خسارة ترامب في الانتخابات الأمريكية.. بين خيارات تفاوض جديدة ومعوقات قديمة

لم تكن خسارة، الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، وفق القراءات التي تناولتها الصحافة الإيرانية، مجرد انتكاسة انتخابية للجمهوريين أو تراجع في مواقع نفوذهم داخل الكونجرس، بل تحولت إلى عامل جديد قد يعيد تشكيل حسابات البيت الأبيض في التعامل مع الملف الإيراني. فنتائج الانتخابات وضعت الإدارة الأمريكية أمام معادلة سياسية أكثر تعقيدًا، إذ بات عليها أن توازن بين الحفاظ على نهج الضغط على طهران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مكلفة. وبين محاولة تحقيق اختراق دبلوماسي يمكن تقديمه باعتباره إنجازًا سياسيًا قبل أن تتقلص مساحة حركة الرئيس مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

في المقابل، تنظر طهران إلى التحول في المشهد السياسي الأمريكي باعتباره فرصة لإعادة تقييم الموقف التفاوضي لواشنطن، والاستفادة من الضغوط الداخلية التي تواجه ترامب، خصوصًا في ظل الجدل حول كلفة الحرب مع إيران، وحدود القوة الأمريكية، والنتائج التي يمكن أن تحققها سياسة الحصار والعقوبات. لكن هذا التحول لا يعني بالضرورة أن الطريق أصبح ممهدًا أمام اتفاق بين الطرفين، فالمفاوضات لا تزال تصطدم بخلافات جوهرية تتعلق بالملف النووي، ومضيق هرمز، والعقوبات والأصول المجمدة، فضلًا عن تباين الأولويات الأمريكية والإيرانية، وتأثير الموقف الإسرائيلي في حسابات واشنطن.

خسارة انتخابية تضيق هامش ترامب…وثلاث مسارات رئيسة أمامه

قدمت الصحف والمواقع الإيرانية خسارة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي باعتبارها اختبارًا سياسيًا لترامب، إذ قد يؤدي تراجع نفوذ حزبه داخل الكونجرس إلى الحد من قدرته على تمرير أجندته، ما دفع بعض التحليلات إلى وصفه بـ”البطة العرجاء”، في إشارة إلى رئيس لا يزال في منصبه لكنه فقد جزءًا من تأثيره السياسي. ويرتبط ذلك بكلفة المواجهة مع إيران، وما تثيره من تساؤلات بشأن جدوى التصعيد، في ظل امتداد تداعيات الحرب إلى الاقتصاد والإنفاق الحكومي ومواقف الناخبين، بما قد يجعل استمرارها عبئًا سياسيًا يدفع البيت الأبيض إلى إعادة النظر في نهجه تجاه طهران.

وفي محاولة لتفسير الخيارات المتاحة أمام ترامب، عرض موقع اقتصاد آنلاين الإيراني، الخميس 5 نوفمبر/ شباط 2026، ثلاث مسارات رئيسة تتمثل في استئناف الهجمات العسكرية على إيران، أو العودة إلى التفاوض بهدف التوصل إلى تفاهم، أو الاستمرار في سياسة الحصار والضغط الاقتصادي دون الانتقال إلى حرب شاملة. وعلى الرغم أن تلك الخيارات تبدو أنها الخيارات الوحيدة المتاحة، إلا أن هذا التقسيم يعكس المعضلة التي تواجه الإدارة الأمريكية؛ فالتصعيد العسكري قد يفاقم الكلفة السياسية والاقتصادية، بينما يتطلب التفاوض تقديم تنازلات أو قبول ترتيبات قد لا تتوافق مع المطالب الأمريكية المعلنة. أما استمرار الحصار، فيبقي المواجهة قائمة بأدوات مختلفة، لكنه لا يضمن تحقيق الأهداف السياسية التي تسعى إليها واشنطن.

Image

ومن زاوية أكثر تفصيلًا، تناولت صحيفة “هفت صبح” الإيرانية، في تقرير نشرته في اليوم نفسه، خمسة سيناريوهات لمستقبل تحركات ترامب، تتجاوز مجرد المفاضلة بين الحرب والتفاوض، لتشمل احتمالات تنفيذ هجوم واسع أو ضربة محدودة على منشأة استراتيجية، والانسحاب من المواجهة مع تحميل الديمقراطيين مسؤولية إخفاقاتها، وصولًا إلى إبرام اتفاق مع طهران أو الإبقاء على حالة استنزاف تتواصل فيها العقوبات والاشتباكات المتفرقة دون حرب شاملة أو سلام مستدام. ويعكس هذا التنوع اتساع هامش الاحتمالات أمام البيت الأبيض، وصعوبة تحديد مسار واضح للتعامل مع طهران في ظل المتغيرات السياسية الداخلية.

Image

تقارير أخرى أشارت إلى وجود تباينات داخل البيت الأبيض بشأن طريقة التعامل مع الملف الإيراني، وهو ما يضيف عنصرًا آخر من عدم اليقين إلى مسار المفاوضات. فوجود أكثر من اتجاه داخل الإدارة قد ينعكس على الرسائل الموجهة إلى طهران، وعلى مدى ثبات الموقف الأمريكي من شروط التفاوض. وتزداد أهمية ذلك في ظل التحركات العسكرية الأمريكية، التي تظل حاضرة في خلفية المسار الدبلوماسي، وتمنح سياسة الضغط بعدًا يتجاوز العقوبات الاقتصادية.

مع ذلك، لم تتعامل التحليلات الإيرانية مع خسارة ترامب باعتبارها ضمانة لاتجاهه نحو التسوية. فثمة احتمال أن يلجأ الرئيس الأمريكي إلى تصعيد محدود أو إلى تشديد الحصار لإظهار أنه لا يتراجع أمام طهران، وأن خسارته الانتخابية لن تدفعه إلى تغيير سياسته. من هنا، فإن النتيجة السياسية للانتخابات قد تفتح نافذة للتفاوض، لكنها قد تدفع الإدارة أيضًا إلى استخدام أدوات الضغط بصورة أكثر حدة لتعويض تراجعها الداخلي.

طهران تراهن على الضغوط الأمريكية.. والوساطات تبحث عن مخرج

في المقابل، تناول موقع “فرارو” تداعيات الانتخابات الأمريكية من زاوية الفرص التي يمكن أن تتيحها لإيران، مشيرًا إلى أن تراجع موقف ترامب الداخلي قد يمنح طهران مساحة أكبر للمناورة السياسية والدبلوماسية. وتقوم هذه القراءة على أن الإدارة الأمريكية باتت مطالبة بمراعاة الحسابات الانتخابية والبرلمانية، وأن استمرار المواجهة مع إيران قد يفرض عليها أعباء إضافية في وقت تحتاج فيه إلى تخفيف الضغوط الداخلية.

Image

ولا تنفصل هذه الحسابات عن تقدير طهران لطبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، فقد أشار الموقع في تحليله إلى وجود اختلاف في الأولويات بين الموقفين الأمريكي والإسرائيلي، خصوصًا فيما يتعلق بحدود التصعيد والنتائج التي يمكن أن يحققها الضغط العسكري. وفي حين تضع إسرائيل الملف الإيراني ضمن حسابات أمنية وسياسية مباشرة، تواجه الإدارة الأمريكية اعتبارات أوسع تتصل بتداعيات الحرب على مصالحها وموقعها الدولي، فضلًا عن تأثيرها في الداخل الأمريكي. ويتيح هذا التباين، حسب التقرير، فرصة لطهران لاستثمار أي فجوة بين واشنطن وتل أبيب في تحركاتها الدبلوماسية.

في هذا السياق، ظهرت الوساطة القطرية باعتبارها إحدى القنوات التي يمكن أن تسهم في تقريب وجهات النظر، خصوصًا مع استمرار الاتصالات بشأن إمكان استئناف المفاوضات. وكانت تقرير قد أشارت إلى تحركات قطرية ورسائل متبادلة، في وقت لا تزال فيه القضايا الخلافية تحول دون الانتقال إلى اتفاق نهائي.

Image

وتكتسب الوساطات أهميتها من أن الطرفين لا يختلفان فقط حول مضمون الاتفاق، وإنما أيضًا حول ترتيب الخطوات المطلوبة للوصول إليه. فإيران تريد ضمانات وتغييرات ملموسة في المقابل، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى الحصول على التزامات تتعلق بالبرنامج النووي قبل تقديم تنازلات واسعة. وهذا الاختلاف يجعل مهمة الوسطاء أكثر صعوبة؛ إذ لا يكفي نقل الرسائل بين الطرفين، بل يتعين الوصول إلى صيغة تسمح لكل منهما بتقديم ما يراه تنازلًا مقبولًا دون الظهور بمظهر الطرف الذي تراجع عن شروطه.

خمس ملفات خلافية تعرقل الاتفاق.. من النووي وهرمز إلى العقوبات

رغم ما قد تتيحه خسارة ترامب من فرص سياسية للتفاوض، فإن العقبة الأساسية تظل في الملفات التي لم يتمكن الطرفان من التوصل إلى تفاهم بشأنها. وقد حدد تقرير صحيفة “همشهري أونلاين” خمس ملفات خلافية رئيسية تعرقل الاتفاق، تتصل بالشروط الإيرانية، والمطالب النووية الأمريكية، وإدارة مضيق هرمز، والوساطة القطرية، والرسائل السياسية الصادرة عن الإدارة الأمريكية، إلى جانب احتمال استئناف المواجهة بعد الانتخابات.

ويأتي الملف النووي في مقدمة هذه الخلافات، فواشنطن تسعى إلى الحصول على التزامات واضحة من طهران بشأن برنامجها النووي، بما يضمن تقييد الأنشطة التي تعتبرها مصدر قلق، بينما تتمسك إيران بشروطها المتعلقة بحقوقها النووية وطبيعة الالتزامات التي يمكن أن تقبل بها. ولا يقتصر الخلاف هنا على حجم التخصيب أو مصير اليورانيوم، بل يمتد إلى طبيعة الرقابة والترتيبات المطلوبة، والضمانات التي ينبغي أن تصاحب أي تفاهم، كذلك دور رافائيل جروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، في سياق النقاش المتعلق بالملف النووي، وما يرتبط به من مسائل فنية ورقابية.

Image

أما الملف الثاني فيتعلق بمضيق هرمز، الذي تحول إلى نقطة خلاف تتجاوز الجوانب الفنية لإدارة الملاحة. فالمضيق يمثل ورقة استراتيجية في حسابات الطرفين، وأي ترتيبات تتعلق به ترتبط مباشرة بالتوازنات الأمنية والاقتصادية في المنطقة. ولذلك، فإن الاتفاق على آلية لإدارته أو ضمان حرية الملاحة فيه لا يمكن فصله عن طبيعة التفاهم السياسي الأوسع بين إيران والولايات المتحدة، ولا عن تداعيات الحصار البحري والتحركات العسكرية المحيطة به.

Image

ويتمثل الملف الثالث في العقوبات والأصول الإيرانية المجمدة والإعفاءات المتعلقة ببيع النفط، فطهران تنظر إلى تخفيف العقوبات والإفراج عن أصولها المجمدة باعتبارهما جزءًا أساسيًا من أي اتفاق، بينما ترتبط حسابات واشنطن بمدى التزامات إيران ومدى استعدادها لتقديم تنازلات في الملفات الأخرى. ويبرز هنا خلاف جوهري حول توقيت تنفيذ الخطوات؛ إذ لا تريد إيران أن تقدم التزاماتها أولًا دون مقابل ملموس، في حين تسعى الولايات المتحدة إلى ضمان تنفيذ المطالب المرتبطة بالملف النووي قبل تقديم تخفيف واسع للضغوط الاقتصادية.

Image

ويتصل بذلك الخلاف حول طبيعة الحصار البحري واستمرار سياسة الضغط الاقتصادي، فالتقارير التي عرضت خيارات ترامب أشارت إلى أن الإبقاء على الحصار قد يكون بديلًا من التصعيد العسكري المباشر، لكنه لا يمثل بالضرورة مخرجًا من الأزمة. كما أن استمرار القيود الاقتصادية يضعف فرص بناء الثقة بين الطرفين، ويجعل التفاوض محكومًا بتبادل الشكوك بشأن نيات كل طرف ومدى استعداده لتنفيذ ما يتعهد به.

أما العقبة الرابعة فتتعلق بترتيب التنازلات والضمانات، وقد لخص تقرير “همشهري” جوهر المعضلة في أن الطرفين لا يختلفان فقط على ما ينبغي تقديمه، بل على من يبدأ أولًا. فإيران تريد أن ترى نتائج ملموسة، خصوصًا في المجال الاقتصادي، قبل الالتزام بتفاهمات جديدة، بينما تريد واشنطن التأكد من تنفيذ الالتزامات الإيرانية قبل تخفيف العقوبات. ومن دون صيغة متزامنة أو متدرجة تضمن تنفيذ الخطوات من الجانبين، قد تظل المفاوضات تدور في حلقة مفرغة.

Image

وتتمثل العقبة الخامسة في غياب الثقة السياسية واستمرار احتمالات العودة إلى المواجهة. فقد تناول التقرير رسالة فانس، إلى جانب التحركات العسكرية الأمريكية، بوصفها عناصر مؤثرة في حسابات طهران وواشنطن. كما طرحت احتمال استئناف الحرب بعد الانتخابات، بما يعكس أن المسار الدبلوماسي لم يستبعد الخيار العسكري بصورة نهائية. وتزيد هذه الأجواء صعوبة الوصول إلى اتفاق؛ لأن أي طرف قد يتردد في تقديم تنازلات إذا اعتقد أن الطرف الآخر قد يعود إلى الضغط أو التصعيد بمجرد تحقيق مكاسب تفاوضية.

كلمات مفتاحية: