رواية الحرب تبدأ حين تصمت المدافع.. صراع السرد بعد وقف إطلاق النار

نشرت صحيفة فرهيختكان الأصولية، الأربعاء 2 يوليو/تموز 2025، تقريرا  أفادت فيه بأنه في الليلة التي سبقت إعلان وقف إطلاق النار في الحرب التي استمرت 12 يوما بين إيران وإسرائيل، عمد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى عزف نشيد انتصاره، ساعيا إلى أن يُسجِّل انتهاء الحرب باسمه، وأن يُعتبر هو الطرف المنتصر فيها. 

وأضافت الصحيفة أنه لو ألقى نظرة على وسائل الإعلام الأمريكية، وتحليلاتها، والصور المنشورة للدمار في تل أبيب، لأدرك من الرابح ومن الخاسر الحقيقي في هذه الحرب. ومع ذلك، لا يمكن التقليل من التأثير الإعلامي للأكاذيب التي يروجها ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في محاولتهما لتصوير نفسيهما كمنتصرَين في الحرب.

وتابعت: “في هذا السياق، فإن الرواية التي يقدّمها المسؤولون الإيرانيون بشأن هذه الحرب التي دامت 12 يوما، وما يُعرض كإنجازات لإيران خلال هذين الأسبوعين، لا تحصّن الرأي العام في الداخل الإيراني فحسب ضد هجمات وسائل الإعلام الناطقة بالفارسية الموالية للعدو، بل إن صداها في الإعلام الدولي يشكّل هجوما مضادا على محاولات ترامب ونتنياهو لتصوير نفسيهما كمنتصرين”.

وأوضحت أن الرواية التي قدّمها مستشار المرشد الأعلى الإيراني علي لاريجاني يوم الأحد 29 يونيو/حزيران 2025 حول هذه المواجهة، تمثّل رواية مهيمنة في مواجهة ادعاءات المسؤولين الأمريكيين، وهي تستند إلى وسائل إعلامهم نفسها. وما يلفت أكثر في حديثه أنه لم ينزلق إلى الخطاب الشعاراتي أو الكلام الجوفاء، بل نقل وقائع الهزائم والانتصارات الإيرانية استنادا إلى أخبار ومعلومات دقيقة، كاشفا الحرب النفسية التي يشنّها العدو.

وأردفت أن خلاصة هذا الحوار الذي استمر ساعة و17 دقيقة، توصل الجمهور إلى نتيجة، مفادها أنه رغم وجود بعض الهزائم، فإن اليد العليا كانت لإيران في هذه المواجهة، وذلك استنادا إلى معلومات دقيقة، ومشاهدات، وأدلة موثقة.

الروايات هي التي تحدد الطرف المنتصر

أكدت الصحيفة أن ترامب، في ولايته الرئاسية الأولى، اشتهر بتغريداته غير المنتظمة التي غالبا ما تناولت قرارات مهمة تتعلق بالبيت الأبيض. وكان ينشر عبر حسابه على تويتر أخبارا ومعلومات –قد تندرج في بعض الحالات ضمن الوثائق السرية– قبل صدور أي إعلان رسمي. ولا تزال هذه السمة تلازمه حتى اليوم، إذ يواصل إطلاق تصريحاته وردود فعله تجاه إيران ومواجهتها مع إسرائيل من دون اكتراث بالعواقب الدبلوماسية والدولية. 

وبيَّنت أن هذا السلوك يعكس نمطا خاصا في ممارسة السياسة، يرتبط ارتباطا وثيقا بخلفيته المهنية في عالم الأعمال والعقارات.

وأبرزت أن ترامب يمتلك مهارة عالية لا يمكن إنكارها في إطلاق حملات إعلامية قادرة على فرض روايته وجعل الإعلام يتماهى معها. وهو ما حدث أيضا خلال الحرب التي استمرت 12 يوما. فعلى الرغم من كون الولايات المتحدة أحد الداعمين الرئيسيين للحرب، فإنها قدّمت نفسها كطرف منتصر ومدافع عن السلام. بينما أحد أطراف الحرب المحورية كان إيران؛ الدولة التي تعرضت لهجوم مباشر، وسط صمت من المجتمع الدولي.

وشددّت على أن الردّ على ادعاءات ترامب وتجاوزاته في الحديث عن هذه الحرب، يُعد بحد ذاته جزءا مهما من المعركة، وعنصرا حاسما في تحديد من هو المنتصر. ومع وقف إطلاق النار، باتت الروايات والتفسيرات المختلفة لما جرى هي التي تحدد الفائز في أذهان الرأي العام.

ونوّهت إلى أن على المسؤولين الإيرانيين إدراك ضرورة تقديم رواية دقيقة وممنهجة عن الحرب أولا، تشمل شرح الحقائق، وإبراز مكامن القوة والضعف. أما التعامل الأمني مع كل ما جرى، ووضع الإعلام في مرتبة ثانوية، فإنه يفسح المجال أمام الإعلام الناطق بالفارسية التابع للنظام الإسرائيلي ليحتكر ساحة السرد، ويحرّف الوقائع، ويحدّد للرأي العام من هو الطرف المنتصر.

أتقنوا الجهد الإعلامي
أوردت الصحيفة أن من الأخطاء الأخرى التي تقع في تقديم الروايات الإعلامية حول مختلف القضايا، وضمن ذلك الحرب، هو المبالغة الزائدة التي تكاد تلامس حدود الرواية غير الواقعية. فالتفاخر والتهديدات غير الواقعية الموجّهة للعدو لا تستطيع إقناع الرأي العام، ولا تؤدي دورا فعّالا داخل المجتمع الإيراني. 

وأفادت بأن التهديد والرجز يستندان في الأصل إلى ترهيب العدو وإضعاف معنوياته، فإن لهذا الأمر دقة وأصولا يجب مراعاتها، وإذا لم تُراعَ، فإن الجمهور لا يقتنع بها، بل وقد تنقلب إلى نتائج عكسية.فضلا عن أن الرجز والتهديد موجّهان أساسا إلى العدو لا إلى الشعب، إلا أنه يجب أن يحمل قدرا من الواقعية، ويُطرح مع مراعاة لقدرات الطرف القائم به ونقاط ضعف الطرف الآخر. 

وأكّدت أنه إذا لم تُراع هذه المبادئ، فإن الجمهور لن يصدّق حتى التهديدات التي يمكن تنفيذها فعليا.

وذكرت أن الوجه الحقيقي للتهديد والوقوف بجرأة أمام العدو تجسّد في الصواريخ الباليستية التي حلّقت في سماء تل أبيب. كما أن رواية هذا المشهد الشجاع وتقديمه كرسالة تهديد للعدو لا يساهمان فقط في ترسيخ مكاسب الحرب في أذهان الناس، بل يعززان لديهم القناعة بأن تهديدات إيران للعدو ليست جوفاء أو مبنية على فراغ، بل إن أي عدوان سيُواجَه برد حازم وذكي.

“ما زلنا نعاني من هشاشة الرواية”

سلَّطت الصحيفة الضوء على خطأ آخر وقع خلال هذه الحرب التي استمرت 12 يوما، وكان محل اهتمام أيضا، هو أنه رغم الجرائم والاعتداءات التي استهدفت المناطق المدنية، والتي أسفرت عن استشهاد 935 شخصًا، بينهم 38 طفلا و108 نساء، لم يتمكّن الإعلام والمسؤولون الإيرانيون من تقديم رواية سردية تُظهر هذه الجريمة بشكل يُقنع الرأي العام العالمي ويجذبه إلى جانبهم.

وأبرزت أنه رغم الجرائم التي ارتكبها الإسرائيليون خلال عام 2024 في غزة، لا سيما المجازر بحق الأطفال، والتي دفعت جزءا من شعوب الدول الغربية إلى الخروج في مظاهرات تندد بهذه الاعتداءات، فإن استهداف إيران شكّل وما يزال يشكّل قضية قادرة على إلحاق أذى أكبر بكثير بإسرائيل على الساحة الدولية.

وأوضحت أنه في حين حاول الإسرائيليون تبرير مجازرهم في غزة باعتبارها ردّا على هجمات حركة حماس، فإن العدوان على الأجواء الإيرانية وقتل المدنيين قد تمّ من خلال انتهاك واضح للقوانين الدولية، واعتداء مباشر على سيادة دولة رسمية، وذلك بذريعة واهية وغير واقعية.

وأوردت: “في هذا السياق، أن تقديم رواية مؤثرة عن مظلومية المدنيين الذين قُتلوا في هذا العدوان، وإطلاق موجة إعلامية لتشكيل رأي عام عالمي ضد إسرائيل، كان من شأنه أن يُفاقم أزمتها، تماما كما حصل خلال أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى 2024”.

وأبلغت أن هذا الاعتداء كان بمثابة رصاصة الرحمة على الصورة المزيّفة التي حاولت إسرائيل ترسيخها عن نفسها كدولة تسعى للسلام والديمقراطية. ولكن الطريقة التي عُرضت بها هذه الجريمة إعلاميا لم تكن على مستوى الحدث، وكان يمكن أن تُظهر الحقيقة بشكل أوضح وأدق أمام الرأي العام العالمي.

وبيّنت أن تجربة الحرب الأخيرة وما تبعها من تطورات قد أثبتت أن هناك ثغرات جدّية لا تزال قائمة في تقديم الرواية التي تُظهر الطرف المظلوم في الحرب. وهذا الضعف في السرد يمنح الإسرائيليون فرصة لتكرار روايتهم المضللة، التي تزعم أن جميع من قُتلوا في هذا العدوان كانوا عسكريين، مما يتيح لهم خداع الرأي العام العالمي وتصوير أنفسهم على أنهم الطرف المظلوم والمُحاصر والمُهدد.

رواية لاريجاني جامعة

روت الصحيفة أن كل ما نحتاج إليه في هذه الأيام هو تقديم رواية دقيقة، تبعث على الأمل، وتقترب من حدود الواقع؛ رواية يقبلها الجمهور وتقدّم صورة واضحة عن الانتصارات والإخفاقات في الحرب، وتشكّل في الوقت نفسه ردّا ملائما على الحرب النفسية والإعلامية التي يشنّها العدو. 

وذكرت أن المثال العملي لهذا النوع من الروايات تجلّى في ما قدّمه علي لاريجاني ليلة الأحد 29 يونيو/حزيران 2025 حول المواجهة التي استمرت 12 يوما.

وأضافت أن لاريجاني، الذي لطالما استخدم الإعلام وقوة كلمته في مواجهة تهديدات الولايات المتحدة وتجاوزات الإسرائيليين عاد هذه المرة أيضا ليقدّم خطابا متماسكا وفعّالا. 

وتابعت أنه، رغم دقته المعهودة في اختيار الكلمات التي لطالما ميّزت أسلوبه، فإنه في هذه الرواية الخاصة بالحرب الأخيرة لم يكتفِ بذلك، بل قدّم سردا تسلسليا للأحداث، مستندا إلى معطيات وحقائق وردت في وسائل الإعلام الغربية نفسها، ما يدفع المتلقي في النهاية إلى الاستنتاج بأن إيران، رغم كل الصعوبات، استطاعت الحفاظ على اليد العليا في هذه الحرب.

وأردفت أن إشارته إلى أن ما جرى ليس حدثا يمكن اختزاله في تحليل مبسّط، تُظهر حرصه على تقديم رواية دقيقة ونقية، مستخلصة من عمق تعقيدات الحدث. فرغم وضوح هذه الرواية وسهولة فهمها من قِبل الناس، فإنها لا تقع في فخ التبسيط أو تسطيح ما جرى خلال أيام الحرب.

رواية على حافة الواقع
نقلت الصحيفة أن لاريجاني، في روايته، يطرح ثنائية واحدة فقط: إيران والعدو الإسرائيلي، الذي لطالما لعبت الولايات المتحدة دورا داعما وفاعلا إلى جانبه. وتستمر هذه الثنائية في تشكيل محور الرواية حتى نهايتها. وفي أحد أجزاء الحوار، يشير لاريجاني إلى ادعاء نتنياهو بأنه يريد إنقاذ الشعب الإيراني كما أنقذ كوروش اليهود، فيسخر من هذا الادعاء، مبرزا مدى سذاجته، ومشككا في هذه المقارنة غير المنطقية.

ولفتت إلى أنه، في السياق ذاته، يتطرق لاريجاني إلى تناقضات الإسرائيليين، مشيرا إلى قضية تغيير النظام السياسي في إيران، ومؤكدا أن تراجعهم عن هذا الطرح جاء بعدما أدرك نتنياهو أن الحملة التي انخرط فيها تفوق قدراته، وأن تحقيق النصر لن يكون بالسهولة التي تخيّلها.

وأشارت إلى أن ما يلفت الانتباه أيضا هو أن لاريجاني يذكر بصراحة المراحل التي لم تكن فيها إيران صاحبة اليد العليا. ففي أحد أجزاء الحديث، يشير إلى أنه حتى اليوم الثالث من الحرب، ورغم الردود الإيرانية، كانت موازين القوة العسكرية لا تزال تميل بنسبة 60 إلى 40 لصالح إسرائيل. لكنه يؤكد أن المعادلة بدأت تتغير لصالح إيران اعتبارا من اليوم الرابع.

وأكَّدت أن في رواية لاريجاني، لا وجود للتفاخر أو المبالغة بشأن إنجازات الحرب. فهو يروي بدقة كل ما جرى: الهزائم، والانتصارات، والضربات التي تلقّتها إيران، وتلك التي وُجّهت للعدو، كلّها ضمن سردية متسلسلة، وزمنية، ومبنية على الوقائع. وما يهمّ في هذه الرواية هو إبراز وجود إيران وقوتها في مواجهة العدو، وفضح خِدع الطرف الآخر.

وأوضحت أن لاريجاني لا يُقدّم نفسه كبطل في هذه الرواية؛ فالبطل الوحيد فيها هو إيران. وحتى عندما يتحدث عن تهديدات إسرائيلية وصلته عبر الهاتف، يمرّ على الموضوع مرور الكرام دون تضخيم. حتى نهاية روايته، ويسير لاريجاني على حافة الواقع، دون أن يتجاوزه أو يختبئ خلفه.

“حافظوا على النخبة السياسية في أوقات المحن”
نوّهت الصحيفة إلى أنه “في ظل واقع يشهد ازدواجا خاطئا في التعامل مع الحرب، نرى من جهة من ينظر إليها بعين رومانسيّة، متخيّلين أن بوسعنا مواجهة الواقع القاسي للعلاقات والمصالح الدولية بالتمنّي، كمن يقول ليتنا صنعنا آلات موسيقية بدلا من الأسلحة”.

 وأوردت أنه “من الجهة الأخرى، نجد من سقط في الطرف النقيض، فيبالغ في إضفاء معانٍ مثالية على الحرب ويتجاوز تعقيداتها، متجاهلا الواقع الميداني وتحوّلات السياسة الدولية، ومقدّما قراءات منفصلة عن السياق الفعلي”.

وأفادت بأنه في ظل هذه الثنائية المضلّلة، يقف لاريجاني في المنتصف، واضعا قدميه بثبات على أرض الواقع، ومقدّما قراءة وتحليلا واقعيا يستندان إلى ما حدث فعليا في الميدان، لا إلى الأمنيات أو الأوهام.

وأبرزت أن الساحة السياسية بحاجة ماسة إلى شخصيات من هذا النوع: سياسيون يتجاوزون الانتماءات الحزبية والخلافات الفئوية، ويتعاملون مع الأحداث الدولية ضمن إطار المصلحة الوطنية العليا. وهم يملكون رؤية شاملة للمجتمع تتخطى الاصطفافات السياسية الضيقة، إلى جانب قدرتهم على تقديم تحليلات متوازنة تأخذ في الاعتبار مقتضيات الأمن القومي والدبلوماسية وتعقيدات السياسة العالمية.

وأقرّت بأنه “كما أن القائد العسكري الماهر هو من يُجيد المبادرة وتوجيه الضربة في وقت الحرب، فإننا في ساحة الرواية الإعلامية نحتاج إلى من يتقن فن المبادرة ويمتلك أدوات المواجهة، ليبادر إلى كسر سردية العدو والتصدي لحربه الإعلامية”.

ودعت إلى ضرورة الحفاظ على مثل هذه الشخصيات، التي تُعدّ من الأصول الاستراتيجية للنظام السياسي، مشددة على أن حمايتها من الاستنزاف أو الإقصاء ضرورة لا يمكن تجاهلها. 

وفي الختام، أوضحت الصحيفة أنه “على الرغم من أهمية شخصيات مثل علي لاريجاني ومكانتهم، فقد شهدنا في السنوات الأخيرة تعاملا محيّرا وقابلا للنقد معهم. ومع اتفاقنا أو اختلافنا معه، لا يمكن إنكار أن لاريجاني قدّم، في الأيام الأخيرة، صورة متقنة لسياسي ناضج، هادئ، وذكي في إدارة الخطاب والتحليل، في لحظة بالغة التعقيد”.