- زاد إيران - المحرر
- 7 Views
لم تعد التحركات الإيرانية تجاه موسكو مجرد اتصالات دبلوماسية تفرضها تطورات المنطقة، بل باتت تتصل بملفات تتداخل فيها حسابات الأمن والسياسة والاقتصاد، في وقت تواجه فيه طهران ضغوطًا أمريكية متصاعدة وتسعى إلى ترتيب علاقاتها الخارجية في مرحلة ما بعد الحرب. وفي هذا الإطار، اكتسبت زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني إلى الكرملين أهمية خاصة، ليس فقط بسبب الرسالة التي حملها من المرشد الأعلى إلى الرئيس الروسي، وإنما أيضًا لما تضمنته مباحثاته من ملفات تتعلق بالأمن الإقليمي وشروط التفاوض مع واشنطن، والتعاون العسكري، ومشروعات الطاقة، والنقل.
رسالة المرشد إلى بوتين.. زيارة تتجاوز اللقاء الدبلوماسي المعتاد
ففي الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني 2026، زار اللواء محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، العاصمة الروسية موسكو، والتقى الرئيس فلاديمير بوتين في قصر الكرملين، في اجتماع استمر نحو ثلاث ساعات، بحسب ما أوردته وسائل الإعلام الإيرانية. وحمل رضائي خلال الزيارة رسالة خطية من المرشد الأعلى، مجتبى خامنئي، إلى الرئيس الروسي، في تحرك عكس أهمية التواصل بين قيادتي البلدين في المرحلة الجديدة.

وأوضح على باقري، نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، أن الرسالة تضمنت العناصر التي تراها طهران ضرورية للتعاون الثنائي بين البلدين، إلى جانب رسمها آفاق العلاقات والتفاعلات بين البلدين، بما يتيح للجانب الروسي فهمًا أوضح لطبيعة التعاون مع إيران في عهد قيادة مجتبى خامنئي. وبحسب ما نقلته صحيفة “اعتماد” الإيرانية، فإن الرسالة لم تكن مجرد وسيلة لنقل تحيات أو تأكيد استمرار العلاقات، بل تناولت التوجهات العامة للتعاون السياسي والدفاعي والاقتصادي بين الطرفين.

من جانبه، استقبل بوتين الرسالة ناقلًا تحياته إلى المرشد الأعلى، ومؤكدًا أهمية دور طهران ومكانتها في استقرار الشرق الأوسط وغرب آسيا. كما حضر اللقاء عدد من المسؤولين الروس، من بينهم يوري أوشاكوف، مساعد الرئيس الروسي لشؤون السياسة الخارجية، والجنرال إيغور كوستيوكوف، رئيس الاستخبارات العسكرية الروسية، وهو ما أبرز الأبعاد الأمنية للمباحثات.
هذا ولم تأت الزيارة بمعزل عن اتصالات سابقة بين الجانبين، إذ أجرى رضائي اتصالًا هاتفيًا ببوتين، الإثنين 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 2026، أعرب خلاله عن تقديره للمواقف الروسية الداعمة لإيران، وإشادة المسؤولين الروس بصمود الشعب الإيراني، مؤكدًا أهمية استمرار التعاون الاستراتيجي بين البلدين. كما جاءت الزيارة في سياق سلسلة من اللقاءات والاتصالات بين الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، و نظيره الروسي شملت موسكو وعشق آباد وبيشكيك.

وفي تصريحاته عقب اللقاء، قال رضائي إنه بحث مع بوتين القضايا الإقليمية المهمة، والتطورات المرتبطة بمرحلة ما بعد الحرب، ولا سيما الترتيبات الأمنية للمنطقة. وأشار إلى أنه قدم للرئيس الروسي تقريرًا عن الاجتماع الرباعي الذي استضافته طهران بمشاركة إيران وباكستان والسعودية وتركيا، وهو ما فتح المجال أمام بحث تصور البلدين لمستقبل الأمن الإقليمي، إلى جانب الملفات الثنائية الأخرى.

الأمن الإقليمي وموقف موسكو من الحرب.. تقارب في مواجهة التدخل الخارجي
احتلت الترتيبات الأمنية في مرحلة ما بعد الحرب جانبًا أساسيًا من مباحثات رضائي وبوتين، في ظل توجه إيراني نحو بناء آلية أمنية إقليمية لا تعتمد على وجود القوى الأجنبية أو تدخلها في شؤون المنطقة. ووفقًا لما نقله رضائي، فقد عرض على الرئيس الروسي نتائج الاجتماع الرباعي الذي جمع إيران وباكستان والسعودية وتركيا في طهران، موضحًا طبيعة المبادرة التي تستهدف تعزيز مسؤولية دول المنطقة عن أمنها.

وقال رضائي إن بوتين رحب بانعقاد الاجتماع، وأكد أن روسيا، مثل الصين، ترى ضرورة وجود ترتيبات أمنية إقليمية، وألا تتدخل الدول الأجنبية في أمن المنطقة. ويعكس هذا الموقف تقاربًا بين الرؤية الإيرانية والروسية بشأن مستقبل الترتيبات الأمنية في الخليج العربي وغرب آسيا، ولا سيما فيما يتعلق بدور القوى الخارجية في إدارة الأزمات الإقليمية.
وبحسب ما أوردته صحيفة “إيران” فلم تقتصر المباحثات على التصورات المستقبلية للأمن، بل تناولت أيضًا موقف موسكو من الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، فقد صرح رضائي إن بوتين أدان بوضوح الهجوم العسكري المشترك على بلاده، وكذلك قصف المنشآت النووية، ووصف الحرب بأنها ظالمة ومزعزعة للاستقرار، مؤكدًا ضرورة إنهائها في أسرع وقت. كما أبدى الرئيس الروسي استعداد بلاده لاستخدام إمكاناتها الدبلوماسية ونفوذها الدولي للمساعدة في وقف الحرب.

وتطرق اللقاء كذلك إلى استمرار حالة “لا حرب ولا سلام” التي تعيشها إيران، إذ نقلت وسائل الإعلام عن بوتين تحذيره من إطالة أمد هذه الحالة، معتبرًا أن إنهاءها سريعًا يصب في مصلحة إيران. وقد تناولت صحيفة “ارمان امروز” هذا الموقف في سياق النقاش بشأن الترتيبات الأمنية المقبلة، فيما أشار رضائي إلى أن الوفد الإيراني عرض رؤيته بشأن الحفاظ على المكاسب التي تحققت خلال المواجهة.
وتندرج هذه المباحثات ضمن مساعي طهران لتوسيع علاقاتها المؤسسية مع الأطراف الإقليمية والدولية، وفق ما صرح به الباحث في الشئون الدولية، سيد مهدي طالبي، في صحيفة “فرهيختجان”، حيث لفت طالبي إلى أن قبول إيران اقتراح باكستان عقد اجتماع رباعي مع السعودية وتركيا يمثل خطوة في اتجاه بناء علاقات خارجية أكثر انتظامًا، كما أشار إلى أن متابعة العلاقات مع روسيا تأتي ضمن هذا المسار، في ظل وجود أطر تعاون تجمع البلدين، مثل منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، فضلًا عن الروابط العلمية والجامعية والثقافية بينهما.

الشروط السبعة.. طهران تربط المفاوضات بتسوية ملفات الحرب والحصار
لم تكن المباحثات في الكرملين مقتصرة على التعاون مع روسيا، بل حمل رضائي إلى بوتين موقف طهران من أي مسار تفاوضي محتمل مع الولايات المتحدة، حيث أكد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي أن إيران أبلغت واشنطن سبعة شروط أساسية، وأنها لن تتخذ خطوات باتجاه استئناف المفاوضات أو إعادة الأوضاع إلى طبيعتها في مضيق هرمز قبل تنفيذ هذه الشروط.
وقال رضائي، وفق ما نقلته “فرهيختجان” ووسائل إعلام إيرانية أخرى، إن الردود الغربية على المطالب الإيرانية لم تكن مقنعة، وإن طهران لن تقبل إجابات مبهمة أو غير كافية، مضيفة أن إيران لن تفتح مضيق هرمز، ولن تدخل في مفاوضات مباشرة، ما لم تستجب الولايات المتحدة عمليًا للشروط السبعة وتعالج الأضرار والحقوق التي تطالب بها طهران.
ومن أبرز تلك الشروط رفض إيران نقل المواد النووية المخصبة إلى خارج البلاد، ورفض عقد لقاء مباشر مع الوفد الأمريكي في ظل تعرضها لهجمات خلال فترات التفاوض، وما تصفه بانسحاب واشنطن من تفاهمات سابقة في إسلام آباد وسويسرا. كما تتمسك طهران بتسوية الملفات الأخرى قبل الانتقال إلى بحث القضية النووية، وتربط التقدم في المفاوضات بإنهاء الحرب، ومعالجة مسألة الحصار البحري، وتسوية القضايا الاقتصادية، إلى جانب استعادة حقوقها وتعويضها عن الأضرار.

وفي هذا السياق، أشار طالبي إلى أن إيران لا ترى أن الملف النووي ينبغي أن يكون أول موضوعات التفاوض، بل تعتبر أن مناقشته تأتي بعد تسوية بقية الملفات. وأضاف أن أي تقدم في المحادثات النووية أو تنفيذ نتائجها يظل مرتبطًا بحل القضايا الأخرى، بما فيها الحرب والحصار البحري والمسائل الاقتصادية، موضحًا أن طهران درست المقترحات الروسية المتعلقة بالملف النووي والمفاوضات، والتي قدمتها موسكو في إطار علاقاتها مع واشنطن ورغبتها في أداء دور الوسيط، لكنها لم ترَ أنها تتوافق مع مصالحها الوطنية.
وبذلك، يرى محللون أن الرسالة التي نقلها رضائي إلى بوتين بشأن المفاوضات لم تكن إعلانًا عن استعداد إيراني للعودة الفورية إلى الحوار، وإنما تأكيدًا أن أي مسار دبلوماسي يجب أن يبدأ من تنفيذ المطالب التي أعلنتها طهران.
التعاون العسكري ومشروعات الطاقة والنقل.. ملفات الشراكة العملية
إلى جانب الرسائل السياسية والمباحثات الأمنية، برز التعاون العسكري بوصفه أحد الملفات المهمة في العلاقات الإيرانية الروسية، خصوصًا بعد الهجمات الأمريكية والإسرائيلية التي أضعفت الدفاعات الجوية الإيرانية وكشفت صعوبات حماية المجال الجوي والمنشآت النووية وكبار القادة العسكريين. وفي هذا السياق، تحدثت صحيفة ” اطلاعات” نقلًا عن صحيفة “التلجراف” البريطانية، عن مفاوضات بين طهران وموسكو بشأن إبرام اتفاق لإرسال منظومات دفاع جوي متطورة إلى إيران، من بينها منظومة “إس-400” التي تسعى طهران للحصول عليها منذ سنوات.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول إيراني رفيع المستوى أن بلاده كانت متفائلة بإمكانية موافقة بوتين على تسليم هذه المنظومات، مشيرة إلى أن رسالة المرشد التي حملها رضائي تضمنت طلبًا بهذا الشأن. في الوقت نفسه، أشار التقرير إلى أن موسكو سبق أن أجلت صفقات مماثلة، بسبب مخاوف من الإضرار بعلاقاتها مع إسرائيل ودول المنطقة، فضلًا عن الضغوط التي تتعرض لها دفاعاتها الجوية نتيجة الهجمات الأوكرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة على مصافي النفط والقواعد الجوية ومواقع أخرى.
كما كشفت “تلجراف” عن وثائق تتعلق بتصنيع معدات متخصصة لإطلاق الصواريخ من المروحيات لصالح إيران، بموجب عقد تصدير روسي أُدرج تحت الرمز ” K-10″وقالت إن إحدى الوثائق تشير إلى أن هذا الرمز مخصص لإيران. ووضعت الصحيفة هذه التحركات في سياق مساعي طهران لتعزيز قدراتها الدفاعية وتوسيع علاقاتها العسكرية مع موسكو، وهي مساعٍ قالت إن وثائق إيرانية داخلية سبقت الحرب كانت قد أوصت بها، مع التركيز على تطوير الدفاعات الجوية والصواريخ والطائرات المسيّرة.

أما على المستوى الاقتصادي، فقد أعلن رضائي أن المجلس الأعلى للأمن القومي وافق على العقد التنفيذي لإنشاء خط السكك الحديدية بين رشت وآستارا بمشاركة الجانب الروسي، على أن يوقع وزير الطرق والتنمية الحضرية الإيراني الاتفاق قريبًا. ويكتسب المشروع أهمية في إطار استكمال ممر الشمال الجنوب، الذي يمثل أحد مسارات النقل والتجارة بين روسيا وإيران والأسواق الإقليمية.
كذلك بحث الجانبان إنشاء خط أنابيب لنقل الغاز الروسي إلى إيران، بهدف معالجة النقص الموسمي في إمدادات الغاز اللازمة للصناعة والاستهلاك المنزلي، وإتاحة المجال أمام طهران لإعادة تصدير الغاز الروسي إلى الدول المجاورة. ووفقًا لما أوردته صحيفة “سازندجي” فإن المشروع قد يعزز موقع إيران بوصفها مركزًا إقليميًا للطاقة، فيما أشار التقرير إلى أن تنفيذه يتطلب توفير البنية التحتية الفنية والاستثمارات والاتفاقات التنفيذية اللازمة.

في ضوء هذه الملفات، تبدو زيارة رضائي إلى موسكو محاولة إيرانية لوضع عدد من القضايا الاستراتيجية على طاولة الكرملين في توقيت بالغ الحساسية. فمن تأمين الدعم الروسي لتطوير القدرات الدفاعية، إلى تنسيق المواقف بشأن مستقبل الأمن الإقليمي وشروط التفاوض مع واشنطن، وصولًا إلى دفع مشروعات الغاز والنقل، سعت طهران إلى توسيع نطاق التعاون مع موسكو ليشمل احتياجاتها الأمنية ومصالحها الاقتصادية. وتبقى أهمية الزيارة مرتبطة بما ستسفر عنه هذه المباحثات من خطوات عملية، ومدى استعداد روسيا للاستجابة للمطالب الإيرانية وتحويل التفاهمات السياسية إلى تعاون ملموس.

