيق هذه الفضيلة اليوم هو طمس الروايات التي تفصل وتباعد بين نحن وهم، وهدم الحواجز والجدران التي تفصل بين أنا وهم.

ثانيا، يجب إعلان وقف إطلاق النار مع الذات الحارقة والمُلهبة. فشرط تحقيق وقف إطلاق النار هو وقف القتال مع ذلك الذات التي تعودت على إشعال النار ونشر الفتنة. 

وطالما أن أصحاب السلطة لم يطهّروا قلوبهم وأنفسهم، وطالما أنهم لم يتخلوا عن أنانيتهم وممارساتهم، وطالما أن ميدان السياسة والسلطة لم يُطهّر من المتطرفين المتشددين، فلن يتغير واقع الناس، ولن يطول الأمر حتى يذهبوا دون أن يتذوقوا قطرة من روح الجماعة، أو يمروا بمحبة وسلام داخلي.

وإذا كانت هناك إرادة للحفاظ على هذه الروح الجماعية الجميلة والعظيمة، فعليهم أن يدركوا أن ذلك لن يتحقق بمجرد التكريم الظاهري والتصفيق للأشخاص، بل يتطلب نوعا من التحول العميق والمرن، نظريا وعمليا.

هل يجب أن تتم مصالحة وطنية؟

في الإجابة عن هذا السؤال، يمكن القول إن نظرية البقاء تُلزم أهل السلطة في إيران اليوم أن ينظروا إلى المصالحة الوطنية كأمر استراتيجي وفاعل، لا كإجراء تكتيكي عابر. وعندما تخمد الصراعات وتمضي الليالي، يجب ألا يعودوا إلى ممارساتهم القديمة، ولا يسقطوا في سحر المماطلة التاريخية مرة أخرى.

ويجب عليهم الخروج من كهف خطابهم الضيق والمظلم، وقبول العالم الخارجي بكل اختلافاته وتنوعاته، والاعتراف بأن المصالحة الوطنية تعني تقبل التعددية. وفي الظروف الراهنة، لا يمكن التفكير في الحفاظ على الوحدة الوطنية إلا من خلال ما يُسمى بالوضع التأسيسي.

وهذا الوضع التأسيسي يتشكل عند تقاطع إرادتين: الأولى الإرادة التفكيكية، التي تهدف إلى تفكيك الخطاب الديني-الثوري-السياسي السائد بعد الثورة، حيث لا أملك أدنى شك في أن النقد التفكيكي للبنى الفكرية والمفاهيمية والمعرفية هو السبيل الوحيد لفتح نافذة نحو مستقبل أفضل. 

أما الإرادة الثانية فهي الإرادة البناءة، التي تعني إعادة بناء العلاقة بين الحكومة والشعب، وإعادة بناء رأس المال الاجتماعي، وأُسس القبول والشرعية والفعالية، وكذلك إعادة بناء العلاقات الخارجية، وذلك كله لإعلان إيران مختلفة، وتشجيع الناس على قبول نوع من التغيير الضروري للحفاظ على إيران.

علاوة على ذلك، يحتاج جهاز السلطة بشدة إلى الابتعاد عن جميع الأصحاب الذين يتصرفون كعملاء تابعين مستقرين داخل مؤسسات النظام، ويعيقون التقارب مع الشعب.