الانتخابات النصفية الأمريكية في عيون الصحافة الإيرانية.. هزيمة ترامب بين كلفة الحرب وحدود القوة الأمريكية

لم تكن نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، في نظر الصحف الإيرانية، مجرد جولة انتخابية خسر فيها الجمهوريون بعض مواقع النفوذ داخل الكونجرس، بقدر ما بدت اختبارًا سياسيًا دفع فيه دونالد ترامب ثمن الحرب التي اختار خوضها مع إيران. فالحرب التي أرادها استعراضًا للقوة ووسيلة لفرض الإرادة الأمريكية، عادت أصداؤها إلى الداخل الأمريكي، محملة بأعباء اقتصادية وضغوط سياسية انعكست على صناديق الاقتراع.

وبينما قرأت بعض الصحف في تراجع الجمهوريين ارتدادًا مباشرًا لكلفة الحرب على شعبية ترامب وحزبه، ذهبت أخرى أبعد من ذلك، معتبرة أن المواجهة كشفت عن قدرة إيران على نقل معركتها من الميدان العسكري إلى عمق الحسابات السياسية الأمريكية، وأن تأثير الصواريخ والردع لم يتوقف عند حدود ساحات القتال، بل امتد إلى الناخبين ومراكز صنع القرار في واشنطن.

الانتخابات استفتاء على حرب ترامب

ففي هذا الشأن، قدمت صحيفة “اعتماد”، في عددها الصادر الخميس 5 نوفمبر/ تشرين الثاني 2026 قراءة انتخابية وسياسية للنتائج، انطلاقًا من عنوان “لا أمريكا لترامب”، معتبرة أن ما جرى لم يكن مجرد خسارة للجمهوريين في سباق الكونجرس، وإنما تعبير عن رفض قطاعات من الناخبين الأمريكيين لنهج الرئيس وسياساته، وفي مقدمتها الحرب على إيران. وركزت الصحيفة على أن تداعيات الحرب لم تبقَ في إطار السياسة الخارجية، بل انتقلت إلى الحياة اليومية للأمريكيين، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة وتفاقم تكاليف المعيشة، وهو ما جعل إدارة ترامب وحزبه في مواجهة مباشرة مع الاستياء الشعبي.

Image

وربطت “اعتماد” بين النتائج الانتخابية وبين تراجع قدرة ترامب على تقديم نفسه بوصفه قائدًا قادرًا على حماية المصالح الأمريكية، فالحرب التي كان يفترض أن تعزز صورته في الداخل، تحولت إلى عبء على حزبه، بعدما أصبح الناخب يربط بين قرارات الإدارة الخارجية وبين الأعباء الاقتصادية التي يتحملها. كما اهتمت الصحيفة بالانعكاسات السياسية للنتائج على المرحلة المقبلة، ولا سيما ما يتعلق بتراجع هامش المناورة أمام ترامب، وصعود دور الديمقراطيين في مراقبة إدارته ومساءلتها.

وبذلك وضعت الصحيفة ثقلها على البعد الداخلي الأمريكي للانتخابات، فالمسألة، وفق قراءتها، لا تتعلق فقط بما حققته إيران في المواجهة، وإنما بكيفية انعكاس تلك المواجهة على علاقة الإدارة الأمريكية بالناخبين، وعلى قدرة الحزب الجمهوري على الاحتفاظ بقاعدته الانتخابية.

صندوق الاقتراع في مواجهة الحرب

أما صحيفة “شرق” الإصلاحية، فقد اختارت عنوانًا يلخص زاوية معالجتها، وهو “صندوق الاقتراع في مواجهة الحرب”، فانطلقت من أن نتائج الانتخابات تجاوزت التفسير التقليدي المتعلق بخسارة الحزب الحاكم في انتخابات التجديد النصفي، لتكشف عن أثر الحرب في تشكيل خيارات الناخبين. وركزت على أن الولاء لترامب لم يعد كافيًا لضمان الفوز، وأن المرشحين الجمهوريين الذين ارتبطوا به وبسياساته تحملوا جانبًا من كلفة الحرب، حتى عندما لم تكن المنافسة الانتخابية تدور حول السياسة الخارجية بصورة مباشرة.

Image

وتناولت الصحيفة كذلك حدود قدرة حركة “ماجا”، حركة لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا المناصرة للرئيس الأمريكي ترامب، على نقل أصوات أنصار ترامب إلى المرشحين الجمهوريين، فالتأييد الشخصي للرئيس لا يعني بالضرورة أن يتمكن كل مرشح يحظى بدعمه من الحصول على القاعدة الانتخابية نفسها. ومن هنا، رأت “شرق” أن النتائج كشفت عن فجوة بين نفوذ ترامب داخل حزبه وقدرته على تحويل هذا النفوذ إلى مكاسب انتخابية للمرشحين.

في جانب آخر، ربطت الصحيفة بين مسار المواجهة مع إيران وبين التحولات التي شهدتها السياسة الأمريكية، مستعرضة انتقال العلاقة من المفاوضات في جنيف إلى الهجوم العسكري، وما أعقبه من تداعيات. كما طرحت تساؤلات بشأن ما يمكن أن يغيره الكونجرس الجديد في مسار الحرب، ومدى قدرته على تقييد الإدارة أو ممارسة الرقابة عليها، وصولًا إلى احتمال استخدام إجراءات المساءلة والعزل بوصفها ضغطًا سياسيًا على ترامب. لكنها لم تتعامل مع خسارة الجمهوريين باعتبارها نهاية تلقائية للحرب، إذ أبقت احتمالات التصعيد أو العودة إلى التفاوض أو استمرار الوضع القائم ضمن السيناريوهات المطروحة.

حرب إيران تتحول إلى نقطة ضعف قاتلة لترامب

من جانبها، ركزت صحيفة “سازندگی” الإصلاحية على العلاقة المباشرة بين الحرب على إيران والمأزق الانتخابي الذي واجهه ترامب، وذهبت إلى أن الحرب التي أرادها الرئيس الأمريكي أداة لإظهار القوة وفرض الإرادة الأمريكية تحولت إلى نقطة ضعف سياسية تهدد موقعه داخل الولايات المتحدة. وفي تغطيتها، ربطت الصحيفة بين الخسائر التي تكبدها الجمهوريون وبين التداعيات الاقتصادية للمواجهة، معتبرة أن ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز جعلا الحرب قضية حاضرة في حياة الناخبين، لا مجرد حدث عسكري بعيد عنهم.

Image

وأبرزت الصحيفة أن تداعيات الحرب تجاوزت حدود المواجهة بين واشنطن وطهران، لتؤثر في حسابات الناخب الأمريكي وفي تقييمه لأداء الإدارة. كما اهتمت بالدلالة الرمزية لبعض النتائج، ومن بينها صعود شخصيات سياسية استطاعت توظيف خطاب معارض للحرب وللنفوذ الإسرائيلي في الولايات المتحدة. وفي هذا السياق، رأت أن خسارة ترامب لا تقتصر على تراجع عدد المقاعد التي يسيطر عليها حزبه، بل تمتد إلى اهتزاز صورته السياسية وإلى تزايد الشكوك بشأن جدوى سياساته.

وتتقاطع هذه القراءة مع عنوان الصحيفة الذي وصف الحرب بأنها تحولت إلى نقطة ضعف قاتلة لترامب؛ إذ لم تعد القوة العسكرية، وفق هذا المنظور، ضمانة لتحقيق المكاسب السياسية، بل أصبحت نتائجها الاقتصادية والاجتماعية عاملًا يمكن أن ينقلب على صاحب قرار الحرب نفسه.

إيران تواجه الجمهوريين والديمقراطيين على السواء

على الجانب الأخر، قدمت صحيفة ” فرهيختجان” الأصولية معالجة مختلفة نسبيًا، إذ لم تكتفِ بقراءة النتائج بوصفها هزيمة لترامب أو انتصارًا للديمقراطيين، بل وضعتها ضمن تصور أوسع لطبيعة الصراع الإيراني الأمريكي. وجاء عنوان مقال رئيس التحرير محمد زعيم ‌زاده، “إيران لا ترحم الجمهوريين ولا الديمقراطيين”، معبرًا عن الفكرة المركزية التي أراد المقال ترسيخها: أن طهران لا ينبغي أن تبني حساباتها على التباينات الحزبية داخل الولايات المتحدة، لأن العداء لإيران، بحسب طرح الكاتب، يتجاوز حدود الحزبين.

Image

واستند المقال إلى مقارنة تاريخية تبدأ بأزمة عام 1979 عقب قيام الثورة الإسلامية في إيران واحتجاز الرهائن ورحيل الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر، وصولًا إلى هزيمة ترامب الجمهوري، ليخلص إلى أن تعاقب الإدارات الديمقراطية والجمهورية لم يغير، من وجهة نظره، طبيعة المواجهة مع إيران. ولذلك حذر من التعامل مع فوز الديمقراطيين باعتباره تحولًا إيجابيًا مضمونًا في السياسة الأمريكية تجاه طهران، مستحضرًا تجارب إدارات ديمقراطية سابقة في فرض العقوبات والتدخل في الشؤون الإيرانية.

لكن الأهمية الأبرز في معالجة “فرهيختجان” تمثلت في انتقالها من تفسير نتيجة الانتخابات إلى طرح تصور استراتيجي لما سمته بالردع المركب. فقد رأى المقال أن المواجهة لا يمكن أن تنتهي بمجرد تحقيق مكسب عسكري أو سياسي، وأن حماية إيران وفتح الطريق أمام تنميتها يتطلبان بناء منظومة ردع متعددة الأبعاد. وحدد لهذه المنظومة عناصر تشمل تماسك المجتمع وقدرته على الصمود، وتطوير القدرات العسكرية والدفاع غير المتكافئ، والحفاظ على عدم قابلية العقيدة الدفاعية للتنبؤ، وتعزيز الكفاءة الإدارية والأمنية، إلى جانب تطوير الأداء الإعلامي والمعرفي.

وفي سياق تفسير أثر الانتخابات، اعتبر المقال أن إيران لم تؤثر في البيئة السياسية الأمريكية من خلال المواجهة العسكرية وحدها، بل إن تداعيات الحرب وصلت إلى الناخبين والمؤسسات السياسية في الولايات المتحدة. ومع ذلك، شدد على أن هذه النتيجة لا تعني أن الديمقراطيين أصبحوا حلفاء لإيران، بل إن الرسالة الأساسية، وفق رؤيته، هي أن الاعتداء على إيران يفرض تكاليف سياسية على الطرف المعتدي، بصرف النظر عن الحزب الذي يتولى الحكم.

الصواريخ الإيرانية في قلب الحسابات الانتخابية

أما صحيفة “جارسوق” فقد اختارت معالجة أكثر مباشرة وحسمًا في الربط بين القوة العسكرية الإيرانية والنتيجة الانتخابية الأمريكية، وجاء عنوانها “هندسة الانتخابات الأمريكية بالصواريخ الإيرانية” ليعكس هذه الزاوية. وذهبت الصحيفة إلى أن الصواريخ الإيرانية والقدرة على الردع في مضيق هرمز أسهمتا في تحويل الحرب من مغامرة عسكرية خارجية إلى أزمة سياسية داخلية في الولايات المتحدة.

Image

وتركز المقال على العامل الاقتصادي بوصفه الحلقة التي ربطت بين المواجهة العسكرية وصندوق الاقتراع. فإغلاق مضيق هرمز أو تقييد حركة السفن فيه، وفق الرواية التي تبنتها الصحيفة، أدى إلى اضطراب إمدادات الطاقة وارتفاع أسعار النفط ومشتقاته، وهو ما انعكس على أسعار البنزين والديزل وتكاليف المعيشة الأمريكية. واستشهدت الصحيفة بتقديرات تحدثت عن ارتفاع أسعار البنزين بنحو 50 في المئة والديزل بنحو 70 في المئة منذ اندلاع الحرب في فبراير/ شباط 2026.

ومن خلال هذا الربط، صورت “جارسوق” الناخب الأمريكي باعتباره الطرف الذي نقل كلفة الحرب إلى الحسابات الانتخابية، بعدما أصبحت آثارها ملموسة في ميزانيات الأسر وأسعار السلع والمواصلات. لكنها لم تنسب الهزيمة الجمهورية إلى الحرب وحدها؛ إذ أشارت أيضًا إلى أثر الرسوم الجمركية والتضخم والاستياء من أداء الحكومة، مع اعتبار الحرب أحد أبرز العوامل التي ضاعفت السخط على ترامب.

وبذلك قدمت الصحيفة قراءة تقوم على أن الصواريخ الإيرانية لم تكن حاضرة في صناديق الاقتراع بصورة مباشرة، لكنها أسهمت، بحسب تحليلها، في تشكيل الظروف الاقتصادية والسياسية التي أثرت في خيارات الناخبين. واختزلت هذه الفكرة في مفارقة مفادها أن ترامب بدأ الحرب بهدف هزيمة إيران، لكن نتائج المواجهة انعكست على حزبه في الانتخابات.

كلمات مفتاحية: