- زاد إيران - المحرر
- 634 Views
نشرت صحيفة اعتماد الإصلاحية، الثلاثاء 1 يوليو/تموز 2025، تقريرا ذكرت فيه تصريحات لعباس موسوي، المتحدث السابق باسم وزارة الخارجية، في حوار أجرته معه حول مستقبل المسار الدبلوماسي الإيراني بعد التصعيد العسكري الأخير بين طهران وتل أبيب، وتداعيات ذلك على الملف النووي الإيراني والمواقف الغربية المتناقضة.
الردع الإيراني يجب أن يُربك حسابات العدو
قال عباس موسوي، بشأن التقييمات الغربية المتناقضة حول مخزون إيران من اليورانيوم المخصب وبرنامجها النووي، إلى جانب تهديداتهم المتزامنة بتفعيل آلية الزناد، إن النهج والسياسات التي تنتهجها الولايات المتحدة تجاه إيران واضحة وثابتة، وهي تهدف منذ البداية إلى استهداف القدرات النووية لإيران.

وأضاف موسوي أن هذه السياسة لا ترتبط بشخص الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فقط، ولا بحزب بعينه سواء كان جمهوريا أم ديمقراطيا، بل هي استراتيجية دائمة في السياسة الخارجية الأمريكية، تتبعها الإدارات المتعاقبة، سواء أكانت ديمقراطية أم جمهورية، ولكن بأشكال وأساليب مختلفة.
وتابع قائلا: “تذكّروا أن الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، المنتمي إلى الحزب الديمقراطي، كان قد صرّح من قبل بأنهم أرادوا تفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل، لكنهم لم يستطيعوا ذلك. وهذا العجز لم يكن ناتجا عن ضعف في نيتهم، بل بسبب الموقع الاستثنائي الذي كانت إيران تحتله في تلك الفترة. أما اليوم، فالسياسة نفسها ما زالت قائمة، لكنها تُمارس من خلال أدوات وتكتيكات أكثر تعقيدا وتنوعا”.
وأردف أن اللاعبين الإقليميين الرئيسيين، وعلى رأسهم النظام الإسرائيلي، بدأوا أولا باستهداف مواقع حلفاء إيران في المنطقة، ثم انتقلوا إلى خيار المواجهة المباشرة مع إيران.
وأوضح أن الهدف النهائي للنظام الإسرائيلي لا يقتصر على تدمير البرنامج النووي الإيراني، بل يتعداه إلى أهداف أعمق، وهي: إسقاط نظام إيران، وتقسيم إيران الكبرى، وإنهاء دورها الفاعل في المعادلات الإقليمية.
وصرَّح قائلا: “إنني أتابع التطورات الأخيرة بتشاؤم، ولا أشعر بالتفاؤل حتى بشأن صمود وقف إطلاق النار الحالي، لأنه في نظري لا يتعلق بتوتر عابر، بل هو جزء من تخطيط استراتيجي أوسع يهدف إلى إضعاف إيران على المستوى البنيوي”.
وذكر أنه في ظل هذه الظروف، يرى أن على إيران أن تُعيد تعريف مفهوم الردع، قائلا: “نحن بحاجة إلى ردع فعّال وذكي؛ ويجب أن نربك منظومة حسابات العدو، ونزرع الشك في قراراته”.
وقال: “رغم أنني لا أملك معلومات خاصة أو حساسة حول الخطط العسكرية للقوات المسلحة، فإنه من الممكن أن يكون أعداء إيران قد أخذوا في الحسبان فرضية أن إيران، إذا تعرضت لضغوط قصوى أو أصبحت مسألة وجودها على المحك، فقد تلجأ إلى أدوات لم تُستخدم من قبل، وربما لم يُكشَف عنها أصلا. وهذه الفرضية بحد ذاتها يمكن أن تؤثر على حساباتهم وتشكّل نوعا من الردع المعلن.
.
الغرب يتبع خطة ممنهجة لإخضاع إيران وتقويض النظام الدولي
وفي معرض حديثه حول التناقض الواضح بين مزاعم إدارة ترامب بتدمير المنشآت النووية الإيرانية، وتحذير مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، من اقتراب إيران من امتلاك سلاح نووي خلال أشهر، قال موسوي: “كما ذكرت سابقا، أعتقد أن الملف النووي ليس سوى ذريعة. في سلوك الغربيين، خاصةً النظام الإسرائيلي، وتوجد تناقضات جوهرية تؤكد أنهم يسعون لأهداف تتجاوز بكثيرٍ مجرد اتفاق على أجهزة الطرد المركزي أو نسب التخصيب”.
وأبرز أن هدفهم الحقيقي هو إخضاع إيران بالكامل. ولقد تحدثوا صراحة عن تغيير النظام السياسي، بل راهنوا على تفكيك إيران وتقسيمها. ولم يعودوا يخفون هذه النوايا، بل يعبّرون عنها علنا.
وبيَّن أنه “إذا اكتفينا فقط بالإشارة إلى هذه التناقضات أو استخدمناها كذريعة للردود الإعلامية والدبلوماسية، فلن نصل إلى نتيجة، لأن ما يجري هو جزء من خطة استراتيجية شاملة. فلقد نشأ تقسيم واضح ومنهجي للأدوار بين مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والاتحاد الأوروبي، والحكومة الأميركية، والنظام الإسرائيلي، حيث يؤدي كل طرف دوره في إطار هدف مشترك”.
وشدد على أن الحد الأقصى من اليقظة مطلوب من جميع مؤسسات الدولة، وأكَّد أن الأمر لا يقتصر على القوات المسلحة والجهاز الدبلوماسي، بل يجب أن يكون أيضا المجتمع والرأي العام على وعي ومقاومة إزاء هذا المشروع التخريبي الطويل الأمد.
وأشار إلى أن إيران اليوم تواجه مرحلة جديدة، تتعرض فيها القواعد التقليدية للنظام الدولي، مثل القانون الدولي، ومعاهدات الأمم المتحدة، والأعراف الدولية المتعارف عليها، لتآكل فعلي، حتى بات نظام معتد ومنفلت كإسرائيل قادرا على انتهاك القواعد دون أن يدفع أي ثمن.
المفاوضات في زمن الحرب تتطلب إعادة تعريف شاملة
وفي سياق تصريحه حول احتمال عودة إيران إلى طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة، نوّه موسوي إلى أن “طاولة المفاوضات، في ظل الظروف الراهنة، لم تعد هي الطاولة ذاتها التي كانت أمامنا سابقا. فليس فقط المواضيع التي كانت تُناقش قد تغيرت، بل حتى جداول الأعمال التي طُرحت سابقا قد خضعت لتحولات عميقة”.
ولفت إلى أن نظام عدم الانتشار النووي تعرّض لضعف شديد بسبب السياسات التخريبية للدول الغربية، والتقارير المنحازة الصادرة عن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مشيرا إلى أن الهجمات المتكررة على المنشآت النووية السلمية في إيران، لا سيما من قبل النظام الإسرائيلي، تُعد خرقا واضحا لمبدأ عدم الانتشار، وتُثبت أنه لا يمكن الوثوق بهذا النظام.
وأورد أنه “في ظل هذه الظروف، من المنطقي القبول بأن طاولة المفاوضات نفسها، وجدول أعمالها، وحتى النتائج المتوقعة منها، قد تغيرت بالكامل. ومع ذلك، أعتقد أن التفاوض لا يزال من الأدوات الأساسية لحماية المصلحة الوطنية، وينبغي عدم إقصائه بشكل كامل”.
وأبرز أن العالم اليوم يواجه ما يُعرف بالدبلوماسية في زمن الحرب، أي إن القنوات الدبلوماسية يمكن أن تبقى نشطة حتى في ظل النزاعات وتصاعد التوترات. وأوضح أن هذا الأمر ينطبق أيضا على إيران، حيث يمكن للسفارات أن تواصل عملها على مستويات منخفضة، ويمكن تبادل الرسائل بشكل مباشر أو غير مباشر، كما يمكن للدول الوسيطة أن تواصل لعب دور الوساطة.
ونبَّه في الوقت ذاته إلى أن البنية الكاملة للمفاوضات بحاجة إلى إعادة تعريف شاملة.
التلاحم الداخلي عدّل حسابات العدو وأبقى إيران على مسار الحوار
وفي معرض حديثه حول تقييمه لأدوات الردع المتوافرة لإيران في ظل تصاعد التوترات، أشار موسوي إلى أن “ما شهدناه خلال الاثني عشر يوما من المواجهة بين إيران والنظام الإسرائيلي كان ضربة مباشرة لمفهوم الدبلوماسية”.
وأكَّد أن “الطرف المعتدي لم يكتفِ بالإطاحة بطاولة التفاوض، بل شنّ هجمات مباشرة على المنشآت، واستهدف شخصيات وقادة بارزين إيرانيين، ولجأ إلى الاغتيال الأعمى، وفي الوقت ذاته تحدّث عبر الإعلام عن استعداده للحوار!”.
وأضاف أن “إيران، وعكس ما كان يتوقعه المعتدون، لم تخرج من مسار الحوار، بل تمسكت بموقفها من خلال الصمود، وضبط النفس، والحفاظ على منطقها الدبلوماسي”.
وبيَّن أن النقاط المضيئة خلال هذه المرحلة تمثلت في الانسجام الاجتماعي غير المتوقع الذي شهدته إيران، حيث أجمعت جميع التيارات السياسية، وشرائح المجتمع المختلفة، والنخب الفكرية على ضرورة الدفاع عن إيران، في حالة نادرة من التلاحم. ويرى أن هذا التلاحم كان السبب في أن الدعوات إلى التهدئة والمفاوضات هذه المرة لم تصدر من الجانب الإيراني، بل جاءت من الطرف الآخر عبر وسطاء إقليميين.
وسلّط الضوء أيضا على أن الرسائل القوية والواضحة الصادرة عن القيادة الإيرانية أدّت دورا مهما في تعديل حسابات العدو، مؤكدا: “ورغم أنني شخصيا لا أُبدي تفاؤلا كبيرا بشأن استمرار الهدنة، فإن هناك احتمالا أن يُحجم العدو عن أي تحرّك جديد أو يتصرف بحذر نتيجة لتغيّر تقديراته”.
إيران أمام واقع جديد والرد على العدوان غيّر المعادلات
وفي إطار حديثه حول احتمال اندلاع حرب شاملة في المنطقة بفعل تغير التوازنات وتحركات إسرائيل، شدّد موسوي على أن كافة مؤسسات إيران في حالة جاهزية، وقال: “إن القوات المسلحة والدبلوماسيين والهيكل الإداري في إيران يعملون بتنسيق تام وعلى نحو متواز. والهدف أن يتم إفشال أي محاولة مفاجئة من جانب العدو”.
وأكد أن هناك احتمالا لعودة العدو إلى المغامرة، لكنه لفت إلى أن رد إيران على الهجوم الأمريكي، من خلال استهداف قاعدة العديد في قطر، حمل رسالة استراتيجية غيّرت المعادلات، قائلا: “هذا الرد كان رسالة واضحة: إذا استمر هذا النهج، فقد يتغيّر ميزان القوى بشكل خطير”.
وأبرز أن إيران ليست لاعبا صغيرا، مشددا على أن زعزعة الأمن في إيران تعني زعزعة الاستقرار في كامل منطقة الخليج بل العالم، مضيفا أن لدى إيران أدوات بإمكان استخدامها أن يُعيد رسم معادلات المنطقة بشكل كامل.
وخلال تناوله لموضوع مدى صحة التقارير التي تحدّثت عن قبول محتمل من جانب طهران لمقترح التحالف، وكذلك تداعيات هذا النوع من الطروحات في السياق الحالي، صرَّح بأنه “يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن قبل بدء العدوان الإسرائيلي-الأمريكي، كانت هناك مفاوضات جارية حول مقترحات تشمل إخراج اليورانيوم المخصب، أو تشكيل تحالف للتخصيب داخل إيران، وغيرها من المقترحات، ولكن الآن نحن أمام واقع جديد كليا”.
وأضاف أن “العدو يدّعي أنه ضرب البنى التحتية الرئيسية لدينا ودمّر مخزوناتنا. وإذا كانت هذه الادعاءات صحيحة، فعلام يريدون التفاوض الآن؟”.
وفي الختام شدّد على ضرورة المتابعة القانونية الجادة للدفاع عن مصالح إيران، لكنه أبدى عدم ثقته بالمؤسسات الدولية، مشيرا إلى أن مجلس الأمن، والأمم المتحدة، وحتى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لا يمكن الركون إليها، لأن تجربة إيران أظهرت أن هذه المؤسسات لا تتحرك إلا في حدود مصالح القوى الكبرى، وبمجرد أن تسعى دولة ما إلى الاستقلال في قرارها، تتحول هذه الآليات إلى أدوات تُستخدم ضدها، وتفقد بذلك مصداقيتها.

