- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 463 Views
في حوار شامل مع “زاد إيران”، يقدم الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، تحليلا سياسيا عميقا للتطورات الأخيرة المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، بعد عودة فرض العقوبات الأممية وإعادة تفعيل آلية الزناد في 28 سبتمبر/أيلول 2025، يركز الحوار على جوانب دبلوماسية واقتصادية وإقليمية، مع التركيز على دور الدول الكبرى والإقليمية؛ وما إذا كانت هذه الخطوة تمثل نهاية حقيقية للدبلوماسية مع طهران بشأن “الاتفاق النووي” أم أنها مجرد ضغط تكتيكي يمكن أن يؤدي إلى مفاوضات جديدة، وكيف يمكن أن يتأثر ذلك بمواقف روسيا والصين في مجلس الأمن واحتمالات حدوث أي مواجهات عسكرية قريبا أم لا؟ فإلى نص الحوار..
في البداية، أوضح د.حسن نافعة أن الضغط الذي يمارس من أجل إجبار إيران على التخلص من اليورانيوم المخصب – هي لديها أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب- وبالتالي قدرتها على تصنيع قنبلة نووية يمكن أن تكون مسألة متصلة بقرار سياسي، وهذا يحتكم في وقع الأمر إلى أن إيران لا تريد أن تصنع القنبلة ولم تتخذ قرارا بصنع القنبلة النووية حتى هذه اللحظة، وهناك فتوى ما تزال سارية المفعول تحرم تصنيع السلاح النووي.
ماذا تريد طهران حاليا؟
ما تريده إيران حقيقة هو أن تكون لديها المعرفة التكنولوجية النووية الكاملة لكل الاستخدامات السلمية للطاقة النووية وبما أنها عضوة في اتفاقية حظر الانتشار النووي لعام 2010، فلها الحق في تخصيب اليورانيوم، وليس بالضرورة بهذه الدرجة العالية من التخصيب، ولكن على أي حال يعني إيران مستعدة لخفض مستويات التخصيب، وكانت قد وفقت في الاتفاق النووي الذي أُبرم في عام 2015 (مع القوى الكبرى) على أن تكون نسبة التخصيب 3.067% فقط وأظن أنها لا تزال مستعدة للعودة إلى هذه النسبة إذا عادت الولايات المتحدة ودخلت في الاتفاق النووي الذي انسحبت منه مرة ثانية.
إسرائيل وخيط العنكبوت
إيران تدرك جيدا أن إسرائيل هي المحرك الرئيسي، وهي التي أقنعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالخروج من هذا الاتفاق النووي، وقد التزمت التزاما كاملا بكل ما جاء في اتفاق 2015، والمطالب الإسرائيلية لا تتعلق فقط بالبرنامج النووي الإيراني، لكنها تتعلق بأشياء كثيرة، منها البرنامج الصاروخي وبرنامج تصنيع المسيرات إلى آخره، وبالتالي مطالب إسرائيل والولايات المتحدة لا تقتصر فقط على البرنامج النووي الإيراني، وطهران تدرك هذا إدراكا جيدا.
استنزاف محور المقاومة

تعتقد إسرائيل والولايات المتحدة أنهما استطاعا تحقيق انتصارات مهمة في الشرق الأوسط، لكن موضوع “محور المقاومة” الذي كانت تقوده إيران كان من ضمن المخاوف الإسرائيلية الحقيقية، لكن تل أبيب تعتقد الآن أنها استطاعت أن تصفي بشكل أو بآخر هذا المحور أو على الأقل تضعف منه إلى درجة كبيرة جدا، وبالتالي عندما تمكنت إسرائيل من إضعاف محور المقاومة المتمثل في “حزب الله، حماس، وتدمير قطاع غزة، توجيه ضربات للحوثيين، وإسقاط النظام السوري إلى آخره”، يعني كل هذه منجزات حققتها إسرائيل في الآونة الأخيرة، بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة شاركت إسرائيل في توجيه ضربة قوية للمفاعلات النووية، خاصة المفاعلات المحصنة..
هذه الضربة -وفقا لـ د.نافعة- أخرت قدرة إيران على التخصيب، لكن أظن أن الكل يدرك الآن أن كميات اليورانيوم المخصبة نجت من هذه الضربة الجوية، وبالتالي وهذه نقطة مهمة جدا لدى إيران، وسلاح قوي تستطيع طهران استخدامه في المفاوضات التي جرت والتي لا تزال جارية في واقع الأمر.
ثغرة في الاتفاق النووي

إذن الغرض من تنشيط آلية “الزناد” أو إعادة فرض العقوبات هو ممكن من خلال الطرف الأوروبي فقط، لأن الولايات المتحدة خرجت ولم تعد طرفا في الاتفاق النووي، لكن لا تزال دول الترويكا الأوروبية الثلاث “فرنسا وألمانيا وبريطانيا” أعضاء في هذا الاتفاق وهناك ثغرة في الاتفاق، الحقيقة لم تنتبه إليها إيران، وهو الحالة التي يمكن لطرف واحد أن ينسحب من الاتفاق النووي.
وهو قائم الآن بعد انسحاب الولايات المتحدة، لكن أن تكون لأطراف أخرى الحق في تفعيل “الزناد”، رغم انسحاب الطرف الأساسي من الاتفاق، هذه ثغرة سمحت للدول الأوروبية أن تنفذ منها، وبالتالي أن تعيد تفعيل العقوبات التي كان مجلس الأمن قد فرضها “العقوبات الأممية”، طبعا التفاصيل كثيرة في هذا الموضوع، ولكني أعتقد أن العقوبات الأممية ليست على نفس المستوى من العقوبات الأمريكية، الأشد خطورة.
تأثير العقوبات الأممية
لكن لا ينبغي التهوين من فاعلية وتأثير العقوبات الأوروبية إذا فُعّلت، لأن تفعيل آلية “الزناد” تعني أن العقوبات الأممية أصبحت سارية المفعول، وبالتالي يمكن للدول الأخرى وليس الاتحاد الأوروبي فقط أن تتعرض للعقوبات إن هي أقدمت على إقامة علاقات مع إيران، من ضمن الأمور التي يحضرها قرار مجلس الأمن.
في كل الأحوال أعتقد أن تأثير هذه العقوبات الجديدة “العقوبات الأممية” في حالة تفعيلها، وهي بدأت بالفعل إعادة تفعيلها بعد فشل قرار روسيا والصين في تأجيل أو إعادة تمديد تعليق العقوبات، القرار الذي كان قد اتخذه مجلس الأمن من قبل الصين وروسيا لم يستطع منع الأطراف الأوروبية من إعادة تفعيل آلية الزناد، وبالتالي تمت إعادة فرض العقوبات من جديد.
الأثر النفسي للعقوبات

وعن مدى تأثير العقوبات الأممية على الوضع في إيران، أشار د. نافعة إلى أن الأثر النفسي في تقديره الشخصي أكبر بكثير من التأثير المادي، لأن إعادة تفعيل العقوبات يعطي انطباعا لكل الأطراف على المسرح الدولي أن كل الدول ملزمة الآن بفرض العقوبات ضد إيران، وبالتالي كان لها تأثير مباشر على العملة الإيرانية التي انخفضت بشكل واضح وملموس خلال اليومين الماضيين، وبالتالي لا يجب التقليل من تأثير هذه العقوبات على الوضع الاقتصادي الإيراني، وهو ما تأخذه إيران في عين الاعتبار.
تركيع إيران

لكن وفقا لـ د.نافعة، بما أن إيران تدرك جيدا أن المطلوب منها أكبر بكثير مما تستطيع أن تعطيه، لأن المطلوب هو تركيع إيران تماما، يعني حرمانها من أن يكون لديها المعرفة النووية، وأيضا حرمانها من تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها أيا كانت نسبة أو درجة تخصيب اليورانيوم، مطلوب منها أيضا إن هي رضخت للمطالب المتعلقة بالمسائل النووية، سينتقم الطرفان الأمريكي والأوروبي، لأن الطرف الأوروبي لا يتحرك من تلقاء نفسه، ولكن بتنسيق كامل مع الولايات المتحدة ومع إسرائيل، وبالتالي ستمارس ضغوطا أكثر على البرنامج الصاروخي، وعلى برنامج المسيرات، وبالتالي سيستمر الحصار إلى حد أن يتواصل الضغط، والهدف النهائي في رأيي هو إسقاط النظام الإيراني.
هل تكتب العقوبات النهاية للدبلوماسية؟

أوضح د. نافعة، في تقديره، أن إيران لن ترضخ، لكنها لن تغلق باب المفاوضات، وبالتالي ستحاول استخدام روسيا والصين وكوريا الشمالية وحلفائها على المسرح الدولي؛ أولا لتجنب آثار العقوبات حتى لا يكون تأثيرها خطيرا لا تستطيع أن تتحمله، كما ستحاول الانفتاح أكثر على الأطراف الإقليمية، وبالذات على السعودية ومصر التي بدأت علاقتها بها تتحسن إلى حد كبير، وأيضا قطر وسلطنة عمان إلى آخره، ستتقرب طهران منهم أكثر، تحاول إعادة ترتيب علاقتها مع الأطراف الإقليمية على الأقل، لكي لا تترك ثغرة تحاول منها الولايات المتحدة وإسرائيل استغلال سوء العلاقات مع جيرانها في المنطقة كما كان الوضع سابقا.
العلاقات مع دول الجوار

وعن العلاقات مع دول الخليج العربي والشرق الأوسط، قال د.حسن نافعة إن العلاقات بين إيران والدول الإقليمية ستشهد تحسنا، لأن من مصلحة طهران الانفتاح إلى أقصى درجة تستطيعها وبالذات مع المملكة العربية السعودية إلى آخره، لكن ينبغي أن ندرك أن تأثير الدول الإقليمية على القرار الأمريكي والقرار الإسرائيلي وحتى القرار الأوروبي محدود، إلا إذا اقتنعت الدول الإقليمية أن الموضوع يتحرك نحو مواجهة، وأنا شخصيا لا أستبعد أنه إذا فشلت المفاوضات وأظن أن باب المفاوضات مازال مفتوحا رغم تفعيل آلية “الزناد” وإعادة فرض العقوبات، أوروبا لم تغلق باب المفاوضات ومازالت تتحدث عن المفاوضات، إيران أيضا لم تغلق الباب، ولكنها لن تستسلم لكل المطالب.
المشكلة في حقيقة الأمر هي إسرائيل، وبالتالي يجب أن نربط بين ما يجري على الصعيد النووي مع ما يجري في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، هل سنتوصل إلى قرار وقف لإطلاق النار في المنطقة؟ إذا توصلنا إلى ذلك ربما يكون هذا بداية لتخفيف حدة التوتر وبالتالي قد تكون الحرب مستبعدة، لكنني لا أثق في إسرائيل على الإطلاق، إسرائيل ما تزال تعتقد أن إيران أعادت ترتيب صفوفها، وكذلك حزب الله الذي يعيد ترتيب صفوفه هو الآخر، وبالتالي إسرائيل لم تحقق الانتصار الكامل بعد ونتنياهو يصر على تحقيق هذا الانتصار الكامل.
هل تشتعل الحرب من جديد؟
وأكد د. حسن نافعة، خلال حديثه، أنه يجب أن لا نستبعد بالمطلق إمكانية اندلاع صراع مسلح مرة أخرى، لكن إذا نجحت خطة ترامب المكونة من 21 نقطة، ومازلنا ننتظر المفاوضات بين نتنياهو وترامب حاليا، أظن أن هذا قد يخفف من حدة الاحتقان، لكن مع ذلك ونحن رأينا كيف يتصرف رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو الذي قد يحاول التهدئة على الجبهة الفلسطينية بشكل مؤقت.
إسقاط النظام

لكنه يحاول التصعيد مع إيران إن شعر بأن هناك فرصة لتحقيق مزيد من الضغط أو لتحقيق مكاسب في مواجهة طهران، لا أستبعد أن يحاول نتنياهو توجيه ضربة مرة أخرى إلى إيران، وبالتالي الأوضاع لا تزال شديدة التعقيد مفتوحة على كافة الاحتمالات، لكن في تقديري أن إيران لن تستسلم للمطالب الإسرائيلية التي ستزيل الدور الإيراني تماما، بل هي تريد أن تصل إلى حد إسقاط هذا النظام، وطهران تدرك هذا جيدا.
جولة عسكرية قادمة
كما ستحاول طهران، وفقا للدكتور حسن نافعة، استخدام كل ما في جعبتها من علاقات استراتيجية بالصين وروسيا وكوريا الشمالية، بالإضافة إلى العلاقات الإقليمية وقدرتها الذاتية، وهي تستعد الآن، ولا تستبعد أن تكون هناك مرحلة عسكرية، ربما لا أستبعد ذلك بأن تكون هناك جولة عسكرية أخرى، لكن كل هذه الأمور مترابطة مع بعضها، وليس بالضرورة أن تحدث المواجهة العسكرية، لكنها ليست مستبعدة على الإطلاق.

