- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 391 Views
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتشابك المصالح بين القوى الكبرى في الشرق الأوسط، تتجه الأنظار إلى الدور الروسي المتنامي في الملف الإيراني، الذي أصبح أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات الدولية، فبينما تسعى موسكو إلى تعزيز حضورها كقوة وسيطة في المنطقة، تؤكد في الوقت نفسه متانة شراكتها مع طهران، واصفة إياها بالعلاقات الاستراتيجية رفيعة المستوى، ومع ذلك، يبقى التساؤل مطروحاً حول مدى عمق هذا الالتزام الروسي، وهل هو دعم مبدئي مبني على المصالح المشتركة، أم تحالف تكتيكي يراعي حسابات موسكو الدقيقة في توازناتها مع واشنطن وتل أبيب؟
فخلال مقابلة طويلة نشرها موقع خبر فوري الإيراني، السبت 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قال أليكسي يوريفيتش دادوف، السفير الروسي في طهران، إن الأخيرة تحتل موقعاً مهماً في السياسة الخارجية الروسية، حيث صرح: “تمثل إيران إحدى أهم الأولويات في السياسة الخارجية الروسية، إنها لاعب مستقل غير تابع على الساحة الدولية، وتؤدي دوراً مهماً في التطورات الإقليمية، كما تنشط في مسار تشكيل عالم متعدد الأقطاب، لذلك، وبالنظر إلى الطبيعة الاستراتيجية للعلاقات بين بلدينا، دعمت روسيا طلبات إيران للعضوية الكاملة في منظمة شنغهاي للتعاون، والانضمام إلى بريكس، والحصول على صفة مراقب في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، وتوقيع اتفاق منطقة تجارة حرة مع هذا الاتحاد”.

وتابع: “إن العلاقات بين البلدين علاقات استراتيجية بامتياز، ففي 17 يناير/كانون الثاني 2025 وقَّعت معاهدة الشراكة الشاملة الاستراتيجية بين إيران وروسيا من قِبل رئيسي البلدين في روسيا، وقد أصبحت هذه المعاهدة نافذة حديثاً، ورغم الظروف المختلفة والتغيرات الأخيرة في الساحة الدولية، يؤكد رئيسا البلدين تنفيذ هذه المعاهدة، والطابع الاستراتيجي للعلاقات ثابت، ولن تتغير سياسة البلدين”.
لن نتعاون مع إيران ضد طرف ثالث.. ومستعدون لنكون حلقة وصل
وخلال حديثه، أشار السفير الروسي إلى أن التعاون العسكري بين البلدين يسير بشكل جيد، مشيراً إلى أن ذلك التعاون لا يمكن استخدامه لتهديد طرف ثالث، حيث صرح: “إن مجال التعاون العسكري الدفاعي بين البلدين على درجة عالية من الأهمية، وقد خُصص بند مستقل للتعاون في معاهدة الشراكة الشاملة الاستراتيجية، يحدد جميع معايير التعاون، وبهذا الشأن أحب أن أكرر وأوضح أن هذا التعاون العسكري ينفذ وفق القوانين والمعاهدات الدولية، ولم يكن يوماً ولن يكون ضد مصالح بلد ثالث”، في إشارة منه إلى عدم نية روسيا استثمار التعاون العسكري ضد دول كالولايات المتحدة وإسرائيل.

وعن زيارة لاريجاني إلى موسكو ولقائه بوتين ورسالة المرشد إلى الأخير ومدى انعكاس ذلك على دور موسكو في التوسط بين واشنطن وطهران، قال: “نحن على اطلاع تام بمجريات المفاوضات غير المباشرة بين الجمهورية الإيرانية والولايات المتحدة، ولدينا الاستعداد الكامل للإسهام في تطبيع العلاقات بين البلدين، إذا لزم الأمر”.

لا نعترف بسناب باك ولا نقبل القيود الناتجة عنها
وفيما يتعلق بحديث الساعة في إيران، صرح دادووف بأن موسكو لا تعترف بآلية العقوبات ضد إيران، سناب باك، فقال: “لا نعد آلية الزناد مفعلة من الأساس، ونرى أن جميع بنود قرار مجلس الأمن 2231، بما في ذلك القيود المنصوص عليها فيه، قد انتهت، وكل القيود الناجمة عن سناب باك غير مقبولة لدينا، وأؤكد استعدادنا لمواصلة التعاون مع إيران استناداً إلى بنود معاهدة الشراكة الشاملة”.
التعاون النووي يسير على نحو جيد جداً
وعن التعاون النووي وزيارة مدير هيئة الطاقة الذرية إلى موسكو، أكد داووف: “إن التعاون بين البلدين يسير على نحو جيد جداً، وزيارة السيد إسلامي في أواخر سبتمبر/أيلول كان هدفها الأساسي حضور أسبوع الطاقة النووية العالمي في موسكو، وجرى خلالها توقيع عدة وثائق مهمة، على رأسها مذكرة تفاهم لبناء محطة نووية صغيرة القدرة في إيران، واتفاق بين الشركات المتخصصة في البلدين لتطوير مشروع محطات طاقة نووية عالية القدرة، وتشمل مذكرات التفاهم مفاعلات صغيرة الحجم ومشروع محطات الطاقة النووية إيران هرمز، المكوَن من أربعة مفاعلات بقدرة 1250 ميغاواط، بقيمة تفوق 25 مليار دولار، بين شركتي «إيران هرمز» وREP الروسية”.

زيارة لافرينتييف إلى طهران وزيارة الجولاني إلى موسكو
حول العلاقات الإيرانية السورية ودور موسكو في ذلك، صرح: “زار ألكسندر لافرينتييف، المبعوث الخاص لرئيس روسيا لشؤون سوريا، طهران على رأس وفد، وعقد لقاءات مفيدة مع كبار المسؤولين الإيرانيين، وبينهم أمين المجلس الأعلى للأمن القومي ووزير الخارجية ونظيره الإيراني محمد رضا رؤوف شيباني، وكان موضوع سوريا محور المباحثات، أما زيارة أحمد الشرع إلى موسكو فكانت على مستوى جيد، وأكد أن الجانب السوري مستعد تماماً لتحسين وتطبيع العلاقات مع روسيا الاتحادية، ولدينا أولويات للتعاون في المجال الاقتصادي ومشاريع متعددة في سوريا نأمل أن تدخل قريباً حيز التنفيذ، كما لدى إيران مشاريع اقتصادية في سوريا، وآفاق التعاون واعدة جداً”.

وتابع بشأن الوساطة الروسية في الملف السوري: “آمل أن يكون لدى موسكو خطة لتطبيع العلاقات بين طهران ودمشق مرة أخرى، فالظروف الراهنة والواقعية متوفرة لتطبيع العلاقات بين سوريا وإيران، وعندما يرتقي هذا الأفق إلى مستوى عملي، ستتخذ روسيا بالتأكيد خطوات عملية للمساعدة في هذا المسار”.
بين التأكيد الروسي والقلق الإيراني
في خضم التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط واحتدام الجدل حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني، يبرز الموقف الروسي من طهران بوصفه أحد أكثر الملفات تعقيداً وتشابكاً في الساحة الدولية. فبينما تصر موسكو على إعلان دعمها السياسي لإيران في مواجهة الضغوط الغربية، يتزايد القلق داخل الأوساط الإيرانية بشأن مدى صدق هذا الدعم وحدوده، خصوصاً في الشق العسكري الذي ما زال يكتنفه الغموض فهل تقف روسيا حقاً إلى جانب إيران إذا تطور الصراع إلى مواجهة مفتوحة؟ أم أن حسابات الكرملين ستجعلها تفضل الحياد لتجنب الصدام مع إسرائيل والولايات المتحدة؟
من جهة، ومنذ تفجير الخلاف حول آلية الزناد وإعادة فرض العقوبات الأممية على إيران، أكدت روسيا مراراً رفضها لما تعتبره استفزازاً غربياً يهدد استقرار المنطقة، وتصريحات نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف كانت الأكثر وضوحاً، حين قال مؤخراً إن موسكو تقف يداً بيد وجنباً إلى جنب مع إيران، مديناً ما وصفه بالبلطجة السياسية الأمريكية والإسرائيلية في التعامل مع الملف النووي، ومؤكداً أن الحل الوحيد الممكن هو الطريق الدبلوماسي، وأن روسيا ستواصل دعم طهران سياسياً في المحافل الدولية، غير أن هذا الخطاب المساند، وإن بدا مطمئناً في ظاهره، لا يخفي خلفه حسابات استراتيجية دقيقة تحكم سلوك موسكو في بيئة إقليمية معقدة تتقاطع فيها المصالح بين إيران وإسرائيل وواشنطن.

الخبير الإيراني في العلاقات الدولية حسن بهشتي بور، في مقابلة مع موقع فرارو، لخص وجهة النظر الإيرانية المتخوفة تجاه موسكو، والتي ظهرت بوضوح بعد 12 يونيو/حزيران 2025، عندما قال: “إن روسيا تدعم إيران سياسياً، لكنها لا تريد أن تدخل في مواجهة مباشرة مع إسرائيل”، موضحاً أن موسكو، ورغم دفاعها العلني عن المواقف الإيرانية في مجلس الأمن وتصريحات لافروف وبوتين التي تنتقد الغرب، فإنها في الوقت ذاته تحرص على الإبقاء على قنواتها مفتوحة مع تل أبيب، وأضاف أن روسيا، التي تتبنى مقاربة واقعية في سياستها الخارجية، لن تقوم بخطوات تلحق الضرر بمصالحها، معتبراً أنه من الخطأ توقع أن تقدم موسكو مصالح طهران على مصالحها الوطنية.

ويضيف بهشتي بور أن روسيا، حتى وإن كانت قد زادت تعاونها العسكري مع إيران خلال الأشهر الماضية، ووقعت معها اتفاقية شراكة استراتيجية طويلة الأمد، إلا أنها لا تريد أن تورط نفسها في صراع مباشر ضد إسرائيل، فموسكو، بحسب رأيه، تنظر إلى تل أبيب بوصفها بوابة مؤثرة للتوازن في علاقتها مع الغرب، خصوصاً في ظل التنسيق الميداني بين الجيشين الروسي والإسرائيلي في الأجواء السورية، لذلك، فإن أي مواجهة عسكرية محتملة بين إيران وإسرائيل ستضع روسيا في مأزق دبلوماسي عسير لا ترغب فيه.
تصريحات بهشتي بور تكشف بوضوح عن التباين بين الخطاب الروسي الداعم والقلق الإيراني العميق من ازدواجية هذا الدعم. فإيران، التي تخوض حرب استنزاف اقتصادية ودبلوماسية منذ سنوات، كانت تراهن على أن تكون موسكو سندا استراتيجيا يوازن الضغط الأمريكي، خصوصاً بعد تصاعد التنسيق العسكري بين البلدين في سوريا.
لكن المراقبين يرون أن التحالف الروسي الإيراني تحالف تكتيكي أكثر منه استراتيجياً، وذلك على عكس تصريحات السفير الروسي سالفة الذكر، تحكمه ضرورات اللحظة أكثر مما تربطه التزامات دفاع مشترك، فروسيا، التي تواجه عزلة غربية بسبب حربها في أوكرانيا، تحتاج إلى إيران كممرّ استراتيجي في الشرق الأوسط، كما تحتاج إلى التعاون الاقتصادي والعسكري معها لتجاوز العقوبات، غير أن هذا لا يعني، بحسب الخبراء، أنها مستعدة لخوض حرب لأجل طهران.

