- زاد إيران - المحرر
- إيران, متميز
- 7 Views
في ظل تصاعد المواجهة الأمريكية الإيرانية، لم تعد جزيرة قشم مجرد موقع جغرافي مطل على مضيق هرمز، بل تحولت إلى إحدى نقاط الاشتباك الرئيسية بين الطرفين، نظرًا لموقعها الذي يتيح مراقبة حركة الملاحة والتمركز العسكري بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ومع تكرار الهجمات الأمريكية على الجزيرة، تتزايد أهمية موقعها في الحسابات العسكرية الإيرانية، خصوصًا في ظل مساعي طهران للحفاظ على نفوذها في المضيق، وما يمثله ذلك من ارتباط مباشر بأمن الملاحة وتوازنات القوة في منطقة الخليج العربي.
الهجوم الأمريكي الأخير.. استهداف منظومة دفاع جوي ورسائل متبادلة
فقد عاد التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران إلى جزيرة قشم، فجر السبت 7 نوفمبر/ تشرين الثاني 2026، بعدما شهدت الجزيرة تبادلًا لإطلاق النار وانفجارات ونشاطًا لمنظومات الدفاع الجوي، بالتزامن مع تقارير إيرانية عن سقوط صاروخين في منطقة سوزا، وإعلان الجيش الإيراني إسقاط طائرة مسيّرة أمريكية من طراز MQ-9.

وبحسب ما نقلته وكالة “تسنيم” الإيرانية، فتشير التقارير الأولية إلى سقوط صاروخين على الجزيرة خلال الساعات الأولى من صباح السبت، دون الكشف رسميًا عن حجم الخسائر الناجمة عنهما. وفي الوقت نفسه، نقلت وكالة “إرنا” عن شهود محليين سماع صوت طائرة تحلق فوق الجزيرة، أعقبه سقوط مقذوفين في منطقة سوزا.
في المقابل، أعلن الجيش الإيراني أن منظومات الدفاع الجوي التابعة له اعترضت ودمرت مسيّرة أمريكية من طراز MQ-9 فوق قشم، موضحًا أنها استهدفت باستخدام منظومات متطورة تعمل ضمن شبكة الدفاع الجوي الموحدة. غير أن الجانب الأمريكي لم يؤكد هذه الرواية، وفقًا للمعلومات الواردة في التقارير الإيرانية.

من جانبه، أقر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بتنفيذ هجوم أمريكي محدود على الجزيرة، مستهدفًا منظومة دفاع جوي إيرانية بالقرب من قشم. وقال، خلال حديثه إلى الصحفيين مساء الجمعة، إنه لا يرغب في الخوض في تفاصيل الهجوم، لكنه أكد أن الولايات المتحدة تنفذ ضربات محدودة داخل إيران.
وقدم ترامب تبريرًا عسكريًا للعملية موضحًا إن القوات الأمريكية استهدفت منظومة صغيرة للدفاع الجوي أنشأتها إيران حديثًا، وتمكنت من تدميرها خلال نحو 15 دقيقة، وربما خمس دقائق، واصفًا الهجوم بالعملية المحدودة، في محاولة للفصل بين هذه الضربات وما يعتبره حربًا واسعة النطاق.

وفي سياق دفاعه عن طبيعة العمليات الأمريكية، قارن ترامب بين ما يجري في إيران والمواجهات الروسية الأوكرانية، مشيرًا إلى أن الحرب بين موسكو وكييف أسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى، معتبرًا أن ما تقوم به واشنطن في إيران لا يستحق وصف الحرب. كما زعم أن الولايات المتحدة أحرزت تقدمًا في تعاملها مع طهران، وأن إنتاجها النفطي أصبح أكبر مما كان عليه قبل الحرب.
ولم تقتصر تصريحات الرئيس الأمريكي على الجانب العسكري، إذ جدد ادعاءاته بشأن السيطرة على مضيق هرمز، متحدثًا عن فرض ما وصفه بأكبر حصار في التاريخ العسكري، ومؤكدًا أن لا شيء يعبر المضيق دون موافقة واشنطن. بل ذهب إلى القول إن الولايات المتحدة تمثل قوة احتلال تسيطر على المضيق، بالتزامن مع تأكيده استمرار التواصل مع الإيرانيين واحتمال التوصل إلى اتفاق.
في المقابل، تأتي الرواية الإيرانية لتضع الهجوم في سياق المواجهة المستمرة حول الجزيرة ومحيط المضيق، إذ لم يقتصر الرد المعلن على إسقاط المسيّرة الأمريكية، بل تضمن تأكيد قدرة منظومات الدفاع الجوي على التعامل مع التهديدات الجوية. ويكشف تزامن إعلان إسقاط MQ-9 مع إقرار ترامب باستهداف منظومة دفاع جوي عن اختلاف واضح في روايتي الطرفين بشأن نتائج الاشتباك، دون توافر تأكيد أمريكي للرواية الإيرانية بشأن المسيّرة.
سجل الاستهداف منذ بداية الحرب.. من المنشآت الساحلية إلى منظومات الدفاع الجوي
لم يكن الهجوم الأخير أول استهداف أمريكي لجزيرة قشم منذ اندلاع الحرب، بل جاء ضمن سلسلة من الهجمات والاشتباكات التي شهدتها الجزيرة ومناطقها الساحلية، وتنوعت أهدافها بين المنشآت البحرية، والمواقع الساحلية، ومنظومات الدفاع الجوي، والطائرات المسيّرة. وتكشف الوقائع التي أوردتها المواد الإيرانية عن تكرار النشاط العسكري الأمريكي والإسرائيلي في محيط الجزيرة، بالتوازي مع محاولات إيرانية للتصدي له.
بدأت أبرز الهجمات في 2 أبريل / نيسان 2026، عندما استهدفت طائرات أمريكية وإسرائيلية رصيف الدوحة للصيد في جزيرة قشم، إلى جانب رصيف الصيد والتجارة في بندر جارَك بمحافظة هرمزجان. ووفقًا لتصريحات أحمد نفيسي، نائب محافظ هرمزجان للشؤون السياسية والأمنية والاجتماعية، أسفر الهجوم على رصيف الدوحة عن إصابة مواطنين اثنين، بينما تعرضت ثلاثة قوارب إنزال مدنية لإصابات صاروخية في بندر جارَك، ما أدى إلى إصابة ثلاثة أشخاص آخرين. وأشار المسؤول الإيراني آنذاك إلى وصول فرق الإنقاذ والتقييم إلى الموقعين لتحديد حجم الخسائر.

وفي 18 مايو/ آيار 2026، شهدت الجزيرة اشتباكًا بين منظومات الدفاع الجوي وطائرات مسيّرة صغيرة، قالت السلطات الإيرانية إنها أمريكية إسرائيلية. وأعلن نائب محافظ هرمزجان تفعيل منظومات الدفاع الجوي للتصدي لهذه الطائرات، موضحًا أن الأصوات التي سُمعت في الجزيرة ناجمة عن الاشتباك مع المسيّرات المعادية. وفي الوقت نفسه، أكد أن القوات المسلحة الإيرانية كانت في حالة استعداد كامل، وأن الأوضاع في الجزيرة مستقرة وتخضع للسيطرة.

وتكرر استهداف المناطق الجنوبية من قشم في 24 يوليو / تموز 2026، عندما تحدثت وكالة “تسنيم” عن هجوم صاروخي أمريكي على الساحل الجنوبي للجزيرة، في إطار ضربات قالت إنها استهدفت مناطق مختلفة منها. ونقل مراسل الوكالة عن مصادر محلية وشهود عيان سماع ثلاث انفجارات قوية على الأقل في مدينة رمكان، قرابة الساعة 2:45 فجرًا، بالتزامن مع سماع أصوات تحليق مقاتلات حربية في سماء المنطقة. ولم يتضمن التقرير تفاصيل مؤكدة عن طبيعة المواقع المستهدفة أو حجم الأضرار الناتجة عن الانفجارات.

وفي 5 نوفمبر/ تشرين الثاني 2026، انتقل جانب من المواجهة إلى المجال الجوي فوق الجزيرة، بعدما أعلن الحرس الثوري الإيراني إسقاط سادس طائرة استطلاع أمريكية مسيّرة من طراز MQM-170. وذكرت العلاقات العامة للحرس الثوري أن العملية نُفذت بواسطة منظومات الحرب الإلكترونية المتطورة التابعة للقوة الجوفضائية، التي تمكنت من شل حركة الطائرة وإسقاطها في أجواء قشم. ويعكس هذا الإعلان انتقال المواجهة، وفق الرواية الإيرانية، من استهداف المنشآت والمواقع الساحلية إلى التعامل مع وسائل الاستطلاع والمراقبة الجوية.

وتكشف هذه الوقائع، مجتمعة، أن قشم لم تكن مجرد موقع يتعرض لضربات متفرقة، وإنما تحولت إلى إحدى ساحات الاحتكاك المتكررة في المواجهة حول مضيق هرمز، حيث تتداخل الأهداف العسكرية مع الاعتبارات الجغرافية والاقتصادية المرتبطة بالجزيرة ومحيطها.
قشم في معادلة مضيق هرمز.. أهمية عسكرية تتجاوز حدود الجزيرة
تفسر الأهمية الاستراتيجية لجزيرة قشم جانبًا أساسيًا من تكرار استهدافها، إذ لا ترتبط قيمتها بموقعها الجغرافي فحسب، وإنما بما تتيحه طبيعتها من إمكانات للتمركز العسكري ومراقبة حركة الملاحة والتأثير في أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وتقع الجزيرة في قلب الخليج العربي بمحاذاة مضيق هرمز، ما يجعلها نقطة اتصال بين المسارات البحرية الدولية، وموقعًا يمكن أن يؤدي دورًا مؤثرًا في معادلة الأمن البحري الإقليمي.
وتبرز هذه الأهمية بصورة أوضح عند النظر إلى العلاقة الجغرافية بين قشم ومضيق هرمز. فبحسب تحليل نشرته وكالة “تسنيم” بشأن أسباب الاستهداف الأمريكي لقشم ومنطقة سيريك، تتيح الطبيعة الجغرافية للجزيرة ظروفًا مناسبة لتمركز الوحدات العسكرية، وهو ما يمنحها قيمة في الحسابات المرتبطة بمراقبة التحركات البحرية والتعامل مع التهديدات المحيطة بالمضيق. أما منطقة سيريك، الواقعة عند مدخل المضيق من جهة بحر عُمان، فتكتسب أهمية إضافية باعتبارها إحدى النقاط الحيوية لمراقبة حركة العبور.

ومن هذا المنطلق، لا ينفصل استهداف قشم عن التنافس على ترتيبات السيطرة والنفوذ في مضيق هرمز، خصوصًا أن امتلاك مواقع قريبة من الممر البحري يوفر إمكانات للرصد والتمركز والتأثير في حركة السفن. وتذهب القراءة الإيرانية إلى أن الضربات الأمريكية تستهدف تقليص هذه الإمكانات، وإن كانت لا تصل، بحسب تقييم “تسنيم”، إلى مستوى إحداث تأثير جوهري في القدرات القتالية الإيرانية.
وتكتسب هذه المعادلة أبعادًا تاريخية أيضًا، وهو ما يظهر في الوثائق الأمريكية التي استعرضتها الوكالة نفسها بشأن تطور القوة الإيرانية في الخليج العربي. ففي تقرير سري أصدرته وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية عام 1979، بعنوان “مضيق هرمز: ممر حيوي ومعرض للخطر”، تناولت الوكالة أهمية المضيق بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي، مشيرة إلى مرور نحو 19 مليون برميل من النفط الخام يوميًا عبره، بما يعادل ثلث الإنتاج العالمي في ذلك الوقت.

وأبرزت الوثيقة اعتماد اليابان ودول أوروبا الغربية بصورة شبه كاملة على النفط المار عبر المضيق، إلى جانب اعتماد الولايات المتحدة عليه في تأمين ثلث وارداتها السنوية. كما أبدت قلقًا من تراجع القدرات العسكرية الإيرانية بعد الثورة، وانتهاء الدور الذي كان يؤديه نظام الشاه باعتباره شرطي الخليج، وما ترتب على ذلك من فراغ أمني في المنطقة.
ولم يقتصر اهتمام الوثيقة على القدرات العسكرية التقليدية، بل تناولت احتمالات استهداف الملاحة البحرية باستخدام الزوارق الصغيرة، مستندة إلى طبيعة السواحل العُمانية الصخرية والقاحلة، التي توفر أماكن ملائمة لإخفاء هذه الزوارق والانطلاق منها لتنفيذ الهجمات. كما حذرت من أن مجرد إظهار المضيق باعتباره منطقة غير آمنة للملاحة قد يؤدي إلى اضطراب تدفقات النفط، حتى دون الحاجة إلى إغلاقه فعليًا.
وبعد ثماني سنوات، عكست وثيقة أخرى نشرتها صحيفة “واشنطن بوست” في 24 مارس/آذار 1987 تحولًا في تقييم القوة الإيرانية. فقد تحدث التقرير عن نشر صواريخ «سيلك وورم» المضادة للسفن في جزيرة لارك، القريبة من مضيق هرمز، بمدى يصل إلى 80 كيلومترًا وسرعة تبلغ 800 كيلومتر في الساعة، بما يضع ناقلات النفط العابرة في نطاق التهديد.
كما تناول التقرير امتلاك إيران قدرات محلية لزرع الألغام البحرية باستخدام الزوارق السريعة، وهي قدرات ظهرت أهميتها لاحقًا عندما اصطدمت الفرقاطة الأمريكية يو إس إس صامويل بي. روبرتس بلغم إيراني عام 1988، وكادت أن تغرق.
وتكشف هذه المحطات التاريخية عن تطور موقع إيران في معادلة الأمن البحري، من دولة كانت الوثائق الأمريكية تشكك في قدرتها على تأمين المضيق عقب الثورة، إلى طرف يمتلك أدوات متعددة للتأثير في حركة الملاحة والتهديدات المحيطة بها. وفي هذا السياق، تمثل قشم إحدى النقاط الجغرافية التي يمكن أن تستند إليها طهران في تعزيز حضورها العسكري بالقرب من المضيق.
لكن أهمية الجزيرة لا تتوقف عند الحسابات العسكرية، حيث تسعى إيران إلى توظيف الموقع الاستراتيجي لقشم في تعزيز دورها الاقتصادي والتجاري، عبر تحويلها إلى مركز لوجستي وممر لعبور السلع والطاقة، يربط بين الشرق والغرب ويسهم في ممر الشمال والجنوب. وتوفر صفة المنطقة الحرة مزايا استثمارية، أبرزها الإعفاءات الجمركية والضريبية لمدة 20 عامًا، مع توجه لاستقطاب شراكات مع الصين، وعُمان، وقطر، وباكستان. وتشمل الخطط إعداد وثيقة تنمية شاملة وحزم استثمارية وتطوير الشراكة بين القطاعين العام والخاص. لكن تحقيق هذه الطموحات يظل مرهونًا بتطوير الموانئ والطرق والسكك الحديدية، وتحسين الخدمات اللوجستية والاتصال بالبر الرئيسي، في ظل المنافسة الخليجية.

وبذلك تتجمع في قشم ثلاثة أبعاد استراتيجية متداخلة: التمركز العسكري بالقرب من مضيق هرمز، والتأثير في معادلات الأمن والملاحة البحرية، والطموح إلى التحول إلى مركز إقليمي للتجارة والعبور. وهذه الأبعاد تفسر لماذا تتجاوز دلالات استهداف الجزيرة حدود الضربات العسكرية المحدودة، لتتصل بصراع أوسع على طبيعة الترتيبات الأمنية والاقتصادية في المضيق.
في المحصلة، لا تبدو قشم مجرد هدف عسكري ضمن المواجهة الأمريكية الإيرانية، وإنما تمثل إحدى نقاط التماس بين مشروعين متعارضين لإدارة النفوذ في مضيق هرمز؛ أولهما يسعى إلى تقليص قدرة إيران على فرض معادلاتها الأمنية والعسكرية، والآخر يعمل على تثبيت موقع الجزيرة ضمن منظومة الردع البحري الإيراني، وتوظيف موقعها في تعزيز دور البلاد في التجارة الإقليمية والدولية. ومن ثم، فإن استمرار استهدافها يعكس أن الصراع حول مضيق هرمز لا يتعلق فقط بحرية عبور السفن، وإنما أيضًا بمن يمتلك أدوات التأثير في أمن هذا الممر ومستقبله الاقتصادي.
