التضخم يلتهم الاقتصاد الإيراني.. الأسعار تقفز في الصناعة والتعدين والاستهلاك والإنتاج يتراجع

لم تعد التحديات الاقتصادية التي تواجه إيران تقتصر على تداعيات العقوبات أو تقلبات الأسواق، بل باتت تتشابك فيها عوامل داخلية وخارجية تزيد من تعقيد المشهد الإقتصادي. ففي الوقت الذي تتراجع فيه معدلات الإنتاج والاستثمار، تواجه الشركات صعوبات متزايدة في تأمين مستلزمات الإنتاج والطاقة، بينما تتقلص قدرة الأسر على مواكبة الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة. وفي ظل هذا التداخل بين ضغوط الإنتاج والاستهلاك، تبرز مؤشرات الأسعار بوصفها أحد أهم المفاتيح لفهم اتجاه الاقتصاد الإيراني وحجم الاختلالات التي يعانيها.

تضخم المستهلكين.. ثلاثة أرقام تكشف اتساع فجوة الغلاء

تبدأ قراءة المشهد الاقتصادي الإيراني من التمييز بين التضخم الذي تتحمله الأسر عند شراء احتياجاتها، والتضخم الذي تواجهه الشركات عند إنتاج السلع والخدمات. ففي بيانات العام 2025/2026. فقد أعلن مركز الإحصاء الإيراني أن معدل التضخم السنوي حتى مارس/ آذار 2026 بلغ 50.6%، بينما سجل البنك المركزي 48.3% للفترة نفسها تقريبًا، بفارق 2.3 نقطة مئوية بين المؤسستين، ذلك نتيجة اختلاف المنهجية والسكان الذين تشملهم الحسابات، إذ يعتمد البنك المركزي بيانات المناطق الحضرية، بينما يشمل مركز الإحصاء الأسر الحضرية والريفية.

Image

لكن هذين الرقمين لا يعكسان وحدهما حجم الزيادة التي شهدتها الأسعار خلال العام، فقد بلغ التضخم على أساس المقارنة بين مارس/ آذار 2026 ومارس/ آذار 2025 نحو 71.8% وفق مركز الإحصاء، مقابل تضخم شهري بلغ 5.6% في الفترة نفسها. يعني ذلك أن الأسعار ارتفعت خلال شهر واحد بنسبة 5.6%، بينما أصبح متوسط مستوى الأسعار أعلى بنحو 71.8% مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق. ويكشف التفاوت بين المؤشرات أهمية عدم الخلط بين التضخم الشهري والسنوي والتضخم على أساس المقارنة السنوية عند تقييم الأوضاع المعيشية.

وتزداد الضغوط وضوحًا عند تفكيك المؤشر بحسب مجموعات الاستهلاك؛ إذ بلغ التضخم السنوي للأغذية والمشروبات والتبغ 68.2%، مقابل 41.8% للسلع غير الغذائية والخدمات. كما ارتفعت أسعار الأغذية والمشروبات خلال مارس/ آذار 2026 وحده بنسبة 8.6%، مقارنة بـ 3.5% للسلع غير الغذائية والخدمات. ويعني هذا الفارق أن العبء الأكبر من موجة الغلاء وقع على الاحتياجات الأساسية، التي يصعب على الأسر الاستغناء عنها أو تقليص استهلاكها بالقدر نفسه الذي يمكنها به تأجيل شراء السلع المعمرة.

وتقدم بيانات البنك المركزي تفاصيل إضافية عن التوزيع القطاعي للزيادة الشهرية في الأسعار خلال مارس/ آذار 2026، فقد ارتفعت أسعار التبغ بنسبة 7.6%، والأغذية والمشروبات بنسبة 4.5%، والأثاث والأجهزة المنزلية بنسبة 4.4%، والملابس والأحذية بنسبة 2.8%. كما زادت أسعار النقل بنسبة 2.7%، والاتصالات بنسبة 2%، والمطاعم والفنادق بنسبة 1.8%، والسكن والمياه والكهرباء والغاز بنسبة 1.5%، والصحة والعلاج بنسبة 1.4%. وتوضح هذه الأرقام أن الغلاء لم يكن محصورًا في الغذاء، وإن كانت وتيرته أشد في هذا القطاع.

Image

أسعار المنتجين.. الأزمة تبدأ قبل وصول السلع إلى المستهلك

إذا كانت أرقام التضخم الاستهلاكي تعكس ما تدفعه الأسر، فإن مؤشرات أسعار المنتجين تكشف الضغوط التي تتعرض لها الشركات والمصانع قبل وصول منتجاتها إلى الأسواق. وهنا تبدو الصورة أكثر حدة؛ إذ سجل القطاع الصناعي خلال صيف 2026 تضخمًا على أساس سنوي بلغ 147.3%، وبلغ المعدل في التعدين 107.7%، بينما وصل في الخدمات إلى 67.5%.

وبلغ مؤشر أسعار المنتجين الصناعي 774.7 نقطة خلال صيف 2026، مرتفعًا بنسبة 28% مقارنة بالربيع، وبنسبة 147.3% مقارنة بصيف 2025، فيما بلغ التضخم السنوي 97.3%. ورغم تراجع التضخم الفصلي من 36.2% في الربيع إلى 28% في الصيف، فإن ذلك لا يعني انخفاض الأسعار؛ بل يعني أن وتيرة ارتفاعها أصبحت أبطأ. وباحتساب الزيادتين المتتاليتين، ارتفع مؤشر أسعار المنتجين الصناعي بنحو 74.3% خلال النصف الأول من 2026.

Image

وتكشف التفاصيل أن التضخم على أساس سنوي ارتفع في 22 نشاطًا من أصل 23 نشاطًا صناعيًا مقارنة بالربيع، كما ارتفع التضخم السنوي في الأنشطة الثلاثة والعشرين جميعها. وفي 22 نشاطًا، تجاوزت الأسعار ضعفي مستوياتها المسجلة في صيف 2025. وحتى الصناعات الغذائية، التي سجلت تراجعًا طفيفًا في التضخم على أساس سنوي من 137.6% إلى 137.2%، ظلت تواجه زيادة سعرية تتجاوز الضعف مقارنة بالعام السابق.

وتبرز صناعة تكرير النفط باعتبارها المحرك الأهم للزيادة الفصلية؛ إذ قفز التضخم الفصلي في صناعة فحم الكوك ومنتجات تكرير النفط من 13.1% في ربيع 2026 إلى 80.2% في الصيف، بينما ارتفع التضخم على أساس سنوي إلى 199.1%، والتضخم السنوي إلى 98.6%. وتكتسب هذه الزيادة أهمية إضافية لأن القطاع يستحوذ على 21.37% من وزن المؤشر الصناعي. وتشير حسابات صحيفة “جهان صنعت” إلى أن نحو 12 نقطة مئوية من الزيادة الفصلية البالغة 28% في المؤشر الصناعي جاءت من هذا القطاع، أي ما يقارب 43% من إجمالي الزيادة.

كما سجلت الصناعات الكيميائية تضخمًا على أساس سنوي بلغ 169.3%، والصناعات الغذائية 137.2%. وتستحوذ مجموعات تكرير النفط والصناعات الغذائية والمعادن الأساسية والمواد الكيميائية مجتمعة على 66.1% من وزن المؤشر الصناعي، وتفسر نحو ثلاثة أرباع الزيادة الفصلية في أسعار المنتجين. وفي المقابل، سجلت صناعة المشروبات أقل تضخم فصلي عند 10.8%، والصناعات الغذائية 13%، والمعادن الأساسية 18.2%، والمركبات الآلية 19.8%، والمنتجات الكيميائية 25.3%.

Image

أما في التعدين، فقد ارتفعت المؤشرات الثلاثة خلال صيف 2026، على خلاف الصناعة والخدمات؛ إذ بلغ التضخم الفصلي 25.4%، والتضخم على أساس سنوي 107.7%، والتضخم السنوي 77.4%. وارتفع المؤشر بنحو 48.2% خلال النصف الأول من العام. وتتركز هذه الزيادة بصورة أساسية في الخامات المعدنية التي تستحوذ على 90.29% من وزن مؤشر التعدين؛ إذ بلغ التضخم الفصلي فيها 26.9%، والتضخم على أساس سنوي 115.9%، والسنوي 82.1%. وأسهمت الخامات المعدنية بنحو 23.9 نقطة مئوية من التضخم الفصلي للتعدين، أي قرابة 94% من الزيادة الإجمالية.

وتكشف المقارنة بين التعدين والصناعة عن امتداد الضغوط السعرية عبر مراحل الإنتاج؛ فقد بلغ التضخم على أساس سنوي للخامات المعدنية 115.9%، مقابل 109.4% في صناعة المعادن الأساسية. وفي المقابل، سجل الفحم تضخمًا على أساس سنوي بلغ 74.5%، بينما ارتفع المؤشر في مجموعة المناجم الأخرى إلى 51.4%، رغم تراجع تضخمها الفصلي.

Image

أما الخدمات، فسجل مؤشر أسعار المنتجين فيها 632.6 نقطة خلال صيف 2026، بزيادة فصلية بلغت 16.4%، وتضخم على أساس سنوي قدره 67.5%، وتضخم سنوي بلغ 55.9%. وارتفع المؤشر بنحو 36.1% خلال النصف الأول من العام. وتستحوذ مجموعة النقل والتخزين على 31.8% من وزن مؤشر الخدمات، وسجلت تضخمًا فصليًا بلغ 20.4%، وعلى أساس سنوي 90.4%، وسنويًا 70.7%. وأسهمت بنحو 8.2 نقطة مئوية من التضخم الفصلي للخدمات، أي ما يقارب نصف الزيادة الإجمالية. كما تجاوز التضخم على أساس سنوي 104.8% في أنشطة الإقامة وتقديم الطعام، وبلغ 103.6% في إصلاح المركبات، فيما قفز التضخم الفصلي في الأنشطة الإدارية وخدمات الدعم إلى 45.2%، رغم أن وزنها لا يتجاوز 0.9%.

الركود يفاقم أزمة الأسعار ويضغط على الإنتاج والاستثمار

لا يمكن قراءة هذه الزيادات بمعزل عن تراجع النشاط الاقتصادي الحقيقي. فقد انخفض الناتج المحلي الإجمالي الإيراني خلال ربيع 2026 بنسبة 10.1% مع احتساب النفط، و4.6% من دونه. كما تراجعت القيمة المضافة للصناعة والتعدين بنسبة 14.7%، والخدمات بنسبة 8.4%، وانخفض تكوين رأس المال الثابت الإجمالي بنسبة 8.4%، مع تسجيل أنشطة الصناعة والتعدين والبناء والنفط والغاز معدلات نمو سلبية.

Image

وتعكس هذه المؤشرات مفارقة اقتصادية تتمثل في تراجع الإنتاج بالتزامن مع ارتفاع الأسعار. ويُرجع التقرير هذه الحالة إلى مجموعة من الضغوط، تشمل ارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الخام، وتقلبات سعر الصرف، وصعوبة تأمين التمويل، واضطرابات سلاسل الإمداد. فقد ارتفعت مدة توفير المواد الخام وقطع الغيار والسلع الوسيطة من شهر واحد إلى شهرين أو ثلاثة أشهر، فيما زادت تكاليف النقل بأكثر من ثلاثة أضعاف، وهو ما يطيل فترة تجميد رأس المال العامل لدى الشركات.

ويضاف إلى ذلك ضعف الطلب والركود، اللذان يمنعان المنتجين من تمرير الزيادات الكاملة في تكاليفهم إلى المستهلكين. وتعمل مصانع كثيرة دون طاقتها الإنتاجية الكاملة، بينما تتراكم بعض المنتجات في المخازن، خصوصًا السيراميك والأجهزة المنزلية المعمرة، مثل الثلاجات وأجهزة التلفزيون. كما تبرز مخاوف نقص الغاز والكهرباء خلال موسم البرد، بما قد يفرض قيودًا إضافية على الإنتاج. ويرى رئيس لجنة الصناعة بغرفة التجارة الإيرانية أن وتيرة زيادة الأسعار قد تصبح أكثر اعتدالًا خلال خريف 2026، بعد الزيادات الحادة في الصيف، لكنه لا يعتبر ذلك مؤشرًا على انتهاء مشكلات الإنتاج.

ديجي‌كالا…انعكاس الغلاء على الحياة اليومية

تقدم بيانات منصة “ديجي‌كالا”، أحد أكبر منصات التسوق الإلكتروني في إيران، زاوية أخرى للأزمة، من خلال تتبع أسعار السلع التي تشتريها الأسر. فقد أعلنت المنصة ارتفاع متوسط أسعار المنتجات المبيعة عبرها بنسبة 74%، بواقع 72% للسلع غير الغذائية و55% للسلع المبيعة في قسم السوبر ماركت. لكن هذه النسبة لا تمثل معدل التضخم العام، لأن ارتفاع حصة المنتجات غير الغذائية الأعلى سعرًا من إجمالي المبيعات يؤثر في المتوسط النهائي.

Image

تظهر أمثلة المنصة حجم التغير في النفقات اليومية؛ فقد ارتفعت تكلفة إفطار أسرة من أربعة أفراد من 3 ملايين و430 ألف ريال إيراني، نحو 1.28 دولار، إلى 5 ملايين و600 ألف ريال، نحو 2.10 دولار، وغداء الدجاج والأرز من 3 ملايين و190 ألف ريال، نحو 1.19 دولار، إلى 5 ملايين و530 ألف ريال، نحو 2.07 دولار، بينما قفزت تكلفة عشاء القرمة سبزي من 6 ملايين و320 ألف ريال، نحو 2.37 دولار، إلى 14 مليونًا و770 ألف ريال، نحو 5.53 دولار. وبذلك ارتفعت تكلفة الوجبات الثلاث من 12 مليونًا و940 ألف ريال، نحو 4.84 دولار، إلى 25 مليونًا و900 ألف ريال، نحو 9.69 دولار. 

كما زادت تكلفة المكرونة مع فول الصويا بنسبة 74%، ووجبة الأرز المستورد مع التونة بنسبة 139%. وسجل زيت القلي ارتفاعًا بلغ 305%، والزبدة النباتية 304%، ولحم الأبقار 204%، والدجاج والأرز الإيراني 172% لكل منهما. وامتدت الزيادات إلى المستلزمات المنزلية؛ فارتفع الشامبو 117%، ومعجون الأسنان 95%، والمناديل الورقية 92%، وصابون الاستحمام 72%.

وفي مستلزمات المدارس، ارتفع سعر الدفتر بنسبة 124%، والمقلمة 133%، بينما زادت أسعار الحقيبة المدرسية من 407 آلاف إلى 684 ألف تومان. وانعكست هذه التطورات على سلوك المستهلكين؛ إذ ارتفع البحث عن السلع الرخيصة بنسبة 44%، والخصومات 31%، والسلع المستعملة 51%. كما تراجعت الطلبات التي تتضمن منتجات بروتينية بنسبة 34%، وانخفضت الحصة النقدية للحوم من مشتريات البقالة بنسبة 20%.

Image

وامتد التراجع إلى الأجهزة الرقمية؛ فانخفض عدد الهواتف المبيعة بنسبة 21%، وأجهزة الكمبيوتر المحمولة بنسبة 13%، رغم ارتفاع القيمة النقدية للمبيعات بنسبة 35% و32% على التوالي. بينما تراجعت القيمة الدولارية للمبيعات بنسبة 13% للهواتف و19% لأجهزة الكمبيوتر. وتكشف هذه الأرقام أن ارتفاع قيمة المبيعات بالريال الإيراني لا يعني بالضرورة زيادة الطلب، بل قد يكون انعكاسًا لارتفاع الأسعار مع انكماش حجم المشتريات.

أزمة تتجاوز ارتفاع الأسعار إلى غياب الصورة الاقتصادية الكاملة

تكشف المؤشرات عن أزمة مركبة تجمع بين ارتفاع تضخم المستهلكين والمنتجين، وتراجع الإنتاج والاستثمار. وتزداد صعوبة تقييمها مع غياب مؤشر إجمالي لأسعار المنتجين في البيانات المنشورة، ومحدودية المعلومات النقدية والمصرفية المتاحة.

كما أن ارتفاع أسعار المنتجين لا يعكس بالضرورة حجم تكاليف الشركات أو أرباحها، إذ يتأثر انتقال الزيادات إلى المستهلكين بحجم الطلب والمنافسة وقدرة الشركات على استيعاب التكاليف.

وبذلك، لا تكفي معدلات التضخم البالغة 50.6% للمستهلكين و147.3% للمنتجين الصناعيين لفهم المشهد كاملًا، فاقترانها بانكماش الإنتاج وتراجع الاستثمار وارتفاع تكاليف المعيشة يكشف أزمة تمس قدرة الاقتصاد على الإنتاج، والأسر على الاستهلاك، والشركات على مواصلة نشاطها.