زيارة باريس… هل تعيد الدبلوماسية الإيرانية-الأوروبية إلى مسارها؟

تشهد الساحة الدولية اليوم حالة من الاضطراب المتصاعد نتيجة تداخل الأزمات السياسية والأمنية وتغير موازين القوى بين الدول الكبرى والإقليمية، وفي ظل هذا المشهد المتقلب، تطرح الدبلوماسية مجددا كأداة ضرورية لإدارة الخلافات وتقليل مخاطر التصعيد، رغم ما يعتريها من تحدّيات مرتبطة بانعدام الثقة وتعارض المصالح. وبين محاولات الحفاظ على التوازن، والبحث عن قنوات حوار جديدة، تتحرك بعض الدول بخطوات محسوبة لتفادي الدخول في مواجهة مفتوحة، ومن بين هذه التحركات ما ظهر مؤخرا في المبادرات الدبلوماسية التي برزت في المنطقة، والتي تحمل دلالات تتجاوز حدود التفاعلات الثنائية.

زيارة عباس عراقجي إلى باريس.. نحو رؤية أوسع

تأتي زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى باريس، الأربعاء 26 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 في سياق دبلوماسي بالغ التعقيد، يدخل في إطار تحركات حذرة تهدف إلى منع الانزلاق نحو قطيعة كاملة بين طهران والعواصم الأوروبية، ورغم أن العلاقات بين إيران وأوروبا شهدت خلال الأشهر الأخيرة واحدة من أدنى مستوياتها منذ عقد، فإن هذه الزيارة تشكل، حسب التحليلات الإيرانية، محاولة أولية لتقييم جدوى فتح قنوات اتصال جديدة ولو بشكل محدود.

Image

وقد جاءت الزيارة بعد فترة شهدت تصاعدا في التوترات، خصوصا عقب تفعيل آلية سناب باك، آلية العقوبات الأوروبية ضد إيران، التي أدت إلى إعادة فرض العقوبات الأوروبية والأمريكية، إلى جانب قرارات جديدة صادرة عن مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعد  تقارير أمينها العام رفائيل جروسي، هذه التطورات خلقت مناخا من انعدام الثقة، ودفعت إلى تجميد شبه كامل لمسار التفاوض، ومن هذا المنطلق، بدت باريس راغبة في اختبار إمكانية تخفيف التوتر وفتح ثغرة صغيرة في الجدار السياسي القائم، ولو على مستوى المشاورات الدبلوماسية الأولية.

هذا وتحمل زيارة عراقجي لباريس عدة رسائل قرأتها الصحف الإيرانية، فهي من جهة تعبر عن استعداد طهران لاستطلاع فرص إعادة التواصل، دون أن يشكل ذلك تحولا جذريا في سياستها، ومن جهة أخرى، تمثل محاولة فرنسية لاستعادة جزء من الدور الذي فقدته أوروبا في الملف النووي الإيراني خلال الأشهر الماضية، فبعد آلية الزناد، تراجعت مكانة الأوروبيين كوسطاء محايدين من وجهة نظر طهران، ما جعل العودة إلى الحوار عبر باريس خطوة غير مألوفة لكنها ليست مستحيلة، خاصة إذا كانت توافق قراءة جديدة في طهران لطبيعة المرحلة.

وتستمر التحليلات الإيرانية في افتراض أن فرنسا تدرك أن غيابها عن هذا الملف سيعني تركه بالكامل في يد القوى الإقليمية والولايات المتحدة، خصوصا في ظل الحديث المتزايد عن احتمال لعب السعودية دور الوسيط بين طهران وواشنطن، ومن هذا المنطلق، تسعى باريس إلى لعب دور صمام الأمان، الذي يتيح لها البقاء على مقربة من مسار التفاهمات المحتملة، إلا أن نجاحها في ذلك يعتمد على قدرتها على تقديم إشارات جدية إلى طهران بأن الحوار مع أوروبا لا يزال ممكنا خارج دائرة الضغوط القصوى.

ويظهر من السياق السياسي العام أن الزيارة ليست مفاوضات مباشرة ولا بداية لمسار رسمي، بقدر ما هي محاولة لاستكشاف المجال المتاح للتحرّك الدبلوماسي، فطهران ما تزال تنظر بعين الريبة إلى المواقف الأوروبية بعد تفعيل الآلية العقابية، وتعتبر أن الثقة لن تستعاد إلا عبر خطوات ملموسة تظهر التزام أوروبا بمسار تفاوضي واقعي، ومن جهة أخرى، فإن باريس بدورها تبحث عن تقليل التوتر ومنع انهيار كامل في العلاقة، في ظل إدراكها بأن مسار الضغط لن يفضي إلى نتائج سياسية مستقرة.

كما تشير الزيارة إلى سعي إيران للحصول على قراءة واضحة لنوايا الأوروبيين بعد التطورات الأخيرة، فطهران تدرك أن استمرار القطيعة سيقود إلى انغلاق سياسي قد يمنع لاحقا أي تفاهم مع الغرب، فيما أن فتح قناة اتصال محدودة مع أوروبا قد يمنحها هامشا إضافيا للمناورة الدبلوماسية، وخاصة إذا تحركت الوساطات الإقليمية مثل مسار الرياض ومسقط في اتجاهات جديدة، ولهذا تبدو زيارة باريس جزءا من محاولة أوسع لمنع انغلاق المسارات الدبلوماسية بالكامل، دون تقديم تنازلات تتعارض مع أولويات الأمن القومي الإيراني.

Image

كذلك، فتتضمن زيارة عراقجي أيضا جانبا يتعلق بإدارة الملفات الحساسة المرتبطة بالوكالة الدولية للطاقة الذرية، فبعد توقف بعض أنشطة الرقابة الدولية بسبب التصعيد الأخير، تسعى باريس إلى اختبار إمكانية الوصول إلى تفاهمات مبدئية تمنع المزيد من التصعيد، إلا أن طهران تكرر بأن أي تعاون إضافي مع الوكالة مشروط بتراجع الأوروبيين عن الخطوات العقابية التي اتخذوها خلال الأشهر الماضية، ما يجعل الحوار معقدا لكنه غير مستحيل.

وينظر إلى زيارة باريس باعتبارها نافذة نصف مفتوحة، كما دعتها صحيفة شرق الإيرانية، قد تتيح استكشاف خيارات جديدة، دون أن تشكل التزاما سياسيا نهائيا من أي طرف، ومن المتوقع أن تبنى الخطوات اللاحقة، إن حدثت، على نتائج هذا الاختبار الأولي، وعلى مدى استعداد فرنسا للقيام بدور أكثر توازنا في المرحلة المقبلة، وحتى ذلك الحين، تبقى الزيارة خطوة صغيرة لكنها لافتة في مسار مشحون لا تزال ملامحه غير واضحة بالكامل.

وحول القراءات لزيارة عراقجي، قال الخبير السياسي، عبد الرضا فرجي ‌راد في حديث لصحيفة اعتماد، الخميس 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، إن زيارة عراقجي إلى باريس يمكن تفسيرها أساسا في سياقين، الأول هو سعي فرنسا للإفراج عن اثنين من مواطنيها المعتقلين في إيران، ومحاولة باريس استعادة دورها في الملف النووي بعد استبعادها من مسار الاتفاق نتيجة تفعيل آلية الزناد، وأكد أن باريس قلقة من تحول التوتر الإيراني الأميركي إلى صراع إقليمي واسع يضر مباشرة بمصالح أوروبا.

وأضاف أن فرنسا، بعد فشل وساطتها في نيويورك خلال زيارة الرئيس الإيراني، تريد إعادة اختبار دورها كوسيط بين طهران وواشنطن، أملا في صياغة خطة قد تطرحها الولايات المتحدة لاحقا لاستئناف المفاوضات، ورغم تمسكها بسياسة صفر تخصيب، يرى فرجي ‌راد أن باريس قد تقبل بتجميد مؤقت مقابل بدء مفاوضات.

كما أشار إلى أن فرنسا لا تريد الابتعاد عن مسار المشاورات، خصوصا أن أي اتفاق أميركي إيراني قد يهدد استثماراتها الكبيرة في النفط والسيارات وغيرها، وترى باريس أن غيابها سيجعلها خارج اللعبة حين تبدأ أي مفاوضات بين طهران وواشنطن، موضحا أن الزيارة ستركز أيضا على أزمة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بعد توقف عمليات التفتيش، وأن إيران ستربط أي تعاون بتراجع أوروبي عن تبعات العقوبات، ورغم الصعوبات، يرى احتمالا لتفاهم مؤقت يجمد التخصيب مقابل تخفيف العقوبات وعودة المفتشين.

ويتوقع فرجي راد أن يقود الحوار إلى خارطة طريق غير رسمية بين طهران وباريس تشمل إدارة الملف النووي، وتقليل التوتر في أوكرانيا، وفتح قنوات اقتصادية، كما أشار إلى أن فرنسا تملك الورقة الذهبية كوسيط محتمل بين إيران وأميركا في ظل حاجة الجميع لتفادي المواجهة.

تصريحات لاريجاني وأثرها في تحديد مقاربة إيران التفاوضية

بالتوازي مع التحرك الدبلوماسي المتمثل في زيارة باريس، جاءت تصريحات علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، لتقدّم رؤية أكثر وضوحا للمقاربة الإيرانية تجاه المفاوضات في المرحلة المقبلة، فقد شدد لاريجاني في عدة مناسبات، أخرها خلال زيارته إلى اسلام اباد، على أن إيران لا ترفض الحوار، لكنها ترفض ما يسميه المفاوضات المصطنعة التي تحدد نتائجها سلفا قبل أن تبدأ، هذه العبارة تحمل بحد ذاتها إشارات مهمة إلى طبيعة التحولات التي تشهدها السياسة الإيرانية بعد التطورات العسكرية والسياسية الأخيرة.

Image

ويؤكد لاريجاني أن إيران لم ولن تتخلى عن المفاوضات الحقيقية، موضحا أن الحوار يبقى جزءا أساسيا من سياسة البلاد الخارجية، لكنه لا يمكن أن يكون مفروضا أو قائما على الإملاء، كما يشير هذا الموقف إلى إدراك طهران أن المسار الدبلوماسي لا يزال ضرورة في التعامل مع الدول الكبرى، لكنه في الوقت ذاته مشروط بتغيير سلوك الأطراف الأخرى تجاه عملية التفاوض، وهذا الشرط يرتبط مباشرة بانعدام الثقة الذي تسببت به التجارب السابقة، خاصة بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وعودة العقوبات.

Image

كما شدد خطاب لاريجاني خلال الفترة الماضية على أن إيران لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، لكنها ستواصل تطوير برنامجها النووي السلمي بشكل جدي، هذا التأكيد يشكل أحد الأعمدة الرئيسية لأي مفاوضات محتملة، إذ إن طهران تربط التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشرط تخفيف الضغوط والعقوبات، وليس بقبول التزامات إضافية خارج إطار الاتفاقات القانونية.

وبالنسبة للمفاوضات مع الولايات المتحدة، يرى لاريجاني أن واشنطن تحاول إقناع نفسها بأنها مركز كل تحول عالمي، معتبرا ذلك خداعا للذات ويشير إلى أن أي مفاوضات يجب أن تكون قائمة على أسس واقعية، وليس على تصور أحادي الجانب كما تطرح إدارة ترامب، ورغم نبرة الانتقاد، فيفهم من تصريحاته أن طهران لا تغلق الباب أمام التفاوض، لكنها تريد إطارا جديدا يضمن عدم تكرار التجارب السابقة التي انتهت بتصعيد وعقوبات.

Image

ومن خلال هذه التصريحات، يمكن القول إن لاريجاني يسعى إلى رسم معالم واضحة لمرحلة ما بعد الحرب وما بعد التصعيد الأوروبي–الأمريكي، في محاولة لفرض رؤية إيرانية جديدة للحوار. رؤية تعطي الأولوية للسيادة والأمن الوطني من جهة، وللعودة إلى الدبلوماسية الحذرة من جهة أخرى. وهذا التوازن بين الثبات في المواقف والانفتاح المشروط يعبّر عن مقاربة أكثر هدوء وواقعية مما كان عليه الوضع قبل أشهر قليلة.

مسار معقد ونافذة مفتوحة بحذر

في المحصلة، تشكل زيارة عباس عراقجي إلى باريس وتصريحات علي لاريجاني تطورين مهمين يعكسان رغبة ضمنية لدى طهران في تجنب الانغلاق الكامل، مع الحفاظ على ثوابتها الاستراتيجي، وبينهما تتضح ملامح مقاربة إيرانية تقوم على الانفتاح المدروس، واستطلاع فرص التهدئة، دون تقديم تنازلات تتعارض مع أولويات الأمن القومي.

وفي ظل البيئة الدولية المتحركة، سيبقى نجاح أي مسار تفاوضي مرهونا بقدرة الأطراف على تعديل مواقفها وتخفيف شروطها المسبقة، ورغم أن الطريق لا يزال طويلا، فإن وجود النافذة النصف مفتوحة، كما تعكسه زيارة باريس وتصريحات لاريجاني، قد يكون مؤشرا على بداية مرحلة جديدة من إعادة تقييم الخيارات السياسية والدبلوماسية بين إيران والغرب، ولو بخطوات صغيرة وتدرج محسوب.

كلمات مفتاحية: