من انقلاب 1953 إلى المواجهة الراهنة.. مجتبى خامنئي يستحضر 7 عقود من الصدام مع الولايات المتحدة

لم تكن العلاقة بين طهران وواشنطن مجرد خلاف سياسي عابر، بل مرت بتحولات عميقة نقلتها من التحالف الوثيق إلى القطيعة، ثم إلى عقود من التوتر والمواجهة. وبين تدخلات خارجية أطاحت بحكومات، وثورة أنهت عهدًا من التحالف، وأزمات رهائن وحروب وعقوبات، تشكلت ذاكرة سياسية إيرانية تنظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها طرفًا رئيسيًا في مسار الأزمات التي شهدتها البلاد. وفي كل محطة، ظلت المصالح المتعارضة والتصورات المتباينة للأمن والنفوذ حاضرة في تحديد مسار العلاقة، حتى أصبحت المواجهة أحد أبرز ملامح السياسة الإيرانية الخارجية.

مجتبى خامنئي يعيد رسم تاريخ المواجهة مع واشنطن

ففي رسالته بمناسبة اليوم الوطني لمناهضة الاستكبار العالمي، والذي يأتي في الرابع من نوفمبر/ تشرين الثاني من كل عام، استعاد المرشد الأعلى الإيراني، مجتبى خامنئي، محطات الصراع بين بلاده والولايات المتحدة، واضعًا إياها في سياق تاريخي يمتد لأكثر من سبعة عقود، معتبرًا أن هذا اليوم يمثل رمزًا لاصطفاف جبهة الحق في مواجهة جبهة الباطل، وأن الشعب الإيراني بات أكثر وضوحًا في تحديد موقفه من الولايات المتحدة، لكنه شدد على أهمية مراجعة جذور العداء ومحطاته لفهم طبيعة المرحلة المقبلة.

Image

فقد بدأ خامنئي استعراضه بانقلاب عام 1953، الذي أطاح حكومة محمد مصدق، معتبرًا أنه كان خطوة أمريكية بريطانية هدفت إلى استمرار السيطرة على الموارد والثروات الوطنية الإيرانية، وفي مقدمتها النفط. وانتقل إلى مرحلة حكم الشاه، متهمًا الولايات المتحدة بدعم النظام الأمني والسياسي، والمساهمة في تأسيس جهاز السافاك، وتعزيز قبضته على المجتمع، فضلًا عن دعم محاولات الإبقاء على حكم بهلوي قبيل انتصار الثورة الإيرانية.

وفيما يتعلق بمرحلة ما بعد الثورة، عدد المرشد الإيراني ما وصفه بالإجراءات الأمريكية المعادية، ومن بينها دعم الجماعات الانفصالية والانقلابية، ومساندة حزب البعث العراقي خلال الحرب الإيرانية العراقية في العام 1980، وإسقاط الطائرة المدنية الإيرانية، وفرض العقوبات الاقتصادية، ودعم الاضطرابات الداخلية، واغتيال قاسم سليماني، والاستيلاء على أموال إيران وممتلكاتها في الخارج. كما أدرج الهجمات العسكرية المباشرة خلال الحربين المفروضتين الثانية والثالثة، وما خلفته من ضحايا بين القادة والعلماء والمدنيين، ضمن سجل المواجهة مع واشنطن.

Image

ولم يكتف خامنئي باستعادة الوقائع التاريخية، بل ربطها بالتطورات الراهنة، معتبرًا أن المواجهة مع الولايات المتحدة لم تعد مقتصرة على احتفالية هذا اليوم فقط، بل أصبحت، بحسب تعبيره، حالة مستمرة. كما توقف المرشد الإيراني عند مسألة الخليج العربي ومضيق هرمز، معتبرًا أن التطورات فيهما كشفت حدود القوة الأمريكية وأبطلت، من وجهة نظره، أسطورة عدم قابليتها للهزيمة، واصفًا إدارة إيران للمضيق وتدمير القواعد الأمريكية في دول المنطقة بأنهما “جاءا ردًا على الاعتداءات خلال الحرب المفروضة الثالثة”، والتي بدأت في فبراير/ شباط، معتبرًا ذلك جهادًا ابتدائيًا ضد الاستكبار على نطاق إقليمي، محذرًا من أن تكرار الاعتداءات قد يؤدي إلى اتساع نطاق المواجهة.

وفي جانب آخر، ربط المرشد بين ما اعتبره تراجعًا في النفوذ الأمريكي وتماسك جبهة المقاومة، مشيرًا إلى فلسطين، ولبنان، والعراق، واليمن، مصرحًا أن هذا التماسك يمثل مؤشرًا على تغير موازين القوى والتمهيد لنظام عالمي جديد.

 وعلى المستوى الداخلي، فقد حذر خامنئي من التعويل على تغيير السلوك الأمريكي نتيجة تبدل الإدارات أو الأحزاب، أو الاعتقاد بأن تقديم التنازلات قد ينهي العداء مع طهران، معتبرًا أن أي توجه نحو الاستسلام سيبدد ما تحقق من مكاسب، ويشجع واشنطن على المطالبة بمزيد من التنازلات.

وحدد خامنئي الطريق إلى ما سماه “الردع المطلق” في استمرار استراتيجية “إيران الأقوى”، من خلال التقدم الشامل والوحدة والتماسك الاجتماعي، كما طالب المسؤولين بمضاعفة جهودهم في خدمة المواطنين وتحسين أوضاعهم المعيشية، والحفاظ على كرامتهم واستقلالهم، مؤكدًا أهمية الدعم المتبادل بين الشعب والحكومة.

Image

اليوم الوطني للنضال ضد الاستكبار.. ثلاث محطات صنعت المناسبة

تستمد المناسبة التي اختارها خامنئي لإلقاء رسالته أهميتها من ثلاث وقائع تاريخية شهدها هذا اليوم في أعوام مختلفة، وأصبحت في الذاكرة الرسمية الإيرانية محطات أساسية في مسار الثورة ومناهضة النفوذ الأمريكي.

تعود الواقعة الأولى إلى عام 1964، حين اعتقلت قوات نظام الشاه قائد الثورة، روح الله الخميني، في مدينة قم، ثم نقلته إلى طهران قبل نفيه إلى تركيا. وجاء ذلك عقب اعتراضه على إقرار امتيازات الحصانة القضائية للمواطنين الأمريكيين، المعروفة باسم “الكابيتولاسيون”، والتي كانت تمنحهم وضعًا قانونيًا خاصًا يعفيهم من الخضوع للقضاء الإيراني في حالات معينة. وكان الخميني قد ألقى خطابًا في الرابع من نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه انتقد فيه القرار بشدة، معتبرًا أنه يمس سيادة البلاد وكرامتها. واستمر نفيه 14 عامًا، قبل أن يعود إلى إيران قبيل انتصار الثورة الإسلامية عام 1979.

Image

أما الواقعة الثانية، فحدثت في العام 1978، عندما خرج طلاب المدارس في طهران احتجاجًا على تدخلات الولايات المتحدة في الشؤون الإيرانية، واتجهوا إلى جامعة طهران، حيث انضم إليهم طلاب جامعيون ومواطنون، ووفق عدد من الروايات أطلقت قوات نظام الشاه الغاز المسيل للدموع، ثم الرصاص على المتظاهرين، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى. وأصبح هذا اليوم يُعرف باسم “يوم الطالب” تخليدًا لذكرى الطلاب الذين سقطوا خلال الاحتجاجات.

Image

وجاءت الواقعة الثالثة في 1979، عندما اقتحم طلاب تابعين لتيار “أتباع نهج الإمام الخميني” السفارة الأمريكية في طهران، واحتجزوا العاملين والدبلوماسيين الأمريكيين رهائن، مطالبين واشنطن بإعادة الشاه وتسليم أمواله. واستمرت الأزمة 444 يومًا، وتحولت إلى نقطة فاصلة في العلاقات بين البلدين. وقد وصف الخميني هذه الخطوة بأنها الثورة الثانية، بينما أطلق الخطاب الإيراني الرسمي على السفارة اسم وكر التجسس. وعلى خلفية هذه الأحداث، أقر البرلمان الإيراني تسمية هذا اليوم الوطني لمناهضة الاستكبار العالمي.

Image

من عهد الشاه إلى مجتبى خامنئي.. كيف وصلت العلاقات إلى المواجهة؟

ترجع جذور التوتر الحالي إلى مرحلة سبقت الثورة الإيرانية، وتحديدًا إلى انقلاب عام 1953، الذي أطاح حكومة محمد مصدق بعد تأميم صناعة النفط وسعيها إلى تقليص النفوذ البريطاني. فوفق تقارير نشرت بعدها، شاركت الولايات المتحدة وبريطانيا في دعم عملية الإطاحة بمصدق، وهو ما أدى إلى تعزيز سلطة محمد رضا شاه وتوسيع النفوذ الأمريكي في المؤسسات السياسية والأمنية الإيرانية. وقد ترك الانقلاب أثرًا عميقًا في الذاكرة السياسية الإيرانية، وأصبح أحد أبرز أسباب انعدام الثقة تجاه واشنطن.

Image

وخلال السنوات الخمس والعشرين التالية، تحولت الولايات المتحدة إلى الحليف الخارجي الأهم لنظام الشاه، وقدمت له الأسلحة المتطورة والدعم السياسي والأمني. في المقابل، اتسع دور جهاز السافاك في ملاحقة المعارضين وتقييد الحريات السياسية وتعذيب السجناء، وهي ممارسات ساهمت في تنامي الانتقادات الموجهة إلى النظام، وربطت قطاعات من المعارضة بين استمرار حكم الشاه والدعم الأمريكي له.

Image
Image

ومع انتصار الثورة عام 1979، انتقلت العلاقات إلى مرحلة القطيعة، خصوصًا بعد اقتحام السفارة الأمريكية واحتجاز الرهائن. ثم جاءت الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988 لتعمق المواجهة، في ظل اتهام طهران واشنطن بتقديم دعم استخباراتي وسياسي واقتصادي للعراق. كما مثل إسقاط الطراد الأمريكي “فينسينس” طائرة الركاب الإيرانية رقم 655 في يوليو/ تموز 1988، ومقتل 290 شخصًا كانوا على متنها، واحدة من أكثر الوقائع إيلامًا في الذاكرة الإيرانية المرتبطة بالولايات المتحدة.

Image

وبعد انتهاء الحرب، اتجهت واشنطن إلى سياسة احتواء طهران، ووسعت العقوبات على التجارة والاستثمار في إيران خلال تسعينيات القرن الماضي. وفي عام 2002، أدرج الرئيس الأمريكي جورج بوش إيران ضمن ما وصفه بمحور الشر، وهو ما زاد من حدة التوتر السياسي.

ومع ذلك، لم يخلُ المسار من فرص للتعاون، فبعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ظهرت فرصة جديدة للتفاهم، حيث قدمت حكومة محمد خاتمي مقترحًا شاملًا للتفاوض المباشر، تناول الملف النووي والسياسات الإقليمية الإيرانية، لكن البيت الأبيض لم يتعامل معه بجدية. كما شهدت تلك المرحلة تعاونًا بين الجانبين في الملف الأفغاني عام 2001، قبل أن تتراجع فرص التقارب مجددًا.

Image

وفي عهد باراك أوباما، عادت المفاوضات إلى الواجهة، وصولًا إلى الاتفاق النووي عام 2015، الذي فرض قيودًا على البرنامج النووي الإيراني مقابل تخفيف العقوبات. غير أن الاتفاق واجه اعتراضات داخل إيران والولايات المتحدة؛ إذ رأى منتقدوه في واشنطن أنه لم يتناول البرنامج الصاروخي والنفوذ الإقليمي الإيراني، بينما اعتبره معارضوه في طهران تنازلًا أمام الغرب.

Image

وجاء انسحاب دونالد ترامب من الاتفاق عام 2018، وإعادة فرض العقوبات ضمن سياسة الضغط الأقصى، ليعيد العلاقات إلى مربع التصعيد، ثم أضاف اغتيال قاسم سليماني في بغداد مطلع عام 2020 محطة جديدة إلى سجل المواجهة، وردت إيران عليها بقصف صاروخي استهدف قواعد أمريكية في العراق.

Image

ولم يقتصر التصعيد على ذلك، إذ شهدت العلاقات خلال السنوات التالية استمرار الخلاف حول الملف النووي والعقوبات الاقتصادية، رغم محاولات إدارة جو بايدن إحياء الاتفاق النووي. في المقابل، ظلت طهران تنظر إلى تجربة الاتفاق بوصفها دليلًا على هشاشة التعهدات الأمريكية، لا سيما بعد انسحاب واشنطن منه، بينما استمرت الخلافات بشأن البرنامج الصاروخي الإيراني ونفوذ طهران الإقليمي في تعقيد فرص التوصل إلى تفاهم جديد.

ومع انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر حدة، عادت الضربات العسكرية المباشرة إلى واجهة الصراع، إذ شهد يونيو/ حزيران 2025 هجمات أمريكية وإسرائيلية استهدفت منشآت نووية إيرانية في فوردو ونطنز وأصفهان، أعقبتها حرب استمرت 12 يومًا. وفي فبراير/ شباط 2026، تجددت الهجمات المشتركة بين واشنطن وتل أبيب على إيران، وأسفرت عن مقتل قيادات، ومسؤولين، وعلماء، ومواطنين. وهكذا، انتقلت العلاقات من مرحلة التوتر الدبلوماسي والضغوط الاقتصادية إلى المواجهة العسكرية المباشرة، وهو ما يستحضره مجتبى خامنئي في رسالته الأخيرة باعتباره حلقة جديدة في مسار صدام ممتد مع الولايات المتحدة، تعود جذوره إلى ما قبل الثورة.

Image
كلمات مفتاحية: